سامر عساف: عن ضرورة مؤتمر الإنقاذ في دمشق

%d8%b3%d8%a7%d9%85%d8%b1-%d8%b9%d8%b3%d8%a7%d9%81-%d9%88%d8%ac%d9%87%d8%a9-%d9%86%d8%b8%d8%b1

سامر عساف : 24/11/2016

يرفض مختلف أطراف الصراع في سورية الاعتراف بأن ما يجري هو حرب أهلية. فبينما يدفع النظام ومن خلفه, إلى تعريف ما يجري بأنه “حرب على الإرهاب” و”حرب على سوريا” و”مؤامرة خارجية”, يصرّ الطرف الآخر على أنها حركة ثورية مناهضة للاستبداد.

لم تكن الحرب الأهلية في أمريكا طائفية أو قومية، ولا مثيلتها في إسبانيا, بل كانت بين شمال وجنوب في الأولى، وبين الجهوريين والفاشيين في الثانية. فالحرب الأهلية لا تهتم بجذور الصراع ولا يأتي تعريفها من الانتماء الإثني أو العقائدي لأطرافها، بل يكفي أن يكون طرفا الصراع من الوطن نفسه لتحمل هذا الوصف. في السياق ذاته، لا يمكن الاستناد إلى محددات أخلاقية لاستخدام المصطلح وتخبرنا الحروب الأهلية ومنها السورية, أن الميزان الأخلاقي في هذه الظروف يسقط ويصبح ترفاً فكرياً.

لقد بدأت الحرب الأهلية في سوريا منذ سقوط القتلى في المظاهرات الأولى في درعا، و بدأت منذ مقتل العشرات من عناصر الأمن في جسر الشغور, في أوائل حزيران من العام 2011، بعد أقل من ثلاثة شهور على انطلاق الاحتجاجات الشعبية.

إن تمسك الاسد بالسلطة وتسليح قوى إقليمية لمعارضيه، دفع إلى مزيد من العنف وفق متوالية حسابية أتت على البشر والحجر في سوريا. في تلك الأثناء تداعت قوى وطنية تؤمن بالتغيير, لتحقيق مصالح المواطنين وبناء الوطن, إلى مؤتمر إنقاذ عقد في تشرين الأول من العام 2012. حورب المؤتمر والمؤتمرون من قبل “صقور” مختلف أطراف الصراع، في سورية وخارجها ولم ينجح المؤتمر في مهمته آنذاك, ويمكن تخيل, كم من خسائر السوريين والوطن, كان من الممكن توفيرها خلال السنوات التي تلت, لو أن المؤتمر نجح.

في هذه الأوقات تتداعى بعض تلك القوى نفسها لعقد مؤتمر إنقاذ جديد، سعياً لتحقيق ما فشلت به في مؤتمرها السابق, وهو وقف النزيف السوري المستمر منذ سنوات، والشروع بحل سياسي. هذه الدعوة لها مبرراتها ولها من يحاجّ بعدم جدواها. وهذه محاولة لتوضيح المبررات التي تدفع نحو تبني فكرة هكذا مؤتمر ودعمه.

خلال خمس سنوات خلت لم ينفع التجييش ولا الاستقطاب الحاد، لا في إسقاط النظام ولا في هزيمة معارضيه, بل دمّر الصراع سورية وشردّ أبنائها وشتتّ شملهم. وتصدر الغرباء المشهد وأصبحت سورية ساحة للصراعات الاقليمية والدولية, بالإنابة وبشكل مباشر أحياناً. وهنا يجدر التنويه إلى أن مؤتمر لوزان حول سورية، الذي عقد في وقت سابق من العام الجاري، لم يحضره أي سوري في دلالة واضحة على مآلات الصراع الإقليمي والدولي في سورية، والذي يدفع السوريون حيواتهم ثمناّ له. بناءً على هذا فإن إعادة الملف السوري إلى السوريين أنفسهم أصبح ضرورة ملحّة، وهكذا يصبح الحراك السياسي على الأرض السورية ضرورة وطنية.

إن تجاهل معطيات الواقع والعيش في أبراج ذاتية نوستالجية لن يخفف من آلام السوريين ولن يبني وطناً بل على العكس من ذلك, فحالة الانقسام القائمة والمخاطر التي تهدد الهوية السورية، مضافاّ إليها حالة التدخل السافر من الدول الاقليمية والدولية، عدا عن المآسي التي يعيشها الشعب السوري خلال السنوات الماضية, تفرض على الجميع تحمّل المسؤولية أمام الوطن والشعب في اجتراح الحلول التي تصب في تعزيز الهوية السورية وإيقاف دائرة العنف والقتل التي يعيشها شعبنا.

وإن عقد مؤتمر وطني في دمشق هو خطوة أساسية في هذا السياق, لإعادة الصراع إلى المربع الأول بشكل مبدئي، وللتأكيد على البعد الوطني للصراع السوري. هذا التأكيد هو مدخل الحل الذي لايقسم سورية أو ينزع هويتها.

لا يمكن أيضا تجاهل, أن الأوليات الوطنية هي وقف الحرب وإبعاد الميلشيات الأجنبية عن الساحة السورية, كما الحد من التدخل الدولي بالشأن السوري وهذا لا يتم إلا بالاتفاق وتعريف سقف وطني يتجاوز الأفرقاء المتصارعة، ويقدم للشعب السوري بديلاً عن سياسية “إما أن تكون معي أو ضدي”.

إن نضوج هكذا سقف يعطي للنظام إمكانية التخلي عن حلفائه الأجانب، بعد أن غاص حتى أذنيه في التبعية للروسي والإيراني، كما يتيح لمعارضيه عزل الجهاديين والحد من تأثيرهم, وإمكانية العودة بالصراع إلى ميدانه الوطني. فالحاضنة الشعبية هي الأساس وهي الهدف بالنتيجة، وإن لم يقدم النظام أي تنازلات أو تعهدات تلاقي السعي من المؤتمرين إلى إيجاد حل سياسي، فهذا سيعيد الصراع الى دائرته الأولى، ويعرّي النظام أمام مناصريه من الشعب السوري الذين يتوقون إلى وقف هذه الحرب. هذه الفئة من الشعب التي تجاهلتها المعارضة خلال السنوات التي خلت, فتكلمت باسم الشعب السوري الذي انتفض في وجه النظام وتناست الباقي منه.

الجميع الآن مدرك بأن الحل السياسي هو المخرج الوحيد للأزمة السورية المستعصية، ولكن الاسئلة المهمة ما تزال معلقة, حول نظام الحكم وطبيعة الدولة والموقع الجيوسياسي لسورية.. هذه الأسئلة جميعها يجب الاتفاق عليها قبل الشروع بأي حلّ، فتصبح جملة هذه التعريفات هي السقف الوطني الذي يظلل السوريين ومن يخرج عنه يصبح خارجاً عن الإجماع الوطني وينبغي محاربته.

إن الذهاب إلى دمشق لا يعني التسليم برؤية النظام للخروج من الأزمة، ولا هو يعني التخلي عن بناء دولة سورية تحفظ حقوق أبنائها وحرياتهم, بل على العكس تماماً، إنه خطوة نحو وضع الصراع السياسي في سياقه الطبيعي، وهو تخلٍّ عن المقامرة بحياة السوريين والهوية السورية عموماً.

في السلفادور، بعد ثلاثة عشر عاماّ من الحرب الأهلية، اضطر المتحاربون للجلوس إلى طاولة الحوار والاعتراف ببعضهم البعض، وفي لبنان احتاج الأمر خمسة عشر عاماً، فإلى متى يتحتّم على السوريين الانتظار؟

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: