محددات السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط

2016-636050336309908425-990_كلينتون ونرامب

 

محددات السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط

الجزء الثاني من مقال تحت عنوان “‬قضايا الشرق الأوسط في سباق الانتخابات الأمريكية”، كتبه الدكتور أحمد سيد أحمد في مجلة (السياسة الدولية) المصرية.
هناك عدد من المحددات التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وتجعل هناك استمرارية لتلك السياسة، بغض النظر عن الفائز في الانتخابات، وأن التغير فقط سيكون في الآليات، وليس في التوجهات. ومن هذه المحددات:
1- المصالح الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط:
هناك عدد من المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط تشكل ثوابت السياسة الأمريكية، وتمثل استمرارية في تلك السياسة، بغض النظر عن كون الإدارة ديمقراطية أو جمهورية، ومنها:
– حماية أمن إسرائيل:
يعد أمن إسرائيل عنصرا ثابتا في أجندة السياسة الأمريكية لا يختلف باختلاف الحكومات المتعاقبة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، حيث استمر الدعم الأمريكي لإسرائيل على مدي السنوات المختلفة، ومنذ إنشائها عام 1948، وإبان حرب أكتوبر 1973، ثم الدخول كطرف أساسي في مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل كراع للسلام في المنطقة. بل كانت الصراعات العراقية – الأمريكية في جزء منها بسبب الرغبة الأمريكية في الحفاظ على التفوق الإسرائيلي على جميع الدول العربية(8). ولذا، تقدم الولايات المتحدة مساعدات عسكرية سنوية لإسرائيل، تجعلها تحتل المرتبة الأولي في الدول المستقبلة للمساعدات العسكرية الأمريكية الخارجية، وذلك لضمان تفوقها العسكري. كما تساند الولايات المتحدة إسرائيل على المستويين السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن الدولي، حيث استخدمت أمريكا حق النقض “الفيتو” عشرات المرات ضد أية مشروعات قرارات في المجلس تدين إسرائيل وممارساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني. كما يلعب اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة دورا مهما في حشد دعم الإدارة الأمريكية والكونجرس لإسرائيل.
– المحافظة على إمدادات وأسعار نفط مستقرة:
تمثل منطقة الخليج أهمية كبيرة للولايات المتحدة، حيث تمد السوق العالمية بالنفط، وستظل دول الخليج المصدر الرئيسي للنفط في العقود القادمة. ومن شأن المحافظة على استقرار هذه الدول استقرار أسعار النفط(9).
– مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل:
هناك مصلحة للولايات المتحدة في منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، لما في ذلك من تهديد لحليفتها إسرائيل، ولشركائها في منطقة الخليج العربي، والقوات الأمريكية هناك. وتحت هذه الذريعة، قامت الولايات المتحدة بغزو العراق، وتعمل على احتواء البرنامج النووي الإيراني، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي(10).
– الحفاظ على استقرار الدول الصديقة في المنطقة:
طورت الولايات المتحدة علاقة صداقة وثيقة مع عدد من دول المنطقة المعتدلة، ومنها مصر ودول الخليج، والتي تتوافق مع المصالح والأهداف الأمريكية(11).
– الحرب على الإرهاب:
كانت الولايات المتحدة تسعي للحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، ومنها النفط، وحماية أمن إسرائيل، حتى لو تم ذلك بالتعامل مع الأنظمة السلطوية في المنطقة، أي تغليب الواقعية على المثالية، وترجيح المصالح على القيم، ودعم الديمقراطية والإصلاح. ومن ثم، كان اهتمامها بالمنطقة يقتصر على تحقيق مصالحها. أما الاهتمام بالديمقراطية، وإحداث إصلاحات سياسية، فكان محدودا، ويظهر ذلك من علاقاتها بالأنظمة في المنطقة.  إلا أنه بعد 11 سبتمبر، أصبحت مواجهة الإرهاب أحد اهتمامات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وعليها أن تتعاون مع شركائها الإقليميين في مواجهة الإرهاب، وتجفيف منابع التطرف.
وبعد ثورات الربيع العربي في عام 2011، وتصاعد خطر الإرهاب، أصبحت الإدارة الأمريكية في حاجة إلى بناء تحالفات استراتيجية مع دول المنطقة، مثل مصر والسعودية، لاحتواء خطر التنظيمات الإرهابية المتصاعدة، مثل “داعش”، وجبهة النصرة، إضافة إلى تنظيم القاعدة. ولذلك سوف تستمر الإدارة الأمريكية، سواء برئاسة كلينتون أو ترامب، في التعاون مع دول المنطقة لمواجهة خطر الإرهاب، وربما تتراجع الولايات المتحدة عن دعم الديمقراطية، وممارسة الضغوط على الأنظمة في المنطقة لتحقيق الإصلاح السياسي، وذلك مقابل أولوية محاربة الإرهاب(12).
2- الإطار الجديد الحاكم للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط:
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، متغيرات جديدة شكلت إطارا حاكما لتلك السياسة في التعامل مع قضايا وأزمات المنطقة. وبدأ هذا الإطار الجديد خلال الفترة الثانية للرئيس باراك أوباما، وتحديدا بعد ثورات الربيع العربي. ومن المتوقع أن يشكل هذا الإطار الجديد حاكما لحدود التغير، أو لطبيعة ومضمون السياسة الأمريكية، لأي رئيس أمريكي جديد، بغض النظر عن الفائز في الانتخابات الرئاسية، سواء كان كلينتون أو ترامب.
ويتمثل أبرز المتغيرات الجديدة، التي تشكل إطارا  جديدا حاكما للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، في:
– سياسة رد الفعل: حيث أوضحت خبرة الإدارة الأمريكية في التعامل مع الانتفاضات العربية، خاصة في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، أن الإدارة لم تكن في موقع الفاعل، سواء في اندلاع تلك الانتفاضات، أو في توجيه مسارات تفاعلاتها. واتخذت الإدارة موقف رد الفعل ضمن إستراتيجية “دعنا نري”، حيث بلورت مواقفها وسياساتها بناء على مسار تلك التفاعلات، وهو ما حدث في الثورتين التونسية والمصرية. وسعت الإدارة الأمريكية إلى بلورة استراتيجية تقوم على تحقيق التوازن بين المثالية، أي دعم الديمقراطية، وثورات الربيع العربي، وبين الواقعية، أي الحفاظ على المصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة مع دول الربيع العربي. ولذلك، اتسمت السياسة الأمريكية بالتخبط في التعامل مع تلك الأزمات، كما حدث في التعامل مع الأزمتين السورية والليبية. ولذلك، فإن إشكالية التوازن بين المصالح والقيم أبرزت تحديات الإدارة الأمريكية الجديدة.
– تصاعد تأثير الرأي العام العربي في عملية صنع السياسة الخارجية: حيث لم تعد السياسة الأمريكية مقتصرة فقط على التحالف مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة بما يحقق مصالحها وأهدافها، خاصة الحرب على الإرهاب، مقابل الدعم الأمريكي لتلك الأنظمة للحفاظ على شرعيتها واستمرارها. بل أضحي الرأي العام العربي عاملا حاكما في السياسة الخارجية لدول المنطقة، وأسهم في جعلها أكثر استقلالية وندية إزاء السياسة الأمريكية، بعد أن كانت أشبه بالتابعة لها، في ظل الأنظمة القديمة. ولذلك، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة، وهي تسعي لتحقيق مصالحها في الشرق الأوسط، عليها أن تراعي الرأي العام العربي في نمط تحالفاتها أو سياساتها الخارجية تجاه المنطقة(13).
– بروز دور الفاعلين الأخرين في المنطقة: لم تعد الولايات المتحدة الفاعل الرئيسي في تفاعلات وقضايا الشرق الأوسط، مع تصاعد أدوار قوي دولية أخري، مثل روسيا، خاصة في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي، حيث أصبح الدور الروسي بارزا ومتشابكا في العديد من الأزمات المنطقة، خاصة في الأزمة السورية. فبعد التدخل العسكري الروسي في فبراير 2016 إلى جانب النظام السوري، انقلبت موازين القوي لمصلحة النظام في صراعه مع المعارضة المسلحة، والتنظيمات الإرهابية، مثل تنظيم “داعش”.
وقد أسهم الانسحاب الأمريكي من الأزمة، وتخبط إدارة أوباما إزاء التعامل معها في إحداث فراغ كبير، سعت روسيا إلى ملئه، وذلك في مساعيها لتوسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، في إطار الحرب الباردة الجديدة مع الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، والذي برزت ساحته الأساسية في أوكرانيا. كما أن توجه مصر إلى التحالف مع روسيا، بعد فتور العلاقات مع الولايات المتحدة، كان نتيجة لمواقف إدارة أوباما من النظام المصري، بعد ثورة 30 يونيو. كل هذه المتغيرات وضعت قيودا على حركية السياسة الأمريكية وتحالفاتها في المنطقة.
3- مستقبل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط:
يمكن القول إن تحليل السياسة الخارجية الأمريكية، منذ نشأة الولايات المتحدة، يوضح أن تلك السياسة تتغير دوريا وبشكل روتيني من توجه انعزالي إلى آخر تدخلي من فترة إلى أخري، بحيث إنه يمكن توقع التغير من توجه لآخر في لحظات تاريخية معينة. فالسياسة الخارجية الأمريكية تميزت خلال الفترة من 1776 حتي 1798 بالتوجه الانعزالي. ولكنها، ابتداء من 1798 حتي عام 1824، تحولت إلى توجه تدخلي، ثم عادت إلى التوجه الانعزالي حتي عام 1844 وهكذا. وقد لاحظ بعض الدارسين أن تلك السياسة تتسم بالثبات أكثر منها بالتغير. فرغم تعاقب الرؤساء منذ الحرب العالمية الثانية، فإن الخطوط العامة للسياسة الخارجية الأمريكية ظلت ثابتة تقريبا(14)، وهذا ما لاحظه ديكسون وجاردر على السياسة الخارجية الأمريكية في الفترة من 1948 وحتي .1988
كما أنه ومنذ انتهاء الحرب الباردة وحتي الآن، تتسم السياسة الخارجية الأمريكية بالثبات والاستمرارية، خاصة في الأهداف والتوجهات. لكن التغير يكون في الآليات ما بين التدخل العسكري، كما حدث في عهد الجمهوريين في إدارتي بوش الأب وبوش الابن، وتبني الآليات الدبلوماسية في عهد الديمقراطيين في إدارتي كلينتون وأوباما. كما أن السياسة الأمريكية، بعد الحرب العالمية الثانية، تسعي دائما للتوازن بين حسابات المصالح الأمريكية، الواقعية، وحسابات القيم والديمقراطية، المثالية.
لكن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها تأمين وصول النفط، ومحاربة الإرهاب، ستفرض على الرئيس الأمريكي القادم استمرار الانخراط في قضايا المنطقة، وضرورة التعامل معها. لكن نمط السياسة لن يختلف كثيرا عن استراتيجية أوباما، وهي الانخراط والحرب بالوكالة، لكن دون التورط العسكري المباشر في تلك الأزمات.
وأيا كان الفائز بانتخابات نوفمبر 2016، سوف تبقي منطقة الشرق الأوسط مضطربة خلال فترة ولاية الرئيس الجديد، وستظل أحد تشابكات السياسة الخارجية الأمريكية، والانخراط في قضاياها وأزماتها، مع الاختلاف في الآليات، وليس في التوجهات، أو الأهداف.
الهوامش :
8- أميرة محمد راكان العجمي، مفهوم الإصلاح كمحدد للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال إدارتي جورج دبليو بوش، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2010، ص.24
9- Joe Jobe, Fuel for Thought, in Joshua Tickell(ed), Biodiesel America: How to achieve Energy Security, Free America from Middle East Oil Dependence, and Make Money Growing Fuel, (New York: Biodiesel America, 2006), p.10.
10- إنجي محمد مهدي توفيق، الاستباق في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي: المبدأ والتطبيق، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، 2007. ص.61
11- إيمان محمد العيوطي، السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الإصلاح في الشرق الأوسط .. دراسة حالة العراق، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2007، ص.89
12- Francis Fukuyama and Michael Mcfaual, Should Democracy be promoted or demoted, the Washington Quarterly, Vol. 31, No1. (Winter 2007-2008), p.26.
13- John Hodak,  The 2016 U.S. Elections: Impact on the Middle East, Brookings Center (Doha) May 27, 2015.
14- د. محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1989)، ص 118.

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: