السباق الرئاسي الامريكي .. والشرق الأوسط

“القوى الكبرى اعلنت ومنذ بداية الازمة السورية انه لن يكون هناك حلا عسكريا لها , وان الحل السياسي الذي اعتمدته في القرارات الدولية بدءاً من جنيف1 والى القرار 2254 هو المسار الوحيد لوضع حد لها … والغريب انه بعد مرور اكثر من خمس سنوات على الازمة السورية فان طرفي الازمة السورية لم تتعلم الدرس , ولا زالت مستغرقة في اوهام النصر لصالحها”.

%d9%85%d9%86-%d8%a3%d9%82%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a3%d8%b9%d8%b6%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%8a%d8%a6%d8%a9

 

السباق الرئاسي الامريكي .. والشرق الأوسط

الكاتب المحامي محمد علي صايغ

الانتخابات الامريكية تحظى اليوم بأهمية بالغة في العالم وفي الشرق الاوسط بشكل خاص , وتجري في عالم بالغ التعقيد في توازناته واصطفافاته ومصالحه , اذ يتبدى ظاهرياً بانزياح سيادة القطب الامريكي في السيطرة على العالم , وانتشار الفوضى الخلاقه وغير الخلاقه في ارجائه , وتزاحم الدول في تشكيل تحالفاتها وتوسيع مناطق نفوذها لتشكيل حضور فاعل في السياسة الدولية لضمان دعم ومناعة أمنها الوطني والقومي .

وعلى غير العادة في الدورات الانتخابية الامريكية السابقه , تلعب السياسة الخارجية في الحملة الانتخابية الحالية دوراً مميزاً , اذ طالما كان التنافس بين المرشحين حول الشأن الداخلي الامريكي يتمحور حول الاقتصاد والانتعاش الاقتصادي , وفرص العمل الجديدة , ومعدلات النمو وأسواق المال والأسهم , وقوانين حيازة السلاح , وسياسة الهجرة , وقضايا المرأة المتمثلة بالأجر والتعليم والإنجاب والإجهاض ….

والملفت في هذه الحملة الانتخابية تحول الديمقراطيين الى الاهتمام ايضاً بالسياسة الخارجية التي كانت محط اهتمام الجمهوريين , ليدخل التنافس بينهما حول ملفات الشرق الاوسط ( الارهاب والمنظمات الارهابية ) وقضايا الامن مع الصين وشرق آسيا , وكوريا ( النووية ) , وأوربا الشرقية ( اوكرانيا .. ) , وروسيا وتمددها في الشرق الاوسط واتفاقاتها مع الاتحاد الاوربي , والنووي الايراني , وإسرائيل والتنافس على دعمها … الخ

وبالرغم من اهمية الشرق الاوسط الذي أخذ بعداً مهماً في التنافس بين المرشحين , لكن توجهات كلا المرشحين بخصوصه بدت غائمة التفاصيل ولا تكشف على رؤية محددة وواضحة لإشكالاته المعقدة , في ظل وجود تيارين يحكمان السياسة الخارجية الامريكية في إدارة ازمات العالم يتمثل الأول في ما يعرف بالتيار الاندفاعي الذي يضغط للتدخل العسكري في الازمات والصراعات تأكيداً لزعامة أمريكا وسيادة مصالحها على العالم وتغليف اندفاعها شكلياً ودعائياً في شعارات قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان . ويتزعم هذا الاتجاه الجمهوريون الذين عملوا منذ السباق الرئاسي على رسم صورة ذهنية للناخب الامريكي حول اخفاقات السياسة الخارجية للرئيس أوباما وتأثيرها السلبي على الامن القومي الامريكي , ورؤيتهم المغايرة المرتكزة على ضرورة استعادة الدور القيادي الامريكي المنفرد , وملامسة خشية الناخب الامريكي من الهجمات الارهابية المحتملة باعتماد سياسة الضربات الاستباقية للأعداء الفعليين والمحتملين من خلال الحفاظ على التفوق العسكري والتقني , وتوسيع الخيارات العسكرية والاستخباراتية , وعدم القبول بالحد من التسلح , والحق المطلق والدائم لأمريكا في الدفاع عن النفس . ويقابل هذا التيار تيار آخر يعرف بالتيار الواقعي الذي يعتبر التدخل العسكري في صراعات الدول يضر بمصلحة أمريكا , نظراً للكلفة الباهظة مالياً وبشرياً , وتبني سياسة احتواء الخصم واستنزافه والتدخل بالوكالة عبر التحالفات والشراكات الواسعة , ويتبنى هذا النهج الديمقراطيون عبر ” المنهج الحكومي والدولي الشامل ” الضامن لتكامل كل ادوات القوة الامريكية , وإعلاء شأن العمل الجماعي مع الحلفاء في إطار المؤسسات الدولية تخفيفاً للأعباء عن المواطن الامريكي ” والربط الشامل ” لادوار الحلفاء التقليديين والمحتملين . وقد تباهى الديمقراطيون برؤية أوباما في ربطه رفاهية الشعب الامريكي بقوة أمريكا في العالم , وبأن تدعيم الاقتصاد الامريكي في الاقتصاد العالمي يعزز تنامي قوة أمريكا كقوة عظمى بلا منازع .

وعلى ضوء كلا الخيارين تمظهرت رؤية كلا المرشحين كلنتون وترامب في السباق الرئاسي واستراتيجيتهما في حل النزاعات بالعالم , وخاصة الشرق الاوسط . اذ يرى ترامب بان على امريكا استخدام عدد محدود من القوات الامريكية البرية في مواجهة المنظمات الارهابية ( الدولة الاسلامية ) , وقصف حقول النفط العراقية لقطع ايرادات التنظيم , وهو يدعم قتل أسر مقاتلي الدولة الاسلامية لوضع حد لتجنيدهم لان القضاء على الدولة الاسلامية له الاولوية على ما عداها من ترتيبات تخص الانظمة بالمنطقة مع الدفع بان يقوم العراق بتسديد تكاليف الحرب من عائدات النفط , ويؤيد استخدام القوة الفعالة تجاه النظام السوري بالتوازي مع خشيته ازاء ما سيأتي بعد سقوطه ويعتبر النظام السوري اهون الشرور , ويعارض تدريب المعارضه المعتدلة أو فرض مناطق حظر جوي على سوريا , ويدعم إقامة مناطق آمنه , ويرفض قبول دخول اللاجئين وجميع المسلمين الى الولايات المتحدة الى حين إقامة وتحسين نظام إجراءات الفرز لهم , كما يرى بان على دول الخليج ان تتحمل كلفة اقامة المناطق الآمنة في سوريا , ودفع التعويض المالي مقابل الحماية من قبل امريكا لهم , وهو يعتبر ان الاتفاق النووي الايراني غير متوازن وبانه سيوقف هذا البرنامج بأية وسيلة ضرورية , وزيادة العقوبات الاقتصادية بأكثر مما كانت عليه قبل الاتفاق النووي , ويؤيد الهجوم الاسرائيلي المنفرد على ايران ويعتبر ان تحالفه مع اسرائيل تحالف شريك عسكري واقتصادي وبان أوباما مسؤولاً عن تعقيد العلاقات بين البلدين وتدهورها , ويعلن ان تدخل امريكا في صراعات العالم يكون فقط عندما يكون التهديد مباشر عليها وليس لأغراض انسانية فحسب , ويؤيد الدكتاتوريين في مختلف انحاء العالم ماداموا يضمنون الاستقرار .

أما المرشحة كلنتون فاستراتيجيتها لهزيمة الدولة الاسلامية تتركز على زيادة العمليات الاستخباراتية وزيادة ضربات قوات التحالف الجوية مع شن حملة برية تدعمها قوات امريكية خاصة يقودها العراقيون من السنة والاكراد وتضم شركاء اوربيين ودول عربية مجاورة , هذا بالتوازي مع قطع تمويل الدولة الاسلامية وشبكاتها ومنع الدول الداعمة ورعاياها من تمويلها , وإشراك المجموعات المحلية والمجتمعات المسلمة في العالم للمساعدة في مكافحة التطرف والتجنيد عبر الانترنت , والعمل على تطوير الانظمة الدفاعية الامريكية للحد من احتمال اختراق الحدود الامريكية أو التجنيد داخلها . وترى كلنتون انه بالتوازي مع جهود مكافحة الدولة الاسلامية يجب العمل مع مجموعات محلية لإزالة النظام السوري من الحكم , والتخطيط للانتقال الى حكومة معتدلة , وهي تؤيد فرض منطقة حظر جوي فوق شمال سورية مع الحدود التركية وإنشاء مناطق آمنه للاجئين السوريين وإشراك العالم العربي في دعم تلك المناطق الآمنة ودعم استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين وحث الاوربيين والعرب لاستقبال المزيد منهم , وترى ايضا ان منطقة الخليج شريك مهم من الناحية الامنية والتجارية والدفاعية وتعتبر امن الخليج مصلحة امريكية حيوية وضرورة التواجد العسكري والأمني فيه , وأنها ملتزمة بحماية مجلس التعاون الخليجي من التوغل الايراني مقابل مسؤولية دول الخليج في الدعم المالي والعسكري في المعركة ضد الدولة الاسلامية واتخاذ الاجراءات الصارمة ضد الداعمين الماليين لتلك المنظمات , لكنها تؤيد الاتفاق النووي الايراني وستلجأ الى عقوبات اضافية أو القوة العسكرية اذا لزم الامر لفرض الاتفاق , ومكافحة وكلاء ايران في المنطقه وإشراك تركيا وقطر وغيرهم في تضييق الخناق على الدعم المقدم لهؤلاء الوكلاء ,والعمل على فتح ملف حقوق الانسان في ايران ووضع استراتيجية اقليمية شاملة لمنطقة الشرق الاوسط . لكنها ترى تدعيم التحالف القوي مع اسرائيل ودعم حل الدولتين مع الالتزام بأمن اسرائيل وتوفير انظمة الدعم الدفاعي والصاروخي لها .

وبكل الاحوال فان ما يطرحه المرشحين في الحملة الانتخابية لا يعني انه سيصبح سياسة معتمدة بعد اداء اليمين الدستوري , وغالباً ما تكون التصريحات والوعود مبالغاً فيها ضمن حملة التنافس وخاصة في السياسة الخارجية . لكن تبقى مؤشرات يمكن ان تكون مجرد استنتاجات لما يمكن التنبؤ به في شكل السياسة الخارجية للإدارة المقبلة . حيث تقوم السياسة الامريكية الفعلية في ادارة الصراع والتحكم بأزمات العالم على بنية متكاملة ومعقدة ترتكز على عمل مؤسساتي يتشارك فيه البيت الابيض والكونجرس والمخابرات cia ومؤسستي الامن القومي ووزارة الدفاع وصناع القرار في الولايات المتحدة الامريكية , بحيث لا يمكن للرئيس تجاهلها أو تجاوزها مهما كانت رؤيته وخياراته الانتخابية , اذ لا يمكن القول بان خيارات الرئيس اوباما في تعامله مع ازمة الشرق الاوسط مثلاً كانت بمعزل عن قبول وموافقة اغلبية مؤسسات صناع القرار ومعاونيه , كما لا يمكن لأي رئيس ان يغير بشكل حاسم الاستراتيجيات المعتمدة بناء على توجهاته الانتخابية . ولذلك فإن أوهام بعض المعارضة السورية بانتظار تغيير مهم في السياسة الأمريكية بعد الانتخابات الامريكية لا تستند الى معطيات حقيقية في ظل تباينات وتوازنات القوى الفاعلة الاقليمية والدولية على الارض السورية , وانكفاء الادارة الامريكية بتوجهها – بعد التجارب المريرة في التدخل العسكري المباشر – على ادارة الازمات الدولية والتحكم بخيوطها من الخلف عن طريق الحرب بالوكالة , لتمرير اهدافها ومخططاتها التي بدأت ملامحها تتمظهر في اعادة رسم خرائط المنطقة على اساس الشرق الاوسط الجديد , وما يجري في العراق من حرب على الدولة الاسلامية وإشراك مكونات اثنية وطائفية فيها ومن ورائها قوى اقليمية ودولية وإصرار تركيا على حصتها في الشمال , ودخول الفصائل الكردية في القتال لتثبيت موطئ قدم في الموصل أو حوله , واندفاع الحشد الشعبي للوصول الى تل أعفر لفتح الطريق الى الداخل السوري وصولاً الى البحر المتوسط ما هو إلا مقدمة لهذا الشرق الجديد الذي سيعبر الجسد السوري ايضاً في اطار فيدراليات بات الحديث عنها علناً , وما التدخل الامريكي في الشرق والتواجد الروسي في البحر والبر والتدخل التركي في الشمال ومحاولة الفصائل المدعومة من دول اقليمية ودولية في البحث عن تموضع لها على الخريطة السورية إلا سلسلة من الخطوات يجري تثبيتها عبر القتال والاقتتال وما يخلفه من قتل ودمار ونزوح وتهجير , يقوده الى وطن ممزق ودولة فاشلة , ومواطنين اصبح حلمهم وقف لهيب هذه الحرب المسعورة بأي ثمن .

والذين لازالوا يبحثون عن انتصار من طرفي الصراع , فان القوى الكبرى اعلنت ومنذ بداية الازمة السورية انه لن يكون هناك حلا عسكريا لها , وان الحل السياسي الذي اعتمدته في القرارات الدولية بدءاً من جنيف1 والى القرار 2254 هو المسار الوحيد لوضع حد لها , وما جرى ويجري في حلب نموذجاً للتدخل الدولي والتحكم بمسارات الصراع , ففي كل مرحلة يعلن احد طرفي القتال تحريرها من الطرف الآخر بدون اية نتائج للحسم او الانتصار الا ما تخلفه المعارك من تعميق للمأساة الانسانية بمزيد من شلالات الدم والدمار والتهجير . والغريب انه بعد مرور اكثر من خمس سنوات على الازمة السورية فان طرفي الازمة السورية لم تتعلم الدرس , ولا زالت مستغرقة في اوهام النصر لصالحها , مستمدة قناعتها من الدعم الروسي للطرف الاول ومن الدعم الامريكي المنتظر بعد الانتخابات الامريكية للطرف الآخر . في حين ان الازمة السورية باتت من يوم اعلان تدويلها خارج ارادات طرفي الصراع ورغباتهم , وتنطبق على الدول الكبرى الفاعلة بالأزمة السورية عنوان محاضرة للداعية الامريكي لويس فرخام ” الشيطان ينافس الشيطان “.

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: