عن رجال بقلوب من ذهب..

عن رجال امتلأت قلوبهم الطيبة بالمحبة ودفء الحياة الرفاقية، فهزموا السجن والسجان. وصنعوا فرحاً نبيلاً أينما وجدوا، ولو كان داخل زنازين الطغاة.

الدكتور جهاد عطا نعيسة عاش مع هؤلاء الرجال، وكان واحداً منهم، وكتب بعض حكاياتهم:

عنهم (5)
عن رجال بقلوب من ذهب..
عن الرفيق الغالي إبراهيم عبود
========================

(سأقول، وأعيد القول فيكم؛ علّني أستطيع أن أجلو فليلاً من غبار الصمت؛ الذي يطبق حول قاماتكم الشامخة، أيها الأنبياء المردة… يا رفاقي…)

“كم أتمنى في هذه اللحظة لو أن والدي الراحل أبا عبود حيّ كي يرى هذا التجمع الرائع لرفاقه…” 
هذا أنت يا عبدَ الله، في غفلةٍ من عيون الزمن القفر، بالتفاتة مفاجئة وبضع كلمات من دفءٍ حميم، تنبش مواقد ذكريات بعيدة، فتقضّ رقاد مواجع غافية، وتثير زوابع من حنين تعبر بنا ثلاثة عقود من السنين.
العام الثاني والثمانون والتسع مئة بعد الألف.. القسم الجنوبي من قبو فرع التحقيق العسكري.. الزنزانة الثانية والخمسون.. من يقدر على النسيان…؟!

زنزانة ثنائية ضيقة جداً وباردة جداً وشبه معتمة كان عليها أن تتسع وتضيء فسحة حياة يومية لرفاق عشرة، في جملتهم الراحل الغالي “أبو عبود”…

عشرة كيانات بشرية، وكثير من العزيمة والتفاؤل، على الرغم من الشرط الوحشي للمكان وسدنته.. حينها يا عبَد الله كنا نستطيع أن نتدفأ ونستضيء بشموس لم يمتلكها أو يختبرها يوما أمراء الطوائف والمذاهب ولا مريدوهم أو دعاتهم، على اختلاف أسمائهم ومسمياتهم..

كم هم بؤساء وشحيحون يا عبدَ الله أولئك الذين لم ينعموا يوماً بشموس العلاقة الرفاقية..! تلك القادرة أبداً أن تُدفئ وتضيء أكثر الأماكن صقيعاً وحلكة في العالم.

كنا نرقد تسييفاً مقلوباً (رأساً بمحاذاة عقب) خمسة رفاق، فيما يضطر خمسة آخرون للسهر بسبب ضيق المكان شبه مقرفصين.. بعضنا كان يلتقي الآخرين للمرة الأولى في حياته، لكن تاريخاً من الأواصر العميقة كان يشدّ كلاً منا إلى سواه.

في مكان منذور لحصار الروح والجسد، استطعنا أن ننعم بحرية أعماقنا، فاستحال المكان فضاءً فسيحاً لضحكات سعيدة صاخبة, لطالما كان الراحل الغالي مفجّرها، والبادئ بها، ولطالما استثارت غضب الجلاوزة واستنكارهم، فحاولوا ـ عبثاً ـ تبديدها بصياحهم الأحمق، وتهديداتهم الأكثر حماقة.

هكذا يا عبدَ الله كنا نحاصر المكان وظلماته، فتحلّق ضحكاتنا وحكاياتنا وأحاديثنا خارج كل المواضعات الجائرة لسجونهم.

لحكايات السجناء وأحاديثهم نكهة أخرى مغايرة لكل حكايات الناس وأحاديثهم يا عبدَ الله. وفي ذلك الزمن المغاير كنا في الزنزانة الثنائية الجنوبية الثانية والخمسين ننعم جميعاً بحكايات ودفء قلب حنون بغير حدود.. قلب من ذهب لرفيق ذي حضور آسر اسمه إبراهيم عبود، فمن يستطيع أن ينسى…؟!

ثم كان انتقالنا الجماعي إلى المهجع الحادي عشر في القسم الشمالي من الفرع المذكور، المهجع الذي ضمّنا على اتساع نسبي بعد أشهر الزنزانة التي كنا نتكدس فيها ونكدّس معنا ما يوشك أن يكون ملابس أو طعاماً أو حاجات بشرية أخرى لعشرة كيانات بشرية كان عليها أن تشد العزائم وتتحدى شرطاً من أكثر شروط سجون العالم بؤساً. لكن المهجع الفسيح ويا للأسف الشديد..! كان يجاور غرف التعذيب، فيضيق بنا ما أن تبدأ أولى حفلات التعذيب الصباحية اليومية، مع صراخ بشر من لحم ودم يُشبحون عراةً مقلوبي الرأس على السلالم، أو يتقوّسون على الكراسي الألمانية التي تتركهم نصف مشلولين، أو يتكورون داخل دواليب ضئيلة تقبض على أنفاسهم، فيما هم يستقبلون لسع السياط ذات الأطراف المعدنية المتسلخة، ليس على الأرجل المقيدة المتلاصقة المنتصبة في الفراغ بانتظار مصيرها الدموي فحسب، بل على كل بقعة من أجسادهم المباحة لسادية الجلادين وسعارهم المتصاعد مع كل صرخة تطلقها تلك الأجساد المثخنة بجراحها. 

مأ أشد ضراوة البشر يا عبد الله حين يستحيلون وحوشاً تدير الظهر لكل الأعراف والقيم الإنسانية..! لكن المهجع المحاصر بصراخ المعذبين وأنينهم كان يعود إلى الانفراج، ما أن يحل بنا الليل وتنتهي آخر مهرجانات حرّاس الجحيم، فنعود إلى الضحك راجين في أعماقنا أن تتطاول بنا ساعات الليل إلى غير نهاية.. فهل تعرف الآن يا عبد الله معنى أن يردد الجبُّ ودياجيره صدى ضحكات طليقة في أزمنة الحرائق تلك..؟ 

لكن.. من يملك قرار يومه أو غده في سجون الطغاة؟ من يستطيع أن ينسى ذلك اليوم المأساوي الذي باغتونا فيه بنقل معظم الرفاق إلى “تدمر”، والاحتفاظ ببعضنا في فرع التحقيق مدداً إضافية، قبل إلحاقنا بهم، أو ترحيلنا إلى سجون أخرى، يوم فرغ بنا المكان وأعتم بعد امتلاء وسطوع، فاستحال أضيق من حفرة قبر.

ثم…

هي ذي تسع سنوات ونصف تعصف بمصائرنا خلف أسوار سجن “تدمر”، أو “المزة”، أو “فرع التحقيق العسكري”، أو “القلعة” أو سواها.. 

ثم.. هي ذي تلال “صيدنايا” آخر المطاف تحتضن لقاء الغيّاب بعد طول “تفريق”.. 

هل أحدِّث يا عبد الله كيف ارتمينا جسداً وروحاً واحدنا على الآخر..؟ هل أحدّث عن العيون التي تحترق كبرياءً في مجالدة الدمع الكاوي..؟ هل أحدّث عن لهفة اللقاء وفرحته والراحل الغالي يتدفق أسئلة ملحاحاً متلاحقة عن رفاق “الغرف” في “المزة”، عنهم واحداً واحداً دون أن يغفل عن اسم أيٍّ منهم .. صحتهم.. أقوالهم.. أفعالهم.. تفاصيل حياتهم في عقد سجنهم الثالث، وتلك النظرة المطْمئنة المبتهجة، التي تفيض تعاطفاً وفخراً وهو يصغي إلى حكاياتي المطنبة عنهم ورغبتي المتجددة بلقائهم، فيستزيدني تفاصيل واستطراداً وإطناباً. 

ما أوجع السنين يا عبد الله حين تخطف منا أحبة كانوا ملء العين والقلب والوجدان، ولكم يبدو العالم قاحلاً برحيلهم…! 

ساعة وصول الخبر الصاعق المباغت لم أرد تصديقه، فأمِلتُ تصويباً ما في التفاصيل، نقطة معتمة تنجلي فجأة فتميل بها، ولو قليلاً، عن مسار قدر أرعن، خطف فجأة، واحداً من أحب الرفاق إلى القلوب. 

لكن…!!!

ونحن نتبادل التعازي الذاهلة في هيكل المنزل الفسيح، الذي أراده الراحل الغالي مضافة للرفاق، كما أعلمنا أحد الأعمام، فغدا سرادق مأتم موتٍ غادر مبكر.. ونحن ننحدر مشيِّعين بخشوع وصمت في دروب القرية الكابية الممتدة نحو المثوى الأخير.. ونحن نكاد ننحَلّ من فقدٍ ووجعٍ لا يُطاقان في لحظة الذهول القصوى تلك، كانت تتردد ضحكاتك الطليقة الصافية يا أبا عبّود.. تستعيدنا، واحداً واحداً، إلى زمن سجني لم يكن لأحد أن يختاره يوماً، لكنه آنذاك، آنذاك فقط، كان يبدو زمناً جميلاً ومرغوباً بغير حدود، لأنه كان حافلاً بكل الرفاق الذين رحلوا قبل حين الرحيل..لأنه كان حافلاً بك أيضاً أيها الرفيق الغالي إبراهيم عبود.
==========================================

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: