الرئيس ترامب وازمات الشرق الاوسط 

%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d8%b0-%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%b5%d8%a7%d9%8a%d8%ba
الكاتب : المحامي علي صايغ

   احدثت صدمة فوز ترامب مزيج من ردات فعل , ارتدت بموجات غضب , أو حالات خوف , أو شعور بالإحباط … , ولم تكن هذه الصدمة خاصة بالمجتمع الامريكي بل امتدت الى العديد من دول العالم . واللافت أن عالمنا العربي تفاعل معها الى الحد الذي احدثت خللا في توازنه , وتعامل معها وكأنها انتخابات تجري داخله , وكأن مصيرها مرتبط بمصيره .

   والأغرب ان الوكالات الاعلامية العربية – بحملة غير مسبوقة – وضعت الجميع أمام صورة قطعية بان كلينتون هي الرئيس المقبل , تتهافت اليوم على رصد غضب المعارضين لفوز ترامب , ونقل المظاهرات المعارضة لفوزه , والدخول في سجالات وحوارات تتناول شخص الرئيس وشخصيته في السياسة الامريكية بدلا من التركيز على دور السياسة الامريكية في بلورة شخصية الرئيس والتي يقودها صناع القرار والمؤسسات الحاكمة ودورها في تقنين شخصية الرئيس وضبط آليات القرار الامريكي بما لا يمكن لأي رئيس الانقلاب عليها .

   ولن اتوقف هنا عند اراء المحللين في اسباب نجاح ترامب , فمهما كانت الاسباب , فان الامر الواقع بعد نجاحه يقودنا الى البحث عن السياسات الامريكية المحتملة في منطقتنا , وانعكاس هذه السياسات على دولنا وعلى الازمات المتفجرة حولنا،   صحيح ان ترامب ليس محترف سياسة , ولم يتقلد منصباً اداريا أو سياسياً في الدولة الامريكية , وهو رجل أعمال ناجح , وهو ككل رجال الاعمال في الدنيا عندما يمتلك الثروة لا بد ان يبحث عن النفوذ والسلطة , ولكنه في نجاحه وإدارته لمؤسساته يتحرك أيضاً ككل رجال الاعمال اعتماداً على مبدأ المصلحة والربح ” البزنس ” , وهو بذات الوقت سينطلق من السياسة التقليدية للحزب الذي رشحه ” الحزب الجمهوري ” الذي يعتمد في ادارته لأزمات العالم على الاندفاع والانغماس في الازمات والصراعات لتأكيد زعامة أمريكا وسيادة مصالحها على العالم , اذ ان المسار الراجح للحزب في تاريخ قيادته للإدارة الامريكية أن اغلب الحروب التي شنتها امريكا في العالم كانت في عهد الادارة الجمهورية بينما اغلبية قرارات الانسحاب من فيتنام والى العراق كانت في ظل ادارة الحزب الديمقراطي , ولذلك فان سياسة الحزب الجمهوري تعتمد غالباً سياسة الضربات الاستباقية للأعداء الفعليين والمحتملين والحفاظ الدائم على التفوق العسكري والتقني وتوسيع خياراتهما , لتثبيت الدور القيادي الامريكي المنفرد .

   في ظل قاعدتي المصلحة ” البزنس ” والاندفاع في التدخل في ازمات العالم , سترتسم السياسة الامريكية القادمة في عهد الرئيس ترامب , وعلى اساسها ستتحدد مواقف الادارة الامريكية الجديدة في العالم بشكل عام وفي الشرق الاوسط  وسورية والعراق بشكل خاص . ولذلك فان كل ما يعلنه المرشح الرئاسي في الحملة الانتخابية تتكسر امام الملفات الدولية المعقدة والمتشابكة التي تطرح أمامه وتلقي بظلالها على قراراته التي لا بد ان تكون منسجمة مع السياسات الامريكية المعتمدة وبما يخدم الامن القومي الامريكي .

1- لاشك بان ملف الارهاب ومحاربته سيطغى على باقي الملفات الخاصة بالشرق الاوسط  , ومن المتوقع ان تتخذ الادارة الجديدة موقفاً أكثر تشددا في محاربة المنظمات الارهابية ان كان بشكل جوي مباشر ولو ادى الى مزيد من الضحايا المدنيين , أو باستخدام القوى البرية غير الامريكية المتعددة بخلاف الادارة السابقة التي ركزت مثلا على قوات سوريا الديمقراطية  في سورية فيما يرغب الجمهوريين في اشراك قوى سنية لشد القاعدة التي يرتكز اليها داعش الى التحول ضدها , ولا مانع من استخدام القوات التركية أو غيرها في مواجهة داعش في العراق وسورية , اذ من المتوقع ان تنظر الادارة المقبلة للعلاقة مع تركيا خلافاً للإدارة السابقة من منظار استثمار قواها الاقتصادية والعسكرية في سياستها الشرق اوسطية  . ولكن السؤال الذي يبقى مطروحا ان كان في العراق أو سوريا هو من سيستلم السيطرة والإدارة في المناطق التي يتم دحر داعش منها ؟ وفيما اذا كانت المقايضات التي ستتم فيما بعد ستكون اساساً للتقسيم أو لحل سياسي ؟ , وكيف ستستثمر الادارة الجديدة وجود داعش وأخواتها في مزاد الصفقات وعائداتها , ومن سيدفع الثمن لقاء ذلك .

2- ان ملف الارهاب ليس ملفا امريكيا بحتا , ويتداخل فيه دول اقليمية ودولية وعلى رأسها روسيا التي باتت لا عباً رئيسا في المنطقة , ورقما لا يمكن اهماله في ظل اطلاق يد روسيا من قبل الادارة السابقه في الملف السوري , ويعتقد ان ما طرحه ترمب من غزل مع روسيا بوتين لن تكون سياسة معتمدة اذ انه من الممكن الدخول في مقايضات مع روسيا في ملفات عديدة , كتقليص الدرع الصاروخي مقابل ممارسة ضغطاً روسياً على النظام الايراني ورفع مظلة الدعم له , أو اطلاق يد روسيا في الملف السوري مقابل تسوية نهائية للملف الاوكراني . كما من الممكن ان تدفع الادارة الجديدة الى إحداث تفاهمات جديدة وجدية مع روسيا على قاعدة توازن القوة والمصالح في المنطقة , أو الامعان في دفعها الى مستنقع استنزاف قواها وقدراتها تمهيداً لفرض وجود أمريكي فاعل على ملف الشرق الاوسط لإعادة التوازن في الحضور والفاعلية مع استمرار الدعم للأنظمة الحليفة لها في المنطقة ولو كانت انظمة غير ديمقراطية ما دامت تحقق المصلحة والاستقرار بالمنظور الامريكي , وذلك مقابل ثمن ستدفعه أيضاً الدول الخليجية تحت شعار المساهمة في الحفاظ على أمنها في مواجهة التمدد الايراني .

3- ومن الراجح ان الادارة الامريكية الجديدة ستزيد الضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية من أجل تعديل الاتفاق النووي , أو تحجيم دور ايران في ملفات اطلقت يدها فيها الادارة الامريكية السابقة , ومن الممكن ان تصل درجة التصعيد ضد ايران الى حد التخلي عن التحالف معها في العراق والحد من نفوذها فيه , وإدارة الظهر للتفاهمات غير المعلنة مع ادارة اوباما على خلفية الاتفاق النووي والمتعلقة بحزب الله كجزء من الاستراتيجية الايرانية لنفوذها ونفاذها في المنطقة . وقد تكون كل تلك الاجراءات وغيرها جزء من عملية مساومة كبرى للضغط على ايران من أجل الحصول على مزيد من التنازلات الاضافية في الملف النووي الايراني , والدفع بالنظام الايراني الى اجراء مصالحة بينه وبين الدول الخليجية لإيجاد نوع من التوازن في التمدد والنفوذ في المنطقة برعاية امريكية ودولية .

4- في الملف السوري فإن الزعماء التقليديين للحزب الجهوري كانوا يأخذون على سياسة أوباما بأنها لم تباشر تدخلاً سياسياً فاعلاً في الازمة السورية , وأطلقت العنان لروسيا في التحكم بهذا الملف وإدارته كأمر واقع . ويعتقد ان الادارة الجديدة ستزيد الضغط على النظام والمعارضة بفاعلية للوصول الى حل سياسي للازمة السورية أو ستعمل مع الطرف الروسي ووفقاً للمعطيات الجارية على الارض للوصول الى اتحاد فيدرالي حالياً ,وقد يكون بداية للتقسيم في المدى الابعد , الا اذا استطاعت المعارضة والنظام معاً التخلي عن وهم انتصار اي منهما على الآخر , والبدء بعملية حوار سياسي استناداً الى جنيف 1 والقرارات الدولية الاخرى التي حددت خارطة الطريق للانتقال السياسي .

   على أن كل ذلك لا يعني ان الادارة الجديدة ستضع حداً للازمات والنزاعات في المنطقة , ” فالولايات المتحدة الامريكية – وفقاً لرؤية كسنجر – ليس من مصلحتها أن تحل أي مشكلة في العالم , ولكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة , وأن تحرك هذه الخيوط حسب المصلحة القومية الامريكية ” , وانما ستسعى هذه الادارة الى ايقاف أو تجميد الازمات مع الاحتفاظ بقدرتها على الامساك بعوامل تفجيرها في الزمان والمكان الذي تريد وكيفما تريد . وبعد ان تجد ان هذه النزاعات قد استنفذت أغراضها ووفق المخططات المرسومة لها , فإن ادارة ترامب – ووفق معيار الربح – سيتطلع الى المرحلة التالية في استثمار ما بعد تلك الصراعات والنزاعات عن طريق الشركات الكبرى التي تنتظر لحظة ما بعد الحرب لإدارة الاستثمارات في الدول التي انهكتها الحروب والأزمات لجني أكبر عائد ممكن من الارباح على حساب شعوب هذه الدول ومقدراتها .

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: