الخطوط الحمراء في السياسةالدولية

%d9%85%d9%86%d8%b0%d8%b1-%d8%a7%d8%b3%d8%a8%d8%b1-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d9%88%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%b1

 

عرض الدكتور منذر  اسبر

مما يلفت النظر ما قدمه الباحث السياسي برينو تيرتريه ،الذي يعمل في مؤسسة البحث الاستراتيجي ((FRS )، عن ديبلوماسية (الخطوطالحمراء) في مجلّة السياسة الدولية الفرنسية.

 لاول وهلة يمكن النظر الى هذه الديبلوماسية على انها قائمة على التحذير الردعي، واستخدام القوة لحل النزاعات التي يعيشها العالم والتي رافقت تاريخه، وادلعت الحروب بين الوقت والآخر . فلقد تم الحديث مؤخرا عن الخطوط الحمراء سواء فيما يتعلق باستخدام السلاح الكيماوي في سورية اوالقول بوجود عدوان روسي على بلدان حلف الاطلسي.

في كل الحالات يتعلق الامر باستباق امكانية قيام حدث معيّن لايمكن القبول به، وذلك بتحديدعتبة يؤدي تجاوزها الى نتائج خطيرة اوكارثية، الا ان هذه الديبلوماسية اذا مانظرنا اليها عن كثب فاننا نجد ان محصلتها مختلفة عما تهدد به. اذن لابد من البحث عن اسباب ذلك. بعبارة اخرى: لماذا يتم اختراق الخطوط الحمراء في العلاقات الدولية ؟

اذا كانت الحدود الفاصلة بين الدول واضحة، بالنسبة لمعظمها، فان تعريف (العدوان) يحمل اشكالات لتعيينه، اذ تلجأ بعض الدول الى استخدام ميليشيات داخل اراضي دولة مجاورة بهدف التدخل في شؤونها بما يجعل الخطوط الفاصلة سائبة في هذه الحالة. هذا ما حدث بالنسبة لباكستان عام 1999 (ازمة كارجيل) او بالنسبة لروسيا عام 2010 (مشكلة اوكرانيا) في الوقت الذي نشير فيه إلى ان المثال نفسه ينطبق اليوم على تركيا ( المعضلة السورية).

ومما يجعل الخطوط الحمراء مخترقة هي مشكلة التبعات. فمثلا كانت التهديدات الامريكية عام 1962حول كوبا ملتبسة عندما تعلن انه (اذا كانت الاسلحة الاستراتيجية قد نشرت في الجزيرة الكوبية فان المشاكل الاكثر خطورة ستعقب ذلك). هذا من جهة، ومن جهة ثانية فان العواقب حول الانتشار المذكور لم تكن هي بدورها واضحة. لهذا فان التهديدات الامريكية لم تكن تؤثر على خروتشيف الروسي .
ويشير الباحث الى المثال السوري بالقول ان العواقب المترتبة على استخدام السلاح الكيميائي في سورية حملت الابهام الدبلوماسي اذ ان اوباما في تهديده بان نقل السلاح الكيماوي اواستخدامه ( سيغير من حساباتي، سيغير من معادلاتي وستتم عواقب وخيمة ) قدعنى ان امريكا ستدرب وتسلح معارضين اكثر من القيام بعمل عسكري في سورية.

ومن الاسباب التي تدعو الى اختراق الخطوط الحمراء ايضا هي ان العديد منها قليل ان لم نقل ناقص المصداقية. وهذا ناجم عن ان من يوجّه له التهديد غير مقتنع به من جرّاء سمعة الحاكم الذي يعلن الخطوط الحمراء لخصمه او عدوّه. فالضمانة التي قدمتها لندن وباريس الى بولونيا ضد هتلر لم تحرك ساكنا لديه نتيجة موقف هاتين العاصمتين من ازمة تشكيلوسلوفاكيا عام 1939. وهذا ماينطبق ايضاعلى اوباما في تهديده لدمشق، لماذا؟ لان البيت الابيض الامريكي لم يكن ميّالا الى استخدام العنف في الشرق الاوسط بعد تجربته في افغانستاق والعراق .
———————————————–
هناك امر آخر لفشل الخطوط الحمراء في ان اختراقها يستحق ثمن الاقدام عليه. وهنا فان المثال الكلاسيكي الذي يشدد عليه البحث يدور حول حرب الكبور 1973. فالسادات كان يعرف جيدا ان الهجوم على اسرائيل سيلقى ردا عسكريا قويا ، الا ان ذلك كان يعني بالنسبة له تغيير الاوضاع في الشرق الاوسط والانتقال نحو المعسكر الغربي . ومناحيم بيغن لم يتردد في اطلاق التحذيرات ضدامتلاك اسلحة الدمار الشامل في المنطقــة (العراق، سورية ،ايران). بيد ان هذه التحذيرات الحمر اء لم تحّول هذه البلدان من البحث عن امتلاك هذه الاسلحة لما يوفر لها من امن اقليمي استراتيجي.

ان وجود خطوط حمراء من شانه ان يشكل ضوءا اخضر لانتهاكها. ففي عام 1961مثلا نتج عن تهديد امريكا لروسيا السوفياتية في عدم غزو السوفيات للاجزاء الغربية لبرلين ان ماعدا ذلك مسموح به، مما جعل خروتشيف يقيم جدار برلين ويضع حدا للانتقال الحرّ بين برلين الشرقية وبرلين الغربية.

وفي عام 1990 فان السفيرة الامريكية في بغداد ابدت لصدام حسين ان الخلاف بين العراق وجيرانه الخليجييين لايعنيها، مما حفّز الرئيس العراقي على الاعتقاد ان بامكانه غزو الكويت، والاعلان عنه مقاطعة عراقية. كذلك فان تصريح الامين العام لحلف الاطلسي في سبتمبر 2014 (انني لا ارى من خط احمر من شانه ان يقود الى الحرب) شكل بالنسبة لبوتين انه باستثناء العدوان على اية دولة من دول الحلف الاطلسي فبامكانه التدخل باستمرارفي اوكرانيا.

 ان وضع الخطوط الحمراء لايحول من جانب آخر في امتحانها. اذ ان الخصم يلجأ الى اختبار الدولة صاحبة التهديد ومعرفة الحدود التي يمكنه فيهااختراق هذه الخطوط. ففي آب 2014 وفي الوقت الذي كانت تقول فيه احدى الصحف الفرنسية (روسيا ـ اوكرانيا : الخط الاحمر) فان استراتيجية بوتين قامت على اختبـار التهديد، لا بالقيام بغزو جوي ـ ارضي وانما بادخال مسلحين وعتاد عسكري في الاراضي الاوكرانية اي بالتسرّب عبر الخط الاحمر.

وفي عام 2000 وضد التهديدات الاسرائيلية بعدم تجاوز منطقة الجنوب اللبناني فان حزب الله قام بذلك وبأسر جنود اسرائيليين واضعا التهديد الاسرائليي امام امتحان فعلي ولمعرفة حدود الرد الاسرائيلي عليه.

ويضيف الكاتب مثال كوريا الشمالية بالنسبة لكوريا الجنوبية في قصف جزيرة يوتبيونج عام 2010 بغية اختبار الخطوط الحمراء وضمانات امريكا لأمن كوريا الشمالية وحدود التصعيد العسكري معها.

 من الطبيعي ان نقول باهمية قراءة سياسة الخطوط الحمراء بدقة، وانها تخضع، كما يقول الباحث، الى مجمل العوامل التي اشار اليها، في حين ان السلام الدولي يشكل ايضا احدى العوامل التي تحد منها، وان المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والعواقب التي تنجم عن ذلك تدخل في حسابات المسؤولين، بل ان الرأي العام الداخلي في البلدان الغربية، بوجه خاص، من شانه ان يساعد او ان يكبح هذه السياسة، إلّا ان الرافعة الاساسية التي تحد منها، عدواناً او تدخلاً او تسّرباً، لايمكن مواجهتها في اوضاعنا الا عبر الشعوب المتحدة والمنظمة . ان الوضع في سوريا وبالنسبة لكافة شعوب المنطقة ابلغ مثال على ذلك.

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: