الحلم السوري.. من الثورة إلى المجزرة*

من الحلم الى المجزرة2

يوسف عبدلكي 

لا تخبئ لنا الأقدار المفاجآت الأشد قسوة فحسب، بل أيضاً المناقضة للبدايات الحالمة؛ الثورة البلشفية تتحول الى الستالينية، والثورة الفرنسية الى مقاصل روبسبيير، والثورة الشيوعية في الصين الى اقتصاد رأسمالي.

خرج السوريون في العام 2011 مطالبين بالحرية، وإذا بهم، بعد سنة، يغرقون في أتون الحرب والدمار والموت… وما لبثوا أن نسوا مطالبهم المشروعة في الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية، ذلك أن مهوار الموت يبتلع كل شيء، وعلى رأسه الشوق العميق للتغيير.

اكتملت مأساتهم بظهور “النصرة” و”داعش”، ففي خضم الثورة التي أملوا في أن تدفعهم للتقدم عقوداً إلى الأمام، جاء من يحمل الساطور لإعادتهم أربعة عشر قرناً إلى الوراء!

نحن اليوم أمام كارثة إنسانية وسياسية لا سابق لها، لا في سوريا، ولا في المنطقة: نصف مليون ضحية، ودمار آلاف الأحياء والقرى والمنشآت والمعامل، واعتقالات لأعداد لم يستطع أحد إحصاءها، والأمر ذاته للمختفين في السجون، أو تحت الأنقاض، ناهيك عن تشريد نصف السكان، أربعة ملايين ونصف منهم الى دول الجوار!

“نجح” النظام منذ الأشهر الأولى للثورة السورية في أمرين: سعيه المتواصل لتحويل الحراك السلمي الى حراك مسلح، ومن ثم صبغه بصبغة طائفية. فاق “نجاح” النظام تخلّف وتبعية دول الإقليم، التي سعت بدورها لتسليح الثورة السلمية وتطييفها. وهكذا تعاون الخصمان المعلنان على شعبنا، ممعنين فيه قتلاً وطائفيةً، بحيث أصبحنا بعد سنوات أمام خريطة للصراع لا علاقة لها البتة بخريطة الأشهر الأولى؛ إذ تبدّل فيها كل شيء: القوى، التظاهرات، الشعارات، والأهداف. وأصبح الشعب السوري كالكريم على مادة القتلة!

**** أصبحنا بعد سنوات أمام خريطة للصراع لا علاقة لها البتة بخريطة الأشهر الأولى****

لم يعد للسوريين يد في تقرير مصير بلدهم! فبعدما تدولّت قضيتهم، أصبحت لدول الإقليم والدول الكبرى اليد الطولى في رسم مصيرهم. أنتج هذا الانخراط الكثيف للخارج في الصراع حرباً طالت سنوات، وقد تطول سنوات أطول، حيث لا يقبل أي طرف إقليمي ودولي بهزيمة وكيله السوري!

أدى هذا التوازن، بالإضافة الى ظهور المنظمات الجهادية السلفية، وإعلانها الحرب على الدول الغربية، الى دفع روسيا وأميركا وأوروبا الى الوصول الى بيان فيينا (تشرين الأول العام 2015) والذي يقول بحل سياسي للصراع مستنداً الى اتفاق جنيف (حزيران العام 2012).

يصطدم هذا الميل الدولي المعلن بميل نقيض إقليمي وسوري للمضي في الحرب. دول الإقليم لا تستطيع معاكسة التوجه الدولي للحل السياسي، غير أنها تعمل على عرقلته وتأجيله! وهذا ما رأيناه في جلسات جنيف الثلاثة التي لم تكن بأي حال جلسات تفاوض، بقدر ما كانت منصّات لإعلان المواقف المتشددة!

ماذا يأمل المتشددون من كلا الطرفين:

–         النظام يأمل في تحقيق تقدم عسكري على الأرض يمكنّه من فرض شروط أكبر في المفاوضات، أو جعل غاية المفاوضات (أي اقتسام السلطة) شكليّة بحيث تكون غطاءً لاستمراره الى يوم يبعثون!

–          المجموعات المسلحة (ومن خلفها حلفاؤها: السعوديون والقطريون والأتراك) تسعى لكسب الوقت لحين انتهاء الانتخابات الأميركية! آملة في أن تغيّر الدولة الكبرى سياسات التهدئة  التي انتهجها باراك أوباما تجاه الملف السوري.

الطرفان ـ بمعنى آخر ـ لا يباليان بتدفيع الشعب السوري أشهراً أو سنوات إضافية من القتل، والدمار، والأنهيار، على مذبح أهدافهما أو… أوهامهما! مرحى للحس الإنساني. مرحى للحس الوطني الرفيع!

قبل هذه الكارثة

 منذ خمسة وأربعين عاماً، يمارس النظام سلطة أحادية في السياسة والاقتصاد والاعلام! يعمل على إخراس كل صوت مخالف، كل صوت معارض! مارس كل أنواع القمع والنهب المنظم للاقتصاد الوطني، وكل أنواع الخداع والكذب الممنهج. كان المعارضون يرفعون أصواتهم /ليس لهم إلا أصواتهم/ بضرورة التغيير، بضرورة إباحة شيء من الحرية، وبضرورة مكافحة أسراب الفساد، مذكّرين بأن الجولان محتل منذ 49 عاماً! كان رد السلطات: السجون والمنافي والقتل تحت التعذيب، والسيطرة على الحياة العامة، وإرخاء شبح الخوف على كل العقول والقلوب. كان الجميع يخشى – بما فيهم الحريصون على السلطة نفسها ـ انفجار البلد وتحطمه فوق رؤوس الجميع. كان رد النظام: الصمم.

ولا بد من ذكر الغطاء الذي كان يتمتع به النظام من قبل عشرات الأحزاب العربية القومية واليسارية! ولم يكن أحد يسأل نفسه بجدية: إذا كان النظام قومياً، فكيف يمارس سياسات طائفية تفكيكية داخل البلد! وإذا كان مقاوماً وممانعاً فلماذا يسجن الأحزاب اليسارية التي تدعو الى مواجهة اسرائيل! ولا كيف يمكن أن نواجه العدو القومي بشعب… مكبّل! ولا كيف لم يغص حسهم الديمقراطي بمعزوفة الـ 99,99 الصفيقة؟! طبعاً لا داعي للجواب الآن بعد خراب البصرة!

*** إذا كان النظام قومياً، فكيف يمارس سياسات طائفية تفكيكية داخل البلد! وإذا كان مقاوماً وممانعاً فلماذا يسجن الأحزاب اليسارية التي تدعو الى مواجهة اسرائيل****

اليوم، فوق ذلك، ما زالت الكثير من الأحزاب في العالم تدافع عن النظام على أساس أنه أقل سوءاً من “داعش”!! وكأن ليس للشعب السوري إلّا أن يختار بين السل والسرطان! ألا يحق لهذا الشعب أن يعيش حياة عادية ككل شعوب العالم؟ وبحد أدنى من الديمقراطية كما نجدها في الكثير من بلدان العالم الثالث؟ منطق أرسطي سديد، والشعب السوري في ذلك ليس إلا… تفصيلاً لا قيمة له!!

عودة إلى قبل ذلك

 قيل الكثير في أسباب الربيع العربي، والكثير مما قيل يلامس حقائق على الأرض، لكني أعتقد أن الاسباب العميقة تعود الى أزمة وجودية تقض مضاجع النخب السياسية والثقافية وفئات واسعة من أبناء بلداننا منذ أزمان أبعد.

بدأ العرب منذ منتصف القرن التاسع عشر يكتشفون تأخرهم الحضاري… المسافة بين مجتمعاتهم القروسطية والمجتمعات والتقدم الأوربي في مجال السياسة، والاقتصاد، والحرب، والابتكار، والصناعة، والزراعة، والإدارة، والمال، والثقافة، والصحة، والتعليم، كان كل ذلك اكتشافاً، ثم تحول الى جرح مفتوح لم يندمل في كل العالم الثالث!

حاول العرب التقدم بقفزات أكثر من مرّة في سعي للّحاق بالحداثة! قفزتهم الأولى: الخلاص من الاحتلال التركي، الثانية: الخلاص من الاحتلالات الأوربية… ولما لم تنفع القفزتان تولت المؤسسة العسكرية القفزة الثالثة ـ وهي المؤسسة الأكثر تنظيماً في البلاد ـ لجلب ترياق الحداثة والتقدم والعدالة والتحرير! فقامت الانقلابات العسكرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي… تقدموا هنا وهناك، وأصيبوا بالهزائم المذلة هنا وهناك. كانت الهزائم العسكرية والفشل الاجتماعي لهم بالمرصاد فوجدوا أنفسهم عراة، وقد أفلست كل دعواهم التي صعدوا الى سدة السلطة تحت شعاراتها… غير أن اغراءات السلطة والمال أقوى من الشرف الوطني؛ راحوا يمارسون سلطتهم من دون أي غطاء!! بصفاقة القوة العارية، ولسان حالهم يقول: نحن هنا على صدوركم بقوة السلاح. انفلقوا.

فعلوا ذلك بالاستعانة بجيش من التجار لا يفوق تعطّشهم لفتات المال إلا تبذيرهم لكرامتهم تحت أحذية العسكر! لم يكن ذلك داخل البلد فقط… رأينا كيف أن الكثير من تجار السياسة اللبنانيين يتباهون بتلميع أحذية الضباط السوريين في الصالونات، مديرين ظهورهم لمعاناة الشعب اللبناني المريرة.

ليس هناك أي نظام في العالم يستطيع أن يحكم البلاد الى الأبد بالقوة وحدها، من دون أي غطاء قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي، حتى ولا الفاشية الإيطالية، حتى ولا النازية الألمانية!

استنقعت الأنظمة العسكرية بقمعها ونهبها وصفاقة كذبها. كانت مأساة ثم أصبحت في العشرين سنة الأخيرة قرفاً يثير الغثيان.

كان استخدام الأنظمة العسكرية قوتها العارية في استمرار تسيدها سدة السلطة إعلاناً عن حفر قبورها بأيديها.

الفضائيات وأجهزة الإعلام المفتوحة أعطت إمكانات أوسع للمقارنة بيننا وبين المجتمعات الأوربية وتقدمها المضطرد!! بهذا المعنى، بقدر ما كانت ثورات الربيع العربي ثورات احتجاج على بؤس أحوالنا، كانت ثورات حلم الحداثة المجهض، والذي لا نكف عن التعلق به، كأنه خشبة خلاصنا التي نراها ولا نطالها.

اليوم، وبعد خمسة أعوام، استطاعت الخلايا الخبيثة أن تأكل الخلايا السليمة، أو معظمها في كل البلاد والتي انطلقت فيها الثورات! غير أنه مهما تكن حال المآلات المأساوية لتلك الثورات، فإنها اعلنت أن العودة الى الانظمة القديمة المهترئة أصبح مستحيلاً. الأنظمة العسكرية ماتت. أصبحت من الماضي. إن كانت هناك ايجابية للثورات العربية فهي هذه.

عودة

 بالعودة الى اللحظة السورية الراهنة، هناك قرار دولي بمخرج سياسي، وعرقلة إقليمية ومحلية، وحال انتظار، ومعارك طاحنة في أكثر من منطقة.

لا شيء يفوق توق السوريين إلى إنهاء الحرب. هذا هدف لجميعهم. القابعون في مناطق النظام أو الواجمون في مناطق المجموعات المسلحة… ليس لأن حلم التغيير انكسر! بل لأن الحرب أطلقت عليهم كل أبالسة القتل والنهب والانتهاكات والترويع. أصبح الخلاص من الحرب أعلى من أي هدف سياسي.

*** لا شيء يفوق توق السوريين لإنهاء الحرب. هذا هدف لجميعهم. القابعون في مناطق النظام أو الواجمون في مناطق المجموعات المسلحة****

لذا يصبح التعويل على هيئة تشكو من عدم شمولها لكافة القوى السياسية السورية، أو خضوعها للإملاءات الإقليمية مثل الهيئة العليا للمفاوضات هو أمر مشروع في اللحظة الراهنة لمفاوضة النطام، من دون الوهم بأنها آخر المطاف… علماً بأن تقويض الهيئة العرجاء الراهنة هو خدمة جُلى لنظام لا يهجس إلا بتأبيد سلطته، ولو على جبال من الجماجم.

يأمل السوريون في إنهاء حال الحرب؛ سواء بمفاوضات الهيئة العليا أو أي هيئة أخرى. وليس لهم إلا أن يعلموا أن طريق هذه المفاوضات طويلة وعسيرة ومليئة بالصوى والمنعطفات والحفر. وليس لهم إلا أن يأملوا في أن تأتيهم بوضع نهاية للحرب، والانتقال الى نظام لتقاسم السلطة غير واضح المعالم حتى الآن… غير أن ما هو واضح لهم بأن حقوقهم كشعب في الحرية والعدالة والحداثة والكرامة والديموقراطية هي جوهر أحلامهم التي لا يمكن لأي سلطة ولا لأي مجموعة سلفية – مهما عملت فيهم قتلاً وتذبيحاً ـ أن تلغيها.

الأحلام قاطرة التاريخ.

*نشر هذا المقال في مجلة النداء اللبنانية بتاريخ: 28/08/2016

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

 

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: