المشروع الوحدوي الناصري ومآل الوحدة العربية

الدكتور منذر اسبر

المشروع الوحدوي الناصري ومآل الوحدة العربية
————————————————————————
المسوؤلية التاريخية لمصر وسورية والاخطار الذاتية على الوحدة .
=========================

تاريخيا، ترافقت ولادة الاديان الكبرى مع نشوء الامة اذا اخذنا باصالة بعض المفكرين . بهذا فالدعوة المحمدية النبوية الكبرى تلازمت مع وجود تشكل للامة العربية وانتقالها من امة اتنية لجماعات عربية منقسمة ذات اصول ولغة بيانية وعادات ونمط معاش مشترك يمّيزها ، وذلك الى امة موحّدة ذات دولةمركزية جديدة واسعة الاطراف بقيادة زعيمها الكارزمي العربي العادل، الخليفة عمر ابن الخطاب..

ولقد استطاعت هذه الامة المتحدة مع الامويين والعباسيين من ارساء حضارة عربيةـ اسلامية شكلت النقلة النوعية في الدورة الحضارية للتاريخ ، من العالم القديم الشرقي الى العالم الحديث الغربي.

الّا ان هذه الامة لم تستطع الاستمرار في وحدتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بوجود ثلاثة دول امبراطورية متنازعة منذ القرن العاشر في دمشق والقاهرة والاندلس ، بما اعادها الى وضعية من نوع امة اتنية تشكل التجزئة اشكالية حقيقية فيها وصولا الى سيطرة اقوام اتنية طرفية ـ اسلامية عليها لتحل بعدها السيطرة الغربية مع القرن التاسع عشر ، ولتصبح التجزئة الاستعمارية الغربية واقعا يعمل العرب على التخلص منه نهوضا ثقافيا وكفاحا وطنيا وقومياتحرريا .

والواقع ان مصر وسورية قدشكلتا بوجه خاص قاعدة هذاالنهوض والكفاح الذي تكلل اخيرا باعلان عبد الناصر امام مجلس الامة المصري في 5شباط 1958 عن الوحدة بين هذين البلدين العريقين في تاريخ العرب والعالم .

ولانجد لاحياء ذكرى هذا الاعلان عن الوحدة وقيامها سوى العودة الي الاعلان نفسه ، نظرا لاهميته التاريخية فيما يطرحه من وعي على الكفاح الطويل الوحدوي للامة العربية ، والدور الريادي لسورية ومصر فيه ، والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الوحدوية الحديثة والاخطار التي تهددها .اننا بهذا نحيي ذكرى هذا الاعلان ودولته بقلم عبد الناصر نفسه .
———————————-

يقول عبد الناصر فيما يتعلق بالكفاح من اجل الوحدة واشكالها وتلازمه الوجودي مع الحياة للعربية ، في الوقت الي يتم فيه التلازم بين القوة العربية والوحدة منعة واقتدارا للعرب :

” لقد سبق كل فجرشهدنا مطلعه ليل طويل … ان الليل الذي سبق فجر الوحدة هو دون شك اطول ليالي كفاح امتنا العربية … لقد كان الكفاح من اجل الوحدة هوبنفسه كفاح من اجل الحياة .. ” ويضيف : ” لقد كان التلازم بين القوة والوحدة ابرز معالم تاريخ امتنا …وليس محض صدفة ان اشاعة الفرقة ، واقامة الحدود ..، كانا اول ما يفعله كل من يريد ان يتمكن في المنطقة والسيطرة عليها “.

في هذا فان عبد الناصر يشدد على اساليب السعي المختلفة لاقامة الوحدة مبيّنا :

“لقد كان اسلوب السعي الى الوحدة يتشكل بالعصر الذي تعيش فيه كل محاولة لتحقيقها … لقد اتحدت المنطقة بحكم السلاح يوم كان السلاح هو وسيلة التعبير في الطفولة الاولى للبشرية .. واتحدت المنطقة عندما بدأت رسالات السماء تنزل الى الارض واتحدت المنطقة بالمشاركة في العذاب يوم حلت عليها غارات الغزو العثماني ، وكان اتحادها في الثورة على الاستعمار “.

ماهي العلاقة المميزة بين سورية ومصر ودورهما ؟ انها العلاقة الوطنية الاستقلالية والقومية التحررية:

“حين حصلت سورية على استقلالها الكامل تطلعت الى مصر ، وحين حصلت مصر على استقلالها تطلعت الى سورية . ..في سورية ومصر نفس الاندفاع الى حرب فلسطين ، ثم في سورية ومصر نفس المعارك .. معارك الاحلاف الاجنبية ، معركة السلاح ، معركة المؤامرات، معركة التحرير الاقتصادي..” ويستأنف قائلا:

“كان ( هذا ) معناه ان سورية ومصر تحملتا المسؤولية التاريخية كونهما بلدين عربيين خلص زمام الامور فيهما لابنائهما وتحققت في اراضيهما سيادة حقيقية وانتهت محادثاتنا الى اعلان الوحدة.. “
——————————–

كل وحدة تطبع بالبيئة الزمانية لها خاصة في اوضاع حرب باردة ووجود صراع عالمي بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي ، استدعي الحياد الايجابي بينهما . لهذا يؤكد عبدالناصرالزعيم الكارزمي الجديد التي تفرزه الثقافة العربية ، ان الدولة الجديدة هي دولة عربية مركزية متحدة ذات سيادة ، يتولى فيها رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية بوجود مجلس تنفيذي في سورية ومصر وباشاعة الحريات في حدود القانون معلنا بذلك طبيعة هذه الدولة ووظيفتها العربية والدولية :

” لقد قامت دولة كبرى في هذا الشرق …دولة تحمي ولاتهدد ، تصون ولا تبدد..توحّدولاتفرق ..، ترد كيد العدو ، لاتتحزب ولا تتعصب ، تؤكد العدل ، تدعم السلام، توفر الرخاء “.

لقد تم الانقلاب العسكري على هذه الدولة في دمشق نفسها عام 1961 وبدأ العّد التنازلي، سياسة واقتصادا وتحررا . وما الحالة القائمة ـ انهيارا وحروبا اهلية وتابعية خارجية ـ الا نتيجة لاشكالية عربية في معاودة اخطار كبوات التاريخ العربية واطلاق عنان المصالح الخاصة وسيطرة النوازع الاقليمية و المذهبية والفوضويـة، وتوظيفها اليوم من قبل القوى ، الامبريالية الاقليمية منها والدولية، ضد حقوق الاوطان والشعوب والامة العربية.

لن يستطيع العرب اليـــوم ، على ضوء ذكرى الوحدة والعلاقات التاريخية المتميزة الدائمة بين مصر وسورية ، الخروج من انقساماتهم التي تعيدهم الى الامة الاتنية ، الا منذ الوقت الذي يعون فيه المجتمعات الحديثة والتوظيف النقدي لتجاربهم الوحدوية المختلفة ، والا عندما تتحقق لديهم ارادة الانتقـــال ـ نظر وعملا ومصالح واستراتيجية ـ من اجل اتحاد فدرالي ديمقراطي سيادي بين الدول العربية على قاعدة مجتمع مدني مواطني ، وعبر تنمية اقتصادية ودفاع مشترك وعملة نقدية واحدة . بل لابد من القول ان تحقيق هذه القاعدة هو الذي يمكن من اقامة اتحاد فدرالي عربي وصولا الى توحيد النظم السياسية العربية.

تحية لذكرى الوحدة السورية ـ المصرية ،تجربة اساسية تدعو الى استئناف العمل الوطني ـالاتحادي ـ العربي، في معطيات عصر جديد.

د. منذرابو مروان اسبر

24 شباط 2020

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية، أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: