الحراك الشعبي الجزائري المخاض الأهمّ لصيرورة جديدة

محمود جديد

الحراك الشعبي الجزائري المخاض الأهمّ لصيرورة جديدة*

بقلم : محمود جديد

كانت العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة في ظلّ وضعه الصحي الصعب والفترة الطويلة التي حكم بها الشرارة التي أطلقت الحراك الشعبي الواسع في الجزائر بتاريخ : 22,/ 3 / 2013 .. ثمّ توسّعت وتصاعدت المطالب بشكل يتناسب مع تصاعد هذا الحراك لتشمل تغيير النظام بكامله, وقد التحقت أحزاب المعارضة بالشارع محاولة ركوب موجتها, ولكنّها لم تلقَ الترحيب الكافي منه,وبقيت مشتة تلهث وراءه, وفي الوقت نفسه, لم تظهر قيادة مؤطرة على السطح تمثّل هذا الحراك وتنطق باسمه, وبقيت المظاهرات مشدودة إلى الشعارات والمطالب التي أطلقتها, ولكنّ الشيء المميّز لهذا الحراك هو سلميته ووعيه, ورفضه التدخّل الخارجي بشتّى أشكاله, ممّا نال إعجاب الجميع في الداخل والخارج من الغيورين على مصلحة الشعب الجزائري . 

بدا الارتباك واضحاً على الحكومة الجزائرية, قمّة الهرم مريض, وخرج للعلاج في سويسرا, ولا نشرات طبية رسمية عن صحته, واعتمدت خطاباً مألوفاً فاقد المصداقية أصبحت ردود الأفعال عند سماعه من قبل الجماهير الغاضبة يزيدها غضباً وتصعيداً, لا بل وصلت الأمور لدرجة أن بعض المسؤولين أخذوا يستقيلون ويشيدون بالحراك الشعبي . ولكنّ الاستثناء كانت مؤسسة الجيش الشعبي الجزائري الذي استوعبت خطورة الأوضاع, وتابعت تطوّرها , فبعد الخطاب الأوّل التقليدي, اعتمدت نهجاً تصالحياً متفهّمة لمطالب الشعب بشكل إيجابي , ومشيدة بسلميتها , وكان رئيس الأركان على ما يبدو متعمّداً خلق المناسبات العسكرية لإلقاء الضوء على موقف هذه المؤسسة, ونحن على قناعة بأنّه توصّل إلى تحديد المسار المطلوب اتّباعه عند عودة بوتفليقة , وقد تكون القرارات التي اعتمدها الرئيس الجزائري مُعدّة مسبقاً من قِبل قيادة الجيش, والتي أعلن فيها عن عدم ترشّحه لولاية جديدة, وجملة من الترتيبات التي تلبّي جزئياً مطالب الشارع الجزائري .

هذا, وقد خلطت هذه القرارات الأوراق من جديد في الساحة الجزائرية بين صفوف الجميع, رئيس وزراء يُطلب منه الاستقالة ويُعيّن بديل عنه, وارتباك واضح في خطاب الموالاة مع محاولة التكيّف مع \المعطيات الجديدة مع قليل من التواضع . وبلبلة وتشكيك وانقسام بين أوساط الأحزاب المعارضة, واستمرار الحراك في الشارع مع ظهور تمايز في تقييم القرارات الصادرة عن بوتفليقة وفي الموقف منها .
ولكنّ اختيار الدكتور الأخضر الإبراهيمي لإدارة الندوة الوطنية كان موفّقاً, فهو معروف بكفاءته السياسية , وخبرته الطويلة في حلّ المشاكل في بلدان أخرى, وفي الوقت نفسه,لم ينغمس بشؤون الحكم سوى بتسلّمه وزارة الخارجية لفترة عامين في التسعينات, وهذه الوزارة بعيدة عن التعامل المباشر مع الداخل الجزائري . 

لاشكّ فيه , إنّ القرارات الجديدة لاتلبّي كل طموحات الشباب الجزائري المنتفض, والذي لم يستطع تحديد الآلية اللازمة لعملية التغيير التي ينادي بها, وليس باستطاعته إيجاد بديل عن مؤسسات الدولة العميقة لتنفيذ ما يطمح إليه, وماصدر من قرارات هو خطوة أولية من الضروري إعطاؤها الفرصة الكافية للتأكد من مدى جديّتها, وثمانية أشهر لبقاء بوتفليقة في ظل ضغط الأحداث عليه سياسياً وأمنيّا وصحياً تشكّل حلّاً وسطاً يحفظ ماء وجه الجميع, ويجنّب الجزائر الحبيبة احتمال الانزلاق في مخاطر لاتُحمد عقباها, علماً أنّ هذه الفترة ستكون حاضنة لعقد الندوة الوطنية, وتعديل الدستور أو تغييره, وسنّ قانون انتخابات جديد, وتعيين لجنة وطنية للانتخابات . ومع الاحتفاظ بحق الحراك الشعبي أن يشارك بممثليه في الندوة الوطنية القادمة, وأن يبقى يقظاً من أيّة محاولة لتفريغ مطالب الشارع وتصريفها في مسارب بعيداً عن أهدافها الوطنية, ولكن مع الحذر كل الحذر من الانزلاق نحو العنف وخاصة من الفتية المراهقين من طلاب المرحلة المتوسطة والصفوف الأولى من المرحلة الثانوية الذين التحقوا بالتجمعات والمظاهرات, أو السماح للقوى الخارجية من زجّ أنوفها في الشؤون الداخلية الجزائرية . في الوقت نفسه , فالواجب الوطنيى يفرض على القيادة الجزائرية الجديّة في تنفيذ قراراتها , واحترام طموحات الشباب الجزائري , وعدم اللجوء إلى الحلول الأمنية والعسكرية التي جرّبها بعض الحكّام في أقطار أخرى وثبت فشلها, ولكن لايعني هذا أن تقف متفرّجة على المسّ بحياة المواطنين والممتلكات العامة والخاصة . 

وأخيراً , نستطيع القول : إنّ الجزائر الحبيبة تمرّ بمنعطف تاريخي مفتوح الآفاق لمخاض نوعي ولتحوّل جذري, وصيرورة جديدة,فإذا وصلت الأمور إلى خواتمها الصحيحةستترك انعكاساتها الإيجابية ليس على المجتمع الجزائري فقط, وإنّما على الوطن العربي بكامله, ولذلك لا يسعنا هنا, سوى الأمل والرجاء والدعاء أن يحمي الشعب الجزائري, ويصون حراكه, ووحدته, وحريته واستقلاله, وسيادته, ويُبعد عنه الأصابع الخارجية القذرة, ويحميه من الانزلاق نحو العنف من أي مصدر جاء , ويضعه على سكّة تحقيق أهدافه في التغيير الوطني الديمقراطي المنشود, ومحافظاً على تراث ثورة نوڤمبر العظيمة الخالدة, ومنجزاتها الإيجابية .

في : 14 / 3 / 2019

*عن موقع الحوار المتمدن 

– المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: