من يفعل ماذا في الشرق الأوسط؟

لوغو السياسة الدولية3

الدكتور وحيد عبد المجيد*

لم تكن الذكري المئوية الأولي لاتفاق سايكس-بيكو (مايو 1916) هي التي أخرجته من مرقده في التاريخ، وجعلته موضع اهتمام واسع في كثير من الأوساط العربية والدولية في الفترة الماضية.

لم يغب هذا الاتفاق في الجدل العربي العام طوال الوقت تقريبا علي مدي نصف القرن الأخير. وازداد حضوره في السنوات الأخيرة عندما تنامي الاهتمام بمصير منطقتنا، والبحث في احتمال تقسيم بعض بلادها نتيجة الحروب المشتعلة داخلها. ولذلك، أصبح الحديث عن مستقبل المنطقة مرتبطا في معظمه بالتغيرات المحتملة أو المتخيلة في حدودها الجغرافية، التي يعتقد علي نطاق واسع أنها رسمت بموجب اتفاق “سايكس-بيكو”.

وهكذا، أصبح هذا الاتفاق، بعد نحو قرن علي توقيعه، محور اهتمام الجميع. غير أنه إذا أردنا للنقاش العام حول مستقبل المنطقة أن يكون مثمرا، فينبغي أن يبني علي معطيات صحيحة، سواء علي صعيد الواقع الذي نناقش احتمالات تطوره، أو علي مستوي التاريخ الذي يمثل خلفية هذا الواقع.

ومن أهم هذه المعطيات تدقيق التاريخ الذي ينطلق النقاش منه، ويقع “سايكس-بيكو” في قلبه. فالخلط في مثل هذه المعطيات يؤثر في طريقة تفكيرنا فيما يمكن أن يكون عليه مستقبل المنطقة.

ماذا يعرفون عن “سايكس-بيكو”؟

إذا اختزلنا الحدود الجغرافية الراهنة في العالم العربي، والشرق الأوسط عموما، في اتفاق كتبه اثنان من كبار العالم، فيسهل تخيل إعادة رسم هذه الحدود بطريقة مشابهة في مضمونها، أي عن طريق قوتين عظميين في العالم أو أكثر. وعندئذ، يسهل انتشار هذا السيناريو بسبب قوة “ثقافة المؤامرة” الشائعة علي الصعيد العربي.

ولذلك، أصبح الحديث، الذي ظل يتردد من وقت إلي آخر حول مؤامرات دولية لرسم خرائط جديدة لمنطقتنا، شائعا علي نطاق أوسع في الخطاب السياسي والإعلامي، بل في غير قليل من الأوساط الأكاديمية التي يفترض أن تعتمد علي التحليل العلمي.

وربما تكون “ثقافة المؤامرة” الغالبة في العقل العربي هي أحد أسباب اختزال العمليات التاريخية التي تشكلت عبرها حدود منطقتنا علي مدي أكثر من عقدين، عقب الحرب العالمية الأولي، في اتفاق واحد (سايكس-بيكو) كان امتدادا لمعاهدة ثلاثية سبقته، هي معاهدة بطرسبرج في مارس 1916 بين بريطانيا، وفرنسا، وروسيا. كما حدثت فيه تعديلات أساسية بعد توقيعه، حيث أعقبته ثلاثة اتفاقات أكثر أهمية منه (سان ريمو، وسيفر، ولوزان).

ولذلك، جاءت الخريطة التي أسفرت عنها الحركة الدبلوماسية في المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الأولي وبُعيدها مختلفة عما تصوره سايكس وبيكو في اتفاقهما. فعلي سبيل المثال، أصبحت فلسطين علي ضفتي نهر الأردن منطقة انتداب بريطاني (لم يكن وعد بلفور صدر عندما تصور سايكس وبيكو خريطة المنطقة).

كما نقلت السيطرة علي الموصل وشمال العراق من فرنسا إلي بريطانيا، مع دمجهما في المملكة العراقية. وفي مقابل ذلك، أطلقت بريطانيا يد فرنسا في المنطقة التي كانت خاضعة لها، مما أدي إلي توسيع مساحة لبنان. ولا ننسي أن التغيير في الخريطة، بعد اتفاق سايكس-بيكو، شمل فصل لواء الإسكندرونة عن سوريا، وإعطاءه وضعا خاصا، قبل أن تتنازل فرنسا عنه لتركيا.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن اتفاق سايكس-بيكو، والاتفاقات اللاحقة كانت منصبة علي قسم صغير من المنطقة (المشرق العربي، والعراق تحديدا)، بل نصت المادة العاشرة من ذلك الاتفاق صراحة علي استبعاد أي تدخل في منطقة شبه الجزيرة العربية (تتفق الدولتان بصفتهما حاميتين للدول العربية المشار إليها سابقا علي ألا تملكا، ولا تسمحا لدولة ثالثة بأن تمتلك أقطارا في شبه جزيرة العرب).

ولم يتطرق الاتفاق إلي الجزء الإفريقي من العالم العربي إلا في إشارة عابرة إلي (الالتزام بعدم إنشاء قاعدة بحرية في الجزائر علي ساحل البحر المتوسط)، حيث كان هذا شرطا بريطانيا قبلته فرنسا. كما أن ما ينسب إلي اتفاق “سايكس-بيكو” تفتيته لم تكن دولا، بل كانت أجزاء من الدولة العثمانية. كما أنها لم تكن موحدة في داخلها، بل كانت موزعة علي ولايات، أدي هذا الاتفاق إلي توحيد بعضها كما حدث بشأن الولايات التي دمجت لإنشاء العراق، وإلي تقسيم البعض الآخر في المشرق العربي.

والحال أن خريطة منطقة الشرق العربي ظلت موضع تعديل بفعل تفاعلات مرتبطة بموازين قوي سياسية وعسكرية، علي مدي نحو ربع قرن من الزمن. ويعني ذلك أن الحدود الجغرافية في هذه المنطقة كانت وليدة عمليات تاريخية ترتبت علي الحرب العالمية الأولي التي كان متوقعا، منذ بدايتها، أن تنتهي بموت الدولة العثمانية التي طال أمد وصفها بـ “الرجل المريض”. وكانت الاتفاقات، التي بدأت سرية مع مطلع تلك الحرب بين بريطانيا، وفرنسا، وروسيا لتوزيع تركة “الرجل المريض” المتوقع موته، وأفضت إلي “سايكس-بيكو”، محصورة في منطقة محددة (المشرق العربي والعراق) كما سبق ذكره.

كما أن أثر ارتباك بعض القادة العرب وتخبطهم في منطقة المشرق العربي والعراق في ذلك الوقت لا يقل أهمية عن دور بريطانيا وفرنسا في اتفاق “سايكس-بيكو”، لأن صراعاتهم أتاحت للدولتين الكبيرتين حرية العمل، وفق الخيار الذي كانتا تفضلانه، بينما كان ذلك الاتفاق مفتوحا علي خيارين (دول عربية، أو حلف تحت رئاسة رئيس عربي) وفق مادته الأولي التي يتم تجاهلها عادة عند استحضاره.

ولعل هذا التجاهل ضروري، لكي يتماسك خطاب المؤامرة الغالب في الجدل العربي حول مستقبل المنطقة التي يشيع اعتقاد في أن هناك خريطة جديدة ترسم، وربما رسمت، لها، من منطلق أن هناك مؤامرة تحاك لتفتيتها.

وربما ينطوي هذا الخطاب علي شيء من التعارض بين هجاء اتفاق “سايكس-بيكو” الذي نظر إليه طويلا كما لو أنه مصدر كل النكبات العربية، ورفض أي تغير في الخريطة التي “أنتجها”، بما يعنيه ذلك ضمنيا من تمسك بها، وتفضيل لها.

فإذا كانت الصراعات الراهنة في المنطقة مجرد مؤامرة ضد العرب تهدف إلي تغيير خريطة منطقتهم، أفلا يعني ذلك أن هناك رغبة في المحافظة علي هذه الخريطة التي كثيرا ما وصفت بأنها مؤامرة غربية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تكون الخريطة التي تدبر مؤامرة الآن لتغييرها هي نفسها، نتيجة مؤامرة حيكت قبل قرن من الزمن؟

وليست ثنائية هجاء اتفاق “سايكس-بيكو”، والخوف في الوقت نفسه من تغيير الخريطة التي ترتبت عليه، إلا واحدة من مفارقات كثيرة يعج بها خطاب المؤامرة في مرحلة تتصدر فيها الخرافات المشهد العام في بلاد عربية عدة.

غير أن حديث المؤامرة لا ينشغل بالأسئلة التي تثيرها هذه الثنائية، وغيرها من التناقضات الشائعة علي الصعيد العربي. كما لا يجد المنغمسون فيه ضرورة لملاحظة أن مساحة التآمر في العالم تقلصت، ولا تزال تتقلص، نتيجة الثورة الهائلة في وسائل الاتصال، فضلا عن ازدياد دور العقل، منذ مطلع العصر الحديث، وتحرره من الخرافة بمقدار ما يتوافر له من مقدمات للتقدم.

أنظمة .. وتنظيمات:

ولا يثير استغرابا أن يتوسع نطاق خطاب المؤامرة علي الصعيد العربي في مرحلة اضطراب عظيم، ينتج عن تجريف شامل لمجتمعات عربية تتفاوت في مستويات الفقر والثراء، الماديين، ولكنها تعاني كلها فقرا معرفيا، وضمورا في قدرة العقل العام علي تفسير الأحداث، حين تكون جسيمة، بمنأي عن الخرافات.

ولذلك، يسهل تصديق أن الاضطراب الهائل الذي يسود المنطقة، والصراعات الدموية المشتعلة في عدد متزايد منها، والحروب الداخلية الضارية في بعضها، إنما يعود إلي مؤامرة كبري، مجهولة أطرافها وأبعادها، وغير معروفة أسبابها. فقد كانت حالة العرب، عشية تصاعد هذا الاضطراب في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تدعو للرثاء والإشفاق عليهم، ولا تدفع أحدا في العالم إلي القلق منهم، ومن ثم التآمر عليهم.

ولكن بؤس حالة العقل العربي تيسر ترويج التفسير التآمري لهذا الوضع، رغم سهولة إدراك أنه يعود إلي تراكم نتائج الاستبداد، والقهر، والإذلال، والفساد، والإفقار، والتمييز، وإهدار كرامة البشر علي مدي عقود.

ونظرا لسيولة خطاب المؤامرة التي يتعرض لها العرب الآن، وغموضه، نركز علي بعد واحد يتسم بقدر من الوضوح في هذا الحديث، وهو القول إن تصاعد الإرهاب، وتأسيس تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” يرتبطان بهذه المؤامرة.

فالقراءة التاريخية لتطور الإرهاب في المنطقة تفيد بأنه لم يصدر إليها، ولم يهبط عليها من السماء، بل نتج عن تطرف وتعصب خلقتهما سياسات مستبدة فاسدة، بلغت ذروتها في سوريا والعراق، تحت حكم حزب “البعث”، أو بالأحري السلطات التي اتُخذ هذا الحزب واجهة لها.

وقد لعبت سياسات أمريكية حمقاوات دورا في تنامي الإرهاب، بعد أن ضرب قلبها في 11 سبتمبر .2001 وشاركت دول كبري أخري بأدوار متفاوتة في توسع نطاق هذا الإرهاب. ولكنها لم تخلقه، وما كان لها أن تقدر علي ذلك، بل لا تتوافر أصلا أي مقومات لقيام دولة كبري بزرع إرهاب في أي بلد توفر أوضاعه التاريخية حدا أدني من المناعة ضد أي تدخل خارجي. غير أن هذه المناعة لا تتوافر إلا في ظل حكم رشيد، أو نصف رشيد. ولم تعرف المنطقة مثل هذا النوع من الحكم في العقود الأربعة الأخيرة علي الأقل إلا قليلا أو نادرا. ولا يقلل ذلك من أهمية الدور الدولي في توسيع نطاق الإرهاب، ولكنه يظل دورا ثانويا أكمل الدور الرئيسي الذي قامت به أنظمة حكم عربية متوحشة بدرجات متفاوتة في خلق البيئة المجتمعية التي أنتجت تنظيمات إرهابية تمثل الوجه الآخر لتوحشها.

ولا مصادفة إذن في أن يأتي تنظيم “داعش” ليكمل التمزيق الذي بدأته سلطات حزب “البعث” المتوالية لنسيج المجتمعين السوري والعراقي، وهما اللذان رفعا وحدة الأمة (الإسلامية أو العربية) شعارا، وهدفا، وغاية. وهما يواصلان، كل من جانبه، في تكامل ضمني لممارساتهما، عملية تمزيق أوصال سوريا.

كما لم تكن مصادفة أن تعتمد التنظيمات الإرهابية التي نشطت في العراق، عقب الاحتلال الأمريكي عام 2003، وصار “داعش” امتدادا لها، علي أعضاء في حزب البعث، وضباط وجنود في الجيش الوطني العراقي الذي فُرضت عليه هزيمة مؤلمة، نتيجة التفاعل بين غطرسة سياسة صدام حسين، وحماقة السياستين الأمريكية والبريطانية، وتردي الوضع العربي العام. توالي انضمام أعداد غير معروفة من هؤلاء إلي تنظيم “القاعدة في بلاد ما بين الرافدين”، بعد شهور قليلة علي تأسيسه، تحت شعار مقاومة الاحتلال. وليس هذا الشعار إلا امتدادا لخطاب مواجهة الاستعمار والصهيونية الذي أسئ استخدامه علي مدي عقود لقهر شعوب عربية عدة، بدعوي أن هذه المواجهة تفرض الاصطفاف، وعبر شعارات من نوع (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). ونال الشعبان السوري والعراقي، تحت حكم السلطات التي انبثقت من حزب البعث، النصيب الأكبر من هذا القهر.

وهكذا، يتبين واقعيا، وليس نظريا فقط، أن كارثة “داعش” تمثل الامتداد الطبيعي لمأساة أنظمة حكم عربية مستبدة وفاسدة، مثلما يتضح أن الإرهاب يعد إحدي النتائج المترتبة علي الاستبداد، واحتكار السلطة، والثروة، والإقصاء، والتهميش في مختلف بلاد المنطقة بدرجات تفاوتت من أحدها إلي الآخر، وفقا لحجم فائض القوة المترتب علي فائض السلطة لدي كل منها.

فقد برزت التداعيات المدمرة لمعادلة (فائض السلطة وفائض قوة) في الشرق الأوسط، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أكثر مما ظهرت في مناطق أخري، تغيرت فيها هذه المعادلة بأشكال ودرجات مختلفة، منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وتقوم هذه المعادلة علي أن البقاء في السلطة لفترة طويلة يخلق شعورا بالقوة الزائدة التي تصبح الشعوب والمجتمعات ضحية لها. ولذلك، لم يكن مبدأ تداول السلطة في نظم الحكم الديمقراطية إلا نتيجة إدراك الأخطار الهائلة المترتبة علي البقاء في السلطة لفترة طويلة تزيد علي ما بين ثماني وعشر سنوات.

والحال أنه من أخطر ما يتعرض له أي بلد أن تستمر سلطة ديكتاتورية في الحكم لفترة طويلة. ويزداد هذا الخطر بمقدار ما تبقي هذه السلطة في مواقعها من ناحية، وبمقدار التنوع في المجتمع الخاضع لها من ناحية أخري. ففي هذه الحالة، يضاف إلي فشل الدولة وتحللها بناء حواجز بين مكونات المجتمع الدينية، والمذهبية، والعرقية، وغيرها، وافتقاد الوطن جوهره المتمثل في أنه محل للتعايش بين هذه المكونات. فالوطن ليس مجرد جغرافيا، بل حيز للتفاعل الحر الإيجابي والخلاق بين مكوناته، وفق قواعد محددة مقبولة من الجميع، يطلق عليها مجازا عقد اجتماعي.

وإذ افتقدت بلاد منطقتنا هذا العقد، وأخضعت مجتمعاتها بالقوة، فقد تحولت مناطق عدة فيها إلي حواضن اجتماعية للعنف. ولذلك، فعندما يقال إن الإرهابي ربيب الطاغية ووريثه (عنوان مقالة الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي في الأهرام في 15 يوليو 2015)، فيجوز أن نعد هذا القول تلخيصا مكثفا للاضطراب الذي يعم المنطقة الآن، وموجزا مركزا للخطوة الأولي اللازمة لوضع حد لهذا الاضطراب، والتي حددها الكاتب في (الخروج من المناخ الذي نشأ فيه الإرهاب وترعرع، وهو مناخ القمع وتخويف المواطنين، وحرمانهم من المشاركة في بناء حياتهم، وحكم أنفسهم، فيكونون سلبيين مشفقين علي مصائرهم منصرفين لشئونهم الخاصة، غير مبالين بما يقع لغيرهم..).

أهي خريطة جديدة .. ومن يرسمها؟

وهكذا، يعود الاضطراب الهائل الذي تشهده المنطقة، منذ بداية العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين، إلي ما حصل فيها علي أيدي سلطات تسلطت علي بلادها، وشبكات مصالح ترعرعت في ظل الطغيان أكثر مما يرجع إلي ما حدث لها علي أيدي قوي دولية. غير أن تدني حالة العقل العربي العام، نتيجة التجريف الذي تعرضت له المجتمعات علي مدي عقود، والفقر المعرفي والثقافي، يؤديان إلي تصور أن خريطة جديدة، تُرسم للمنطقة الآن، مثلما رُسمت خريطة “سايكس-بيكو” قبل قرن.

لقد تغير العالم جذريا خلال هذا القرن الذي مضي منذ “سايكس-بيكو”. لم تعد هناك قوي استعمارية تحتل معظم مناطق المنطقة، بخلاف ما كان الحال، حين كانت دولتا سايكس وبيكو مهيمنتين عليها. ومع ذلك، يكثر من يتصورون أن الولايات المتحدة وروسيا تؤديان الآن الدور الذي يعتقدون أن بريطانيا وفرنسا قامتا به منذ قرن.

وينطوي هذا الاعتقاد علي شيء من الخيال، لأنه يغفل أثر المعطيات الفعلية علي الأرض، وتوجهات القوي الدولية، سواء الولايات المتحدة وروسيا، أو غيرهما.

فالمعطيات الواقعية تفيد بأن أدوار القوي المحلية المتصارعة عسكريا في سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا، وسياسيا في بلاد أخري، والقوي الإقليمية التي تخوض حروبا بالوكالة في بعض هذه البلاد، لا تقل أهمية في تحديد مستقبل المنطقة عن الدورين الأمريكي والروسي، إن لم تزد في بعض الأحيان، وربما في كثير منها.

كما أن طبيعة العلاقات الأمريكية – الروسية الآن، ونوع مصالح كل من واشنطن وموسكو، تختلف عما كانت عليه العلاقات البريطانية – الفرنسية قبل قرن، كما عن مصالح كل من لندن وباريس في ذلك الوقت.

ويعني ذلك أن أمريكا وروسيا لا تستطيعان وحدهما أن تحددا مستقبل منطقة الشرق الأوسط، ولا تملكان حتي الأدوات الأكثر تأثيرا في هذا المجال. وإذا كانت هاتان الدولتان غير قادرتين علي تحقيق قدر معقول من التفاهم بشأن الوضع في سوريا، فكيف يمكن تصور أنهما تستطيعان الاتفاق علي خريطة جديدة للمنطقة كلها؟

ولذلك، ربما يفيد تدقيق ما حدث تاريخيا علي صعيد رسم حدود بعض الدول العربية في ترشيد تفكيرنا بشأن التطور المحتمل في بعضها مستقبلا. فإذا حدث تغير في بعض الحدود الجغرافية، فإن ذلك سيكون نتيجة للصراعات والحروب الأهلية الجارية الآن، وليس بفعل اتفاقات بين كبار هنا، أو متآمرين هناك. فالأرجح أنه لن يجلس وزيرا خارجيتي أمريكا وروسيا أو غيرهما لرسم خريطة جديدة في سوريا أو العراق، بخلاف ما يعتقده بعض المراقبين، بل ربما ترسم هذه الخريطة بالدم والآلام، إذا لم يتيسر وضع حد للحروب الأهلية، والحروب بالوكالة المشتعلة، قبل أن تدمر آخر خيط للتعايش بين مكونات هذا الشعب أو ذاك من ضحاياها.

مجلة السياسة الدولية العدد 205 يوليو  تموز 2016

*رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية – مؤسسة الأهرام

 

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: