المحامي علي صايغ: الدكتور جمال الأتاسي مفكراً , حول الفكر الى إرادة للتغيير السياسي

 

الدكتور جمال الأتاسي مفكراً , حول الفكر الى إرادة للتغيير السياسي

المحامي علي صايغ

في الـ  30 من آذار عام 2000 رحل عنا الدكتور جمال الاتاسي , وبعد أن وري الثرى جسداً .. قلنا وداعاً .. ونحن ندرك في لحظة الوداع تلك , أنه سيبقى فينا فكراً وتجربة , منهجاً ونضالاً .

ولجمال الاتاسي خصوصيته وموقعه في النضال الوطني والقومي , وخصوصية في ميله الطبقي إذ بالرغم من أنه ينحدر من أسرة شبه ارستقراطية , إلا أنه كان طوال حياته بجانب الطبقات الفقيرة والمسحوقة مناضلاً صلباً من أجلها ومدافعاً ومؤمناً بنهوضها .

وإذا كان من المألوف عادةً وجود المفكرين في مختلف مجالات الفكر والثقافة , ومن المألوف أيضاً تنامي السياسيين المشتغلين بالسياسة والعمل السياسي , فإن جمال الاتاسي نموذجاً للمفكر والسياسي معاً . وبمقدار ما كان مفكراً يحمل مشروعاً مستقبلياً , كان سياسياً مارس العمل السياسي برحلة استغرقت جل حياته , وطوع الفكر وجسده في حركة عمل وإرادة فعل وتغيير . وكان مثالاً ” للمثقف العضوي ” الملتصق بالجماعة والمعبر عنها , وعن ضميرها ومعاناتها , والفاعل فيها وبقواها الحية , ضارباً المثل في الدفاع عنها . ذلك المثقف الذي يراه يقرر النهوض بالأمة ” من حيث أن النهضة هي رؤيةً وفعل , رؤية مستقبل نحيله حاضراً إذ نقوله , وفعل يحقق هذه الرؤية . وهكذا تصبح الثقافة رسالة ( وبتعبيرنا نقول سياسة وإرادة تغيير ) ” . فالمثقف العضوي كما كان يصفه يندرج في ” تلك الفئة من المثقفين التي تميزت بموقفها المعبر عن ضمير الشعب ومعاناة الأمة , هي التي يمكن أن تشكل النواة الصلبة لعمل وحدوي منتج , لتنتقل بوعي قضية الأمة وأزمتها من شكله المضمر في الوجدان الشعبي إلى الشعور الجمعي , حيث يأخذ شكلاً محدد المعالم .. ولتعطي من جديد مفهومها للأمة ووحدة الأمة , وما تحمله من معان ومعايير ومقومات , ومن أهداف مستقبلية , وتضع الأمة على طريق تجدد حضاري ونهضة .

ولم يكن الفكر والسياسة عند جمال الاتاسي مرحلة بعد أخرى إلا حركة مراجعة نقدية مستمرة , تغوص في أعماق التجربة وتحللها , ثم تعيد تركيبها وترتيبها واستخلاص النتائج, والبناء عليها , وصولاً إلى رؤية استراتيجية تستشرف آفاق المستقبل .

وعندما نتحدث عن تجربته السياسية واستخلاصاتها , وبعد أن يقوم بالتمهيد لها بمقدمات عن طبيعة العمل الوطني والقومي , والمآلات التي قادت إلى التراجع والانحسار أو الانكسار , ودور النظم الشمولية الشبه المملوكية وأجهزتها , والقوى السياسية وانحسار فعلها , والعطالة والتعطيل الذي أصابها , فإنه يستطرد ويقول ” وإذا كان لي أن استخلص من التجربة السياسية بعد ذلك فكرة أقولها , فهي الوقوف عند ماتكشفه مراجعة تلك التجربة من قصورات كانت , فكراّ أو ممارسةً , في البناء الديمقراطي في عملنا السياسي , ولحركاتنا السياسية الوطنية والقومية , ولدورها في التقدم بالمجتمع وتحديثه , وتأسيس الديمقراطية والحريات الديمقراطية في روابطه وعلاقاته وتعبيراته , لتكون السيادة للشعب في مجموعه , وليكون فعلاً لا قولاً هو المعلم والقائد , ولا يقوى على التحكم به حزب واحد , ولا على تسلط فئة عليه . والدرس الذي يمكن أن تعلمنا إياه التجربة ومسار التاريخ السياسي لقطرنا وأمتنا العربية – منذ خمسين عاماً وحتى اليوم – هو أننا لم نتقدم في أية مرحلة , أو أية خطوة ناجحة على طريق التحرر والتقدم والوحدة , إلا عندما كان هناك نهوض شعبي , وإرادة شعبية جماعية تتحرك وراء مطلب , وتدفع نحو هدف ” .

وكان الأتاسي مقتنعاً بما كان يدركه ” غرامشي ” في استراتيجية ” حرب المواقع ” بالعمل السياسي بالتقدم إلى المواقع المختلفة في الهيمنة السلطوية , تبدأ من حيث أضعف ثم إلى حيث أقوى , إنها خلع للهيمنة باحتلال المواقع واحداً بعد آخر بالتوجه العام أولاً إلى الجماهير , وأن تأخذ القوى السياسية الثورية مواقعها في قلب القوى الاجتماعية وفئات المجتمع المتعددة , وتنهض بها ومن خلالها كل القوى السياسية , وتدخل في توجهات كل وطني وديمقراطي , مقدمة لاستكشاف الطريق إلى حركة الجماهير وتحريضها وبناء تلاحمها الوطني والنهوض بوعيها السياسي , والعودة بها لساحات النضال ككتلة تاريخية فاعلة  .

ونعود إلى حديثه عن قضية الفكر والسياسة في حياته , وقد تحدث عنها في مقال تحت عنوان ” حياتي بين الفكر والسياسة ” جاء فيه : ” وما كان الفكر في حياتي مجرد تراكمات لمعارف وثقافات أو لقناعات تشكلت وعبرت عنها , فأنا ما أنتجت في هذا المجال , ولا كتبت نشرة أو مقالة أو بحثاً ولا ترجمت كتاباً إلا وكان ذلك من خلال موقف أيديولوجي وسياسي , ولإحداث فعل وتأثير هادف في مرحلة معينة من مراحل عملنا الوطني والقومي . ولا السياسة كانت حرفة لي أو وظيفة أو تطلعاً لموقع أو نفوذ أو سلطة , بل السياسة التي استأثرت بالقسط الأوفر من اهتماماتي كانت ومازالت في حياتي التزاماً بقضية , وإحساساً بمسؤولية , وواجباً وطنياً وقومياً لتغيير واقع , والعمل في إطار جماعة ومجموعة ملتزمة بأهداف النضال القومي , كمشروع للتحرر والنهوض العربي والوحدة . وبهذا المنحى لا تعود حركة الإنسان السياسية وسعيه للفعل والتأثير في التحرك التاريخي لمجتمعه وأمته , إلا وهي على تلازم عميق مع تقدم حركة وعيه ومعرفته . ليصبح الفكر دليل الممارسة , ولتصبح الممارسة منظوراً ومنهجاً في التفكير أيضاً .

تلك محطة من محطات رؤية رجل أمضى حياته باحثاً عن إجابات لواقع الأمة العربية المرير . ولكنه وبذات الوقت لم يكن منظراً ينتظر من يؤمن بما كتب ودون , ليكون له مريدين وأتباع , وإنما كان يتحرك بالفكر إلى ساحات النضال التزاماً بمشروع مستقبلي لنهوض أمته العربية , وفاعلاً ومتفاعلاً مع الحركة السياسية الوطنية في مختلف أطوارها ومراحلها, ومسهماً بعزيمة لا تيأس بالحوار المنفتح في بناء تجمعها وتحالفاتها فكراً وعملاً ونضالاً .

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: