العدد الثلاثون من جريدة المسار – تموز ٢٠١٩ الصادرة عن الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)

الافتتاحية:

محاولة واشنطن تجفيف امتدادات إيران الإقليمية

تضمَّنت سياسة “الاحتواء المزدوج” للعراق وإيران، التي اتَّبعتها إدارة جورج بوش الأب بعد حرب ،1991 ثمَّ أعلنتها إدارة بيل كلينتون سياسة رسمية لها، اتِّجاهاً إلى عدم تغيير البنية الاجتماعية الحاكمة في بغداد منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. وقد ظهرت ملامح ذلك، بعد استسلام الجيش العراقي بتلك الحرب أواخر شباط1991 في “خيمة صفوان” بأيام قليلة، لمَّا أغمضت الإدارة الأميركية عينيها عن سحق صدام حسين انتفاضة الجنوب، التي اعتبرتها واشنطن امتداداً لإيران واتّجاهاً إلى تقويض الواقع التقليدي القائم في بغداد. فيما صرَّح وزير الدفاع الأميركي هارولد براون في آب 1995، عقب انشقاق صهر الرئيس العراقي الفريق حسين كامل ولجوئه إلى عمان، أنَّ الولايات المتّحدة تريد “بديلاً من داخل النظام ومن منطقة الوسط”. تغَّير ذلك مع إدارة بوش الابن، الذي اتّجه، وقبل (11 أيلول2001)، إلى سياسة التخلٍّي عن “الاحتواء المزدوج” لمصلحة احتواء منفرد لبغداد عبر سياسة “العراق أولاً” التي تحوَّلت، بعد ضرب البرجين، إلى اتّجاه واضح نحو غزو العراق، وهو ما بانت ملامحه الواضحة في “خطاب حالة الاتّحاد” الذي ألقاه الرئيس الأميركي في الشهر الأول من 2002 بعد قليل من غزو الأمريكان لأفغانستان. كانت الترجمة الفورية لذلك تقارباً ايرانياً – أميركياً علنياً، لم يقتصر على مظهر التلاقي الموضوعي، كما حصل بينهما تجاه كابول “طالبان” في خريف 2001، وإنًّما امتدًّ إلى تلاقي الإرادات، وهو ما أظهرته صورة وفد المعارضة العراقية، الداخل إلى مبنى الخارجية الأميركية في أوائل آب 2002، بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم، الذي صرَّحت مصادره بأنَّه قد أخذ الضوء الأخضر من المرشد خامنئي قبل حصول هذا اللقاء، وهو ما تَّكرر في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في الشهر الأخير من عام2002، والذي حضره السفير الأميركي في أفغانستان سلمان خليل زادة، حيث بانت طبيعة التركيبة الحاكمة المقبلة في بغداد من خلال الحاضرين في ذلك المؤتمر، الذي غلبت عليه التركيبة الشيعية – الكردية.

كان يوم سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي في 9 نيسان 2003 بداية شهر عسل الزواج الايراني – الأميركي، وقد بانت ملامح ذلك عبر واقعة حصول حلفاء إيران التقليديين على الحصَّة الكبرى من كعكة “مجلس الحكم العراقي” الذي شكَله الحاكم الأميركي “بول برايمر” في تموز 2003، بعدما شكلوا الستارة المحلية الرئيسة للغزو، ثمَّ للاحتلال، فيما أعطت طهران تقاربات لافتة حيال الولايات المتحدة مقابل ذلك، كما جرى في شهر الرئاسة الدورية لمجلس الحكم من جانب السيد جلال طالباني، لمَّا اعترفت طهران بمجلس الحكم وأعادت فتح سفارتها في بغداد، الأمر الذي ترافق في الشهر نفسه، أي تشرين الثاني 2003، مع اعلان طهران وقف برنامج التخصيب النووي الايراني.

كان قرار السلطة الايرانية استئناف برنامج التخصيب النووي في 8 آب 2005، بعد قليل من انتخاب المتشدِّد أحمدي نجاد وهو المدعوم من السّيد خامنئي، إعلاناً عن حصول الانشقاق الايراني–الأميركي بمبادرة من طهران. ويبدو أن الإيرانيين درسوا ملياً، في حركتهم الهجومية الاستباقية هذه، ما حصل لدمشق التي وُضعت في موقع دفاعي من جانب القطب الواحد الآتي بحضوره المباشر إلى الاقليم منذ يوم 9 نيسان 2003، والذي أراد بعد هذا الحضور إعادة النّظر في الأدوار الاقليمية السابقة، وهو ما أدَّى إلى صدام مباشر مع دمشق، توضَّحت ملامحه منذ زيارة الوزير “باول” للعاصمة السورية بعد أسابيع من سقوط بغداد، ثمَّ وضعت عناوينه وأجنداته مع القرار 1559 (2 أيلول 2004) الداعي لسحب القوات السورية من لبنان.

لم يكن هذا القرار الايراني رد فعل على ما جرى عند شاطئ المتوسط، وإنّما تعبيراً عن محصلة قوى رأت طهران أنَّها أصبحت تمتلكها، عقب أن أزالت الولايات المتحدة أعداء ايران في الشرق والغرب، الذين دفعت طهران مئات الآلاف من جنودها عبثاً لإزالة أحدهم عند حدودها الغربية، وبعد أن تحقَّق لطهران نفوذ في بلاد الرافدين (عبر مشهد شبيه بالذي عبَّر عنه كارل ماركس تجاه ما قام به بسمارك من تحقيق للوحدة الألمانية في عام 1871، بعبارة “إنّه يقوم بجزء من عملنا”، وهو ما يستدعي الانطباعات الداعية للتأمُّل حول الفرق بين العقليتين الإنكليزية والأميركية اللتين يمكن تلمُّس الفرق في استيعابهما للوضع العراقي من خلال مطالعة “اوراق” “جيرتروود بيل” التي أقنعت لندن بتبنِّي فيصل ملكاً على العراق في صيف 1921 وقراءة مذكرات “بول بريمر” عن العام الذي قضاه في العراق) النفوذ الذي سعى اليه حكام بلاد فارس خلال الخمسة قرون الفاصلة التي تبدأ مع نشوء الدولة الصفوية (1502)، ليضاف ذلك إلى ما تملكه طهران من أوراق قوة امتدادية في لبنان وفلسطين، حيث أصبحت ايران، عبر قوى محلية فيهما، لاعباً رئيسياً في الصراع العربي – الاسرائيلي، ثم ليضاف ذلك إلى نفوذ ايران في اليمن عبر أتباعها الحوثيين الذين سيطروا على صنعاء في 20أيلول2014.

ربَّما، لن يكون هناك الكثير من المغالاة في القول إنَّ هناك بداية تنازع نفوذ بين طهران وواشنطن، على العراق، الآن. حيث يوجد للثانية قوات وقواعد عسكرية، فيما تملك الأولى الامتداد السياسي المحلي، ويملك الموالون لها الكتلة البرلمانية الأقوى ومفاصل السلطة والمراكز الكبرى. تعطي المسافة المتزايدة، باطِّراد، بين واشنطن والقوى الشيعية العراقية، مؤشِّرات على ذلك.

هنا، كان حديث وزيرة الخارجية الأميركية “كوندوليزا رايس” عن “معتدلين في مواجهة متشددين” في الشرق الأوسط، في أثناء زيارتها للمنطقة في تشرين الأول 2006، مؤشِّراً أوّلياً على الاتجاه نحو تبنِّي هذه الاستراتيجية الجديدة، بما تعنيه من انشاء حلف اقليمي ضد طهران برعاية واشنطن، بكلِّ ما يحويه ذلك من اتِّجاه أميركي مستعاد لإعادة الاعتماد على العديد من الأنظمة العربية القائمة، وما يعنيه هذا من التخلّي عن اتِّجاه الدمقرطة الذي تبنَّته الإدارة الأميركية عبر “مشروع الشرق الأوسط الكبير” (13 شباط 2004). هذا، أيضاً، يترافق مع ملامح أولية عند واشنطن للتخلي عن السياسة التي اتَّبعتها، منذ تولي بوش الابن للأمور عام2001، بوضع عملية “التسوية” للصراع العربي الاسرائيلي في البراد، ربَّما للاتّجاه نحو محاولة تجفيف ينابيع الامتداد الايراني إلى شرق المتوسط عبر البؤر المتفجِّرة في هذا الصراع. طرح ما يسمى ب “صفقة القرن” من خلال (ورشة البحرين) في 25-26حزيران2019، ولو عبر شقِّها الاقتصادي، فيماشقّها السياسي سيطرح بعد الانتخابات الاسرائيلية (17أيلول) وتشكيل حكومة جديدة هناك، يدل على ذلك.

من الواضح، الآن منذ سحب ترامب التوقيع الأميركي على اتّفاق 2015 النووي مع إيران بيوم 8أيار2018 ثمَّ بدء تطبيق العقوبات الأميركية على طهران في 4تشرين ثاني2018، مع اشتراط واشنطن ثلاثة شروط جديدة: تعديل الاتفاق النووي، اتفاق أميركي-ايراني على البرنامج الصاروخي الايراني، طرح ملف التمدد الايراني الاقليمي، إنَّ المنطقة، الممتدَّة بين أفغانستان وساحل شرق المتوسط وصولاً للجنوب عند باب المندب، أصبحت ساحة للمجابهة بين القوتين العظميين في الشرق الأوسط الراهن، أي واشنطن وطهران: إلى أين سيقود كل ذلك؟ إلى تسوية، وهو ما تدلُّ ظواهر عديدة على امكانية حصولها، أم إلى حرب؟

لقراءة العدد كاملاً:

https://scppb.org/2019/07/29/1944/?fbclid=IwAR20yJrHS574zhtPNd_4WPh0LQSHCHXai5hkMDZPuP1aryrGlb3iNGmwFlk

التصنيفات : منشورات أحزاب الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: