التمييز الديني والحق الدولي / الطائفيـــة العربية ـ العربية

التمـــــــــييز الديني والحق الدولي- م. اسبر

الدكتور منذر اسبر: 

اصبحت وقائع التمييز الطائفي، ومايرافقها من تفرقة مذهبية، وتكفير، وقتل فردي وجماعي، معطى من معطيات الوضعية القائمة في سورية واليمن والعراق.. هذا مايهدد الكيانات الوطنية العربية الحديثة ويضع تاريخها النهضوي التحرري الحديث، بين معترضتين، في واقع خط من الانشراخ الاقليميى المذهبي، ويطرح حقائق اخرى خلفه.

ففي مواجهة الكيانات الوطنية الحديثة توجد دول اخرى قومية ـ مذهبية، اوقبلية ـ مذهبية، تبحث جميعها عن التوسع والسيطرة على هذه الكيانات، المعروفة بتوجهاتها الوطنية والعروبية والتقدمية منذ المؤتمر الوطني السوري عام 1919حتى وفاة عبد الناصر عام 1970. إنها تعمل جميعا ـ رغم اختلافاتها ـ على إعادة العرب، وسكان المنطقة، الى ماقبل التاريخ الحديث، تساعد، وتساعدها، السلطة السورية والمنظمات الاحترابية والارهابية، التي لاتؤمن بالحرية الانسانية، وحق الشعوب في وحداتها الوطنية، وفي تقرير مصيرها، وتستخدم كل منها، على طريقته، التمييز الطائفي دعوةً وحرباً وتمويلاً.

إن الوقائع التاريخية تبيّن أن التمييز الطائفي يحتضن التعصب الديني، رافضا بذلك الآخر، او عدم الاعتراف به ، أو قبوله شريكاً ندّياً في الوطن . وهو، في الحياة العادية، يقوم على النبذيّة للمختلف الديني، وتكفيره، واقصائه. وهذا لايتم الابوجود مؤسسات مذهبية، تعتبر ما عداها هالكاً، عبر فتاويها أو أحكامها، بحيث تعزّز ذاكرة الموروثات المسبقة والسلبية العدائية، النفسية منهاوالمعنــوية.إنها ترى الفرد الانساني، أو وسطه الاجتماعي، جوهراً (essence)، لايتحوّل ولايتبدل، أي لم يخترقه الانتقال من العمران البدوي الى العمران الحضاري، ولا التحولات الحديثة التي عرفتها المجتمعات العربية .

واذا كان الامر كذلك في الحياة العادية، فإن الانتقال من حالة ( الحرب الباردة ) التي يخلقها التعصب الديني وحرّاسه الى (الحرب الساخنة الطائفية) يصبح ميسوراً، سيّما بغياب مجتمع مدني، أو بوجود سلطة طغيانية، أو بانتشار الفقر المعيشي في الاوساط الشعبية، مدينية كانت أم ريفية . كما أن هذه الحرب الساخنة تحتدم مع سيطرة انظمة قومية ـ مذهبية، او قبلية ـ،مذهبية، تجد لها أتباعاً من النوستالجيين لعصور سابقة، أو المسيّسين لسلطة المكبوت الثقافي القديم، والساعين وراء كانتونات طائفية اوعرقية، لاتملك أية مقومات لها أساساً.

وتكاد تكون الانسانية جمعاء قد عرفت التمييز الطائفي، وصراعاته، اذ يكفي ان نشير هنا الى ان فرنسا وحدها قد عرفت 8 حروب طائفية خلال 36 عاما :

حروب 1562ـ 1563 ، 1567ـ 1568، 1568 ـ 1570، 1572ـ1573، هذه الحرب التي عرفت بسان بارتيليمي، والتي ذهب ضحيتها 4 آلاف شخصا في ليلة واحدة، و10آلاف شخصا في فرنسا، 1574ـ 1576، 1576ـ 1580، 1580 ـ 1598، التي انتهت بمرسوم نانت، لإنهاء الحرب الدينية الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت، والاعتراف بكافة الاديان، وممارسة الشعائر الدينية .

من الوجهة التاريخية، كانت هذه الحروب في القرن السادس عشر تترافق بنفس الوقت بصحوة على الاصلاح الديني، للانتقال الى عصر الانوار في القرن السابع عشر، فإلى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، فإلى توطّد المواطنة والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة ،على قاعدة نظام رأسمالي جديد.

واذا كنا قد أشرنا الى هذه الحروب فلكي نشير، بنفس الوقت، الى أن التمييز الديني وعصبيته ليست خصوصية في التاريخ الاوروبي. فالعرب أنفسهم عاشوا ذلك اذ تكفي العودة الى مؤرخين كالسيوطي وابن الأثير وغيرهما، لنرى وقائع الصراع المذهبي بين سنّة وشيعة منذ الخليفة المتوكل الذي قتله الاتراك، وطوال العصر الديلمي والسلجوقي..

كل انواع الخطاب، او اللباس، الطائفي المفروض على اهل (الذمة )العرب اوحرق الكنائس، وكل انواع القتل بين السنة والشيعة العرب، الفردي منه والجماعي، أو تدمير المساجد، أو احراق الاسواق، أو سلب ممتلكات المختلف المذهبي، او سبي النساء، ارتكبت، وبوجه خاص في الاعوام الهجرية التالية:

اعوام 351، 352 ،353 ،361، ،363، 380، 407، 408،422،425،441، 445، 502، 510، 544، 556، 574. إلّا أن هذه الواقعات التاريخية، الطائفية الشنعاء، حسب تعبير ابن الاثير تمت في سياق تاريخي ارتكاسي، على عكـــس الغرب، وذلك مع تلاشي نموذج الدولة العربية، ذات الطابع القومي المنفتح، والتنظيم العقلاني المتقدم، والصعود المتحضر والحضاري بقيادة عربية وبهيمنة طبقة تجارية قوية. لقد تغيرت الدولة، نموذجاً، وقيادة فعلية مع جيوش غير عربية وبسيطرة اتنيات تركية وديلمية وسلجوقية، اعتنقت الاسلام، وظلت مطبوعة بثقافاتها الجماعوية الطرفية الاحترابية، وكان ولاؤها لامبراطورية الاستبداد السلطاني اكثر من أي ولاء آخر. هكذا تم استلاب الشخصية العربية المتحضـرة، تسامحاً وعدلاً، وعمراناً واناسة ، بل واغترابها عن اوطانها التي اصبحت ملك الحاكمين، في ظل نظام اقطاعي يمدالنزاعات الطائفية بالوقود، ويسعّرها بين العرب انفسهم.

لقد خرج العرب من التاريخ، ومن بينهم السوريون طوال قرون ، بل لقدطردوا منه عبر طائفياتهم وخضوعهم للسلاطين الجدد، وتحول القسم الواسع منهم الى أقنان ومرابعين ،ليعودوا اليه، بعد قرون، مع النهضة العربية الحديثة، والمؤتمر السوري عام 1919، وثورات التحرر الوطني عام 1920 ،1925، ومع الحركة الاجتماعية والسياسية التقدمية في الخمسينيات، وثورة عبدالناصر عام 1952…

التاريخ بماعرف من أنواع التمييز الديني، وصراعاته السابقة الاوروبية والعربية.. وبما عاشه مع الاستعمار الطائفي او الفاشيات الغربية، او مع مؤسسات التفرقة المذهبية هنا وهناك في العالم، هو الذي دفع المحفل الدولي الى التشديد على ازالة انواع التمييز الديني. من هنا جاء (الاعلان عن ازالة كافة اشكال التمييز القائم على على الدين او المعتقد) والذي أقرته الجمعية العمومية للامم المتحدة عام 1981، في سياق الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948، والمعاهدة الدولية بصدد الحقوق المدنية والسياسية عام 1966، ليطـــرح حقوقاً اساسية نتوقف عند اهمها:

المادة الاولى :كل شخص له الحرية في التفكيروالدين والمعتقد،وهذه الحرية تستلزم حق كل فرد في الدين او المعتقد الذي يريده، والتعبير عنه بشكل فردي ام جماعي، وممارسة شعائره، ولايجوز ان يخضع اي شخص كان الى اكراه يمس حريته في الدين او المعتقد الذي اختاره ـ لاتخضع حرية الدين او المعتقد لاية تقييدات، إلّا ما ينص عليه القانون، كتقييدات ضرورية لحفظ الامن والنظام العام والحريات والحقوق الاساسية للآخرين.

ـالمادة الثانية والرابعة :لايمكن لاي شخص ان يكون موضوع تمييز، من قبل الدولة او من قبل مؤسسة او جماعة اوفرد ما، بسبب دينه او معتقده، وتعمل جميع الدول على سنّ الاجراءات التشريعية، من اجل منع  التمييز، واتخاذ كافة الاجراءات لمكافحة التعصب القائم على الدين او المعتقد.

المادة الثالثة :يشكّل التمييز بين البشر، لأسباب دينية أو معتقدية، اهانة للكرامة الانسانية، ونفياً لمبادئ وميثاق الامم المتحدة، ويجب ادانته كانتهاك لحقوق الانسان والحريات الاساسية، والحيلولة دون علاقات الصداقة والعلاقات السلمية بين الامم…

ونظرة الى ماسبق، فان الحق الدولي في ميدان إزالة وإدانة التمييز، من اية جهة كانت،والقائم على الدين او المعتقد، وبسنّ التشريعات ضده، وتوطيد السلام، يرتكز على مسّلمات قائمة  في وحدة الطبيعة والنوع الانساني، وفي ضرورة الاجتماع البشرى، سلماً وتعاوناً بين الامم، وفي احترام الكرامة الانسانية، وحقوق الانسان والشعوب. وفي الحقيقة فإننا نجد في الشخصية التاريخية الثقافية العربية الحضارية، ولدى الشعوب الاخرى، عدداً من معطيات هذا الحق، المتقدّم مع التطور الانساني، وإن الاشكالية الطائفية العربية ـ العربية هي نتاج تاريخ انحطاطي لابد من تجاوزه دونما هوادة، أي أننا أمام اقامة دار سلم للشعب السوري، ولكافة الشعوب العربية ،مكافحة للتمييزوالطائفية ،وحضورا في عالم اليوم.

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: