غزوة الترك وغلطة الكرد في سورية *

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d8%b9%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d9%83-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%83%d8%b1%d8%a7%d8%af

محمود جديد

تتالت الأحداث بسرعة في سورية ومحيطها بعد الانعطافة الأردوغانية الأخيرة نحو الشرق ، وتبلورت المواقف بجلاء أكبر ، واتضحت وجهة الخيارات والأفضليات.. فالتردّد التركي من الخروج من تحت مظلّة الناتو حول التدخّل في سورية قد انتهى باستعداد أردوغان لتحمّل تبعات هذا الانعتاق بالتصرّف لوحده بعد أنْ أصلح ذات البين مع روسيا، وتأكّد من صدقية علاقة إيران معه بوقوفها إلى جانبه في يوم حالك عندالمحاولة الانقلابية الفاشلة ، وبعد ترميم علاقته مع الكيان الإسرائيلي ، ويأسه من إمكانية انضمامه للاتحاد الأوربي… وفي الوقت نفسه ، برزت الطموحات الكردية ذات السقف العالي في سورية ، وما نجم عنها من انتهاء المساكنة الاضطرارية في منزل واحد في الحسكة مع النظام السوري ، حيث يشغل الطرف الكردي أكثر غرفه ، ومع كلّ طرف مفتاح الباب الخارجي وقبول الطرفين هذا الواقع على مضض ..ولكن بعد أن لفحت آثار وانعكاسات ووهج الانعطافة التركية على صفيح حزب الاتحاد الديمقراطي أراد التخلّص من هذه المساكنة غير المستحبّة للطرفين ، فغيّر مفتاح المنزل المشترك وحاول منع شريكه من دخوله ، وأسرع في خلق وقائع جديدة في محافظة الحسكة بكاملها لاستكمال بسط سلطته على شرق وشمال سورية ، والقابلة للتوسع مستقبلاً باتجاه الرقة ودير الزور، وطبعاً بدعم أمريكي قوي مؤقّت، وبالتالي وضع اليد على مساحة حوالي نصف سورية ومعظم انتاجهامن النفط والغاز والحبوب والقطن وثروتها المائية ، وإنشاء حاجز يفصل بين العراق وسورية.. ووفق تصور محتمل يرى فيه أنّ الفرصة التاريخية الراهنة قد لا تتكرّر، ويجب استغلالها وفرض وقائع جديدة على الأرض السورية بمساعدة الدولة الاقوى في العالم، ولو أغضب هذا التوجّه أيّاً كان من البشر ، معتبراً أنّ الظروف الموضوعية والذاتية لصالحه الآن ، فالأزمة السورية المعقدة أنهكت النظام السوري الذي سيتجنّب فتح جبهة إضافية ضدّه، وتقاطع مصالح الكرد مع أمريكا وحلفائها من غير العرب حول تعميم إنشاء فيدراليات في الأقطار العربية متوفّرة بغضّ النظر عن أهداف ونوايا وحسابات كل طرف.. فالتحالف الإمبريالي – الصهيوني يستهدف إضعاف الحكومات المركزية والجيوش الوطنية ، وتغذية النزعات القومية والإثنية والطائفية والجهوية ، وإضعاف الروابط القومية ، والإجهاز على المشاريع الوحدوية داخل الوطن العربي ، وعرقلة التحالفات المعادية لهما.. وبالتالي ، فإن الإسراع في اغتنام هذه الفرصة السانحة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي سيضمن له امتلاك أوراق قوية صالحة للتوظيف على طاولة أيّة مفاوضات قادمة حول مستقبل سورية المستباحة للتدخلات الخليجية والإقليمية (تركيا وإيران) ،والدولية شرقاً وغرباً.. بالإضافة إلى الكيان الإسرائيلي السعيد بما يجري في سورية وباقي الوطن العربي من تفتيت وتدمير وتطاحن… وبالمحصّلة التي قد يبتغيها حزب الاتحاد الديمقراطي هي على الأقل إقامة حكم ذاتي في المناطق التي حرّرها من داعش أو سيطر عليها من أشلاء سورية شرق نهر الفرات وغربه … ولكنّ الطموحات القومية الكردية (المشروعة وغير المشروعة، ونحن مع المشروعة بدون تردد، وهو موقف ثابت ومُقرّ ) والإغراءات والدعم الأمريكي، وتشجيع بعض دهاقنة الصهاينة من أمثال برنار ليفي، وبرنار كوشنير اللذين زارا مناطق الحكم الذاتي ، والشعور بفائض القوّة وبنشوة ما حققته وحدات حماية الشعب ضد داعش بشجاعة وكفاءة وتضحية وتنظيم والتزام وطاعة وانضباط مقاتليها، والجديرة بالتقدير والاحترام ، أدّى هذا كلّه إلى جرعة زائدة من الغرور والطمع ، وفقدان ميزان الذهب الذي استخدمه قادة حزب الاتحاد الديمقراطي عند تحديد مواقفهم الوطنية والسياسية على شاشات التلفزيونات في مراحل سابقة، فوسٌعوا “بيكار” حدود الفيدرالية إلى كل بقعة تطأها أقدام مقاتليهم متجاوزين كل الاعتبارات الأخرى، ودون ان يحسبوا جيداً أنّه ما من حزب صديق أو خصم، أو تشكيلة سياسية في سورية ، أو أي نظام حاكم في دمشق يمكن أن يقبل بفيدرالية يهيمن عليها الاكراد، أو غيرهم من أبناء الشعب السوري ، وخاصة في ظلّ غياب الإرادة الشعبية والمأساة التي تعيشها سورية في هذه الأيام السوداء ، وعدم توفّر مقوّمات النظام الفيدرالي جغرافياً أو أثنياًأوقومياً على غرار ماهو موجود في العراق وتركيا وإيران.. وإلى جانب هذه المعطيات فقد أدرك حزب الاتحاد الديمقراطي جيداً أن ّ كل المستجدات تشير إلى أنّ النظامين التركي والسوري سائران باتجاه محطة التلاقي ، وستكون الورقة الكردية عربون الوفاء لإثبات مصداقية الطرفين ، والدرس الأوجلاني واتفاق أضنة عام 1998وما نجم عنها من وقائع وعبر ليست خافية على ذي بصيرة . وعلى الرغم من ذلك فإنّ ردّ الفعل الكردي وما نجم عنه في منطقة الحسكة من إذلال لسلطة الدولة وتجاوزاً لها لم يكن صائباً. فمساكنة النظام على عجره وبجره بالحسنى هناك ، وتصويب الحديث عن حدود الفيدرالية التي ينشدها، وخفض الرأس قليلاً للعاصفة التي هبّت علىى طموحاته بانتظارمعرفة وجهتها القادمة كان الخيار الأفضل ، ولكنّ النهج الذي سلكه، والقرارات التي اتّخذها زادت من شدة العاصفة، وسرّعت مفاعيلها، وأوصل الحسكة إلى بلعوم النظام السوري فرفض بلعها مستخدماً الطيران لأوّل مرّة ضد وحدات حماية الشعب لانتزاعها، وفي الوقت نفسه ، فإنّ تقدّم قوات سورية الديمقراطية إلى غرب الفرات والتصريحات ذات الجرعة العالية من التحدّي وكشف الخطط والإصرار على استكمال المشوار الفيدرالي غرباً حتى الوصول إلى عفرين شكّل ذريعة لأردوغان للتدخل المباشر ومواجهة وحدات حماية الشعب، ومبرّراًللنظام السوري للشماتة من الانتقام التركي له على الأقل، والاكتفاء بالتفرّج والرصد لما يجري إذا لم يكن بمعرفته وموافقته الخفيّة ،هذا من جهة ، ولبايدن الذي حمل في جيبته الموافقة السريعة والضوء الأخضر الأمريكي لضرب قوات سورية الديمقراطية وإخراجها على جناح السرعة من غرب الفرات نزولاً عند الرغبة التركية عند زيارته إلى أنقرة في اليوم نفسه من جهة أخرى ، وهذه الموافقة كانت هدية لأردوغان تأكيداً على عمق الصداقة الأمريكية التركية عقب اهتزازها بعد الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا .. و بعد أن كان قادة الاتحاد الديمقراطي يعتبر منبج جزءاً من الفيدرالية المنشودة …

وعلى كلّ حال ، فنحن نشجب وندين الغزوة التركية للأراضي السورية ، ومشاريع إقامة منطقة آمنة أو عازلة في الأراضي السورية، ونطالب برحيل القوات التركية منها بالسرعة القصوى ، كما ندين استهداف الطائرات التركية للمدنيين في قرى غرب الفرات وأيّ مكان آخر ، ونرفض إطلاق صفة الإرهاب على وحدات حماية الشعب تحت أيّ ذريعة ، ونهيب بهم توجيه قدراتهم القتالية إلى شرق الفرات وخوض معاركهم هناك ضد داعش ، وسحب الذرائع التركية للتوغّل والتغوّل في الأراضي السورية .. وإجراء وقفة صادقة موضوعية مع الذات لتدقيق مسيرتهم الوطنية والنضالية ،وعدم المراهنة المفرطة على موقف الإدارة الأمريكية ووعودها…

وفي الوقت نفسه، نطالب بإشراك حزب الاتحاد الديمقراطي في الجولات الجديدة من مفاوضات جنيف حول سورية ، لأنّ تجاوزه من أي ّ طرف كان خطأ سياسي يجب تصحيحه، وقد وقفنا ضد هذا التجاوز في كل مناسبة متاحة ..

وأخيراً ، علّمتنا دروس وعبر التاريخ بأنّه من السذاجة وقصر النظر التفكير لحظة واحدة أنّ الطرف الضعيف يستطيع تجييرالطرف القوي لصالحه..وبالمحصّلة سيكون ميزان العلاقة بينهما راجحاً لحدّ كبير لصالح القوي الذي قد يرمي الآخر على قارعة الطريق إذا وجد ضعيفاً آخر يقدّم له خدمات أفضل ، وعندئذ لن ينفع الندم … فليتّعظ الضعفاء ، وليلتحموا مع بعضهم على أسس سليمة دون غرور وطمع وتسرّع ليصبحوا أقوياء ..

في : 10 / 9 / 2016

*نشر هذا المقال في موقع الحوار المتمدن-العدد: 5281 – 2016 / 9 / 10

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: