دراسة: العلاقات السورية – التركية وأثرها على الأمن المائي في سورية

الأمن المائي في سورية

المهندس عمر المسالمة

مقدمة تاريخية :

دخلت الجيوش العثمانية إلى سوريّة 1516 م بعد معركة مرج دابق حيث انتصر الأتراك على المغول , بينما خضع العراق للحكم العثماني عام 1634 م (ثم أخذ الصفويون بلاد الرافدين لفترة قصيرة قبل أن يستعيدها العثمانيون عام 1638 م ) , و بقيت سوريّة و العراق و غيرهما من الأقطار العربية تحت الاحتلال العثماني لمدة أربعة قرون إلى أن غادرهما الأتراك قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918 م و دخول الحلفاء بموجب صك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم و الذي قضى باستغلال العراق و وضعه تحت الوصاية البريطانية و استغلال سوريّة و وضعها تحت الوصاية الفرنسية  , و ظل نهرا دجلة و الفرات نهرين محليين داخليين يتبعان و يجريان و يصبان ضمن حدود ” الدولة العثمانية ” حتى انفصال سوريّة و العراق عنها فأصبح النهران دوليان وفقاً لتعريف الأنهار الدولية ( يجريان في أراضي أكثر من دولة ) , ثم تم توقيع معاهدة سيفر عام 1920 م بين حكومة السلطان محمد الخامس و الحلفاء في اسطنبول , و بموجب هذه الاتفاقية احتفظت تركيا بأراضٍ عربيةٍ واسعة : حوض سيحان و جيحان , و منحدرات المياه على سفوح جبال طوروس الجنوبية , ثم و بموجب اتفاقية أنقرة 1921 م تخلت فرنسا ( المنتدبة على سوريّة ) عن أراض جديدة تشمل ( عينتاب و كلس و أورفه و ماردين و جزيرة ابن عمر ) و جرى ترسيم الحدود سياسياً مع تركيا ,  إلا أن تركيا استمرت بالمطالبة بمنطقتي الموصل العراقية و لواء الاسكندرون السوريّة , و بسبب الحرص البريطاني على حقول البترول في الموصل تمسكوا بالشمال العراقي و أجبروا الأتراك على الاعتراف به عراقياً 1926 م , أما لواء الإسكندرون فقد تنازلت عنه فرنسا لمصطفى كمال 1939 م (سلخ اللواء تم على مراحل بين سنتي 1937 و 1939 ).

و بذلك سيطرت تركيا على أعالي نهري دجلة و الفرات الهضبية و الجبلية , و على مجمل أنهار سيحان و جيحان في كيليكيا , و المجمع المائي الضخم في الإسكندرون , إضافةً إلى أعالي أنهار قويوق و الذهب و الساجور و بليخ و الخابور .

في العصر الحديث :

كان التوتر و لا يزال السمة الغالبة للعلاقات العربية – التركية للأسباب التالية :

  1. الإرث التاريخي الثقيل للاحتلال العثماني للأراضي العربية .
  2. استمرار أطماع تركيا فيما بقي من موارد مائية منحدرة نحو الأراضي العربية و بعض الأراضي العربية كمدينتي الموصل العراقية و حلب السوريّة .
  3. اعترافها كاول دولة إسلامية بالكيان الصهيوني 1949 م , و في تشرين الأول / أكتوبر من نفس العام قامت بتعيين قنصل عام لها .
  4. انحيازها الكامل لمخططات الغرب ( أروربا و أمريكا ) بعد الحرب العالمية الثانية , وصولاً إلى انضمامها لحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) 1951 م .
  5. استخدامها لورقة المياه كعامل ضغط و تهديد ضد جيرانها العرب ( سوريّة و العراق ) .

الوضع القانوني :

منذ عام 1918 م و بعد استقلال سوريّة و العراق عن الدولة العثمانية تولت فرنسا عقد الاتفاقيات الدولية نيابةً عن سوريّة و بريطانيا عوضاَ عن العراق , و كانت السمة الغالبة على هذه الاتفاقيات هي التنازل و التفريط بالحقوق التاريخية للشعوب العربية من أراض و موارد طبيعية , و من أبرز هذه الاتفاقيات :

  • معاهدة سيفر 1920 م بين حكومة السلطان محمد الخامس و الحلفاء في اسطنبول .
  • معاهدة فرنسية باسم ( سوريّة ) مع تركيا بتاريخ 20 / 10 / 1921 .
  • معاهدة لوزان 24 / 07 / 1923 بين تركيا و دوتي الانتداب ( بريطانيا و فرنسا ) .
  • اتفاقية الصدراقة و حسن الجوار الموقعة في أنقرة 1929 م بين فرنسا باسم ( سوريّة ) و تركيا .
  • اتفاق حلب , وقعته تركيا مع فرنسا و بريطانيا استناداً إلى معاهدة لوان 1923 م .
  • معاهدة عام 1946 م .

بقي الحال كما هو حتى حصلت سوريّة على استقلالها عن فرنسا عام 17 / 04 / 1946 , و استقلال العراق عن بريطانيا 03 / 10 / 1932  , و منذ ذلك التاريخ حتى اليوم مرت العلاقة العربية التركية بتجاذبات حادة كانت سمتها الغالبة عدم احترام تركيا لمبادئ القانون الدولي في معالجة القضايا المائية كما اتسمت سياستها بعدم القبول بالمعاهدات و التعهدات الدولية , و لم تستجب لنداءات الشعبين العراقي و السوري بل ضربت مصالح الأمة العربية عرض الحائط , و استخدمت المياه للنيل من سيادتها الوطنية و استقلالها و التاثير على مستقبل شعوبها , و سعت إلى الربط بين السياسة و استخدام موارد المياه لتحصل على موقع إقليمي متميز  كورقة ضاغطة على دول المجرى و المصب , و هذه أبرز محطاتها :

  • في شهر أيلول / سبتمبر عام 1962 م عقدت اول جولة لتبادل المعلومات و البيانات و وجهات النظر بين سوريّة و العراق و تركيا و تعرف كل طرف على وجهة نظر الآخر , و استمرت عقد جولات فنية بين عواصم الدول الثلاث بالتناوب خلال الفترة اللاحقة و لم يتم التوصل إلى نتيجة فعلية .
  • عام 1975 م بناء على مباحثات اللجنة الفنية المشتركة و وساطة البنك الدولي , قسمت حصة البلدان الثلاثة بنسبة الثلث من متوسط وارد النهر السنوي .
  • عام 1980 م تمكن الجانب العراقي من توقيع بروتوكول مع تركيا نص على ” ضرورة التوصل لاتفاق على اقتسام مياه نهر الفرات خلال مهلة لا تتجاوز شهر شباط / فبراير 1982 م ” , و تشكلت لجنة لهذا الغرض ( و دعيت سوريّة إليها ) و بدأت بعدها سلسلة من الاجتماعات خلال الأعوام اللاحقة و لم يتم التوصل إلى نتيجة فعلية إلى أن توقفت أعمال اللجنة في تشرين الأول / أكتوبر 1992 م بسبب تعنت الجانب التركي .
  • في 21 / 07 / 1987 م خلال زيارة ” تورغورت أوزال ” رئيس وزراء تركيا إلى دمشق , تم توقيع بروتوكول للتعاون الاقتصادي و الفني تنظم المادة السادسة منه الحصص بين سوريّة وتركيا بشكل مؤقت حتى الانتهاء من ملئ سد أتاتورك عام 1993 م ثم تعود حصة تركيا إلى الثلث , و التي تحصل بموجبها  سوريّة  على معدل تدفق لا يقل عن 500 متر مكعب بالثانية من مياه نهر الفرات ( ما يعادل 50 % من واردات نهر الفرات سنوياً ) .
  • عام 1989 م تم توقيع مذكرة تفاهم ثنائية بين سوريّة و العراق تنصعلى إطلاق سوريّة 58% من مياه نهر الفرات الواردة إليها من تركيا فيما تكون الحصة الباقية لسوريّة وهي 42%. ( حصة سوريّة من مياه نهر الفرات 6.627 مليار متر مكعب , وحصة العراق 9.106 مليار متر مكعب وحصة تركيا 15.700 مليار متر مكعب في السنة ) .
  • في عام 1994 م قامت سوريا بتسجيل الاتفاقية المؤقتة المعقودة مع تركيا عام 1987 لدى الأمم المتحدةلضمان الحد الأدنى من حق سورية والعراق في مياه نهر الفرات , و لكن الحصة التي تصل إلى سوريّة و العراق اليوم أقل بكثير بسبب استغلال تركيا لواقع العراق و سوريّة المضطرب .

يستند القانون الدولي في معالجة قضايا المياه إلى ثلاثة مبادئ :

  1. مبدأ العدالة في التوزيع و الاستعمال المعقول للمياه .
  2. مبدأ عدم الإضرار بالغير .
  3. مبدأ التعاون الدولي لإنجاح المبدأين السابقين , كاتجاه عام لتحقيق التنمية المستدامة .

مصادر القانون الدولي :

  1. المعاهدات الخاصة و العامة .
  2. العرف الدولي .
  3. المبادئ العامة للقانون الدولي .
  4. الأحكام القضائية , و دراسات فقهاء القانون الدولي , و توصيات الجمعيات و المنظمات القانونية غير الحكومية .

أهم الاتفاقيات و القوانين المائية الدولية هي قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الإغراض غير الملاحية 21 / 05 / 1997 ,  و التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية الأعضاء ( وافق 104 و اعترض 3 دول : تركيا و الصين و برونداي , و امتناع 27 دولة عن التصويت ) , و تاتي اهميتها من كونها أول نص لاتفاقية دولية شاملة , و ألغت مبدأ السيادة المطلقة على جزء من المياه الواقع ضمن أقاليم الدول المعنية ( البدأ الذي تتبناه تركيا ) , أوجدت نوعاً من التوازن بين مبدأ الانتفاع المنصف و المعقول و مبدأ عدم الإضرار بالغير ,

و بذلك لا يوجد حتى الآن اتفاق نهائي لتقاسم مياه نهر الفرات* بين الدول المتشاطئة وهي كل من تركيا و سوريّة و العراق إلا  الاتفاقية السورية التركية المؤقتة لعام 1987  و التي تعطي تركيا 50 % من متوسط وارد النهر السنوي , و قد بلغت الأزمة بين تركيا و سوريّة ذروتها عام 1990 عندما قامت تركيا بإغلاق مجرى نهر الفرات بشكل كامل , و قد أعلن الأتراك عن ثلاثة شروط لاستمرار تدفق مياه الفرات إلى سوريّة و من بعدها إلى العراق :

  1. إقرار سوريّ بالتنازل عن لواء الإسكندرون * المحتل .
  2. عدم السماح للعناصر الكردية ذات الأهداف القومية الكردية بالتحرك , و ضربها من سوريّة .
  3. عقد اتفاقية للمياه تشمل مياه نهر العاصي* و توصيفه ” كنهر دولي ” .

ترفض تركيا بشدة أي اتفاق مائي دائم متعدد الأطراف , و تربط قضية المياه بقضية ” السلام ” بالمنطقة لإرغام العرب على قبول الكيان الصهيوني , و خاصة خلال فترات التقارب التركي – الصهيوني .

كما ترفض تركيا التوقيع على الاتفاقية الدولية حول ” قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية ” و التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية الأعضاء في 21 / 05 / 1997 .

و تُطالب تركيا سوريّة و العراق بجدولة المياه الداخلية , و هذا مبدأ مرفوض حيث أنه يعتبر تدخلاً مباشراً في السيادة الوطنية , و مشاريع الري الداخلية هي شأن داخلي .

تشجع تركيا و بعض الدول المسيطرة على منابع الأنهار على مبدأ بيع المياه لدول المجرى و المصب مقابل رسوم مالية إضافة إلى فكرة إنشاء بورصة عالمية للمياه , و غيرها من الأفكار مثل بيع الماء مقابل النفط حيث تدعي أن العرب يملكون ثروة النفط و لا تشاركهم تركيا به , و الماء ثروة تملكها تركيا و لا يجب أن يشاركها العرب به , و تقترح بيعه لهم مقابل النفط , و من أبرز المشاريع التي طرحت في هذا الصدد هو مشروع ” أنابيب السلام ” عام 1987 م الذي يقضي بسحب مياه نهري سيحان و جيحان في منطقة الأناضول بواسطة أنبوب طاقته 39 مليون متر مكعب/يوم تستغل منه تركيا 23  مليون متر مكعب/يوم و ترسل الباقي عبر أنبوب السلام المكون من فرعين غربي ( طوله 2650 كم و يحمل 1.3 مليار متر مكعب/السنة , لتغذية حلب و حماة و حمص و دمشق و عمان في الأردن و تبوك و المدينة و المنورة و ينبع و جدة و مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية )  و شرقي ( طوله 390 كم و يحمل 0.9 مليار متر مكعب/السنة لخدمة الكويت و الجبيل و الهفوف و الدمام في السعودية و البحرين و قطر و الإمارات و سلطنة عمان ) , و من المتوقع أن يؤمن الأنبوب للدول المستفيدة استهلاكاً فردياً في حدود 400 لتر يومياً ,

و رغم أن هذه الأفكار تبدو في ظاهرها إنسانية و اقتصادية و تساهم في حل مشكلات حيوية إلا أنها تنطوي على مخططات للضغط و إلحاق دول المنطقة بتركيا من خلال الماء باعتباره مادة استراتيجية حيوية لا غنى عنها للاستهلاك البشري و التنمية الصناعية و الزراعة .

في الوضع الراهن :

زادت حدة الصراع الدائر في البلاد من تأزم الأمن المائي للمواطن السوري , حيث تسبب قلة توافر الطاقة الكهربائية في توقف عمل المضخات إضافة إلى دمار المنشآت المائية  و محطات المعالجة و تفجير أنابيب النقل و سيطرة المجموعات المتطرفة على مناطق استراتيجية على طول نهر الفرات , و سياسة الحصار التي تتبعها القوات التابعة للنظام السوري , إضافة إلى استغلال تركيا لحالة الاضطراب و العنف في سوريّة حيث تشير التقديرات أن التصرف من مياه النهر عند الحدود التركية السوريّة أقل بكثير من 500 متر مكعب/ثانية ( الحد الأدنى المتفق عليه عام 1987 م) , مما أدى لانخفاض منسوب المياه إلى أقل من 6 أمتار عن الحد الأدنى في بحيرة الأسد الصناعية المتشكلة خلف سد الطبقة ، مما أخرج عدداً من عنفات السد عن عملها في توليد الكهرباء ، كما يؤدي هذا الانخفاض إلى تشقق في جسم السد ، مما يهدد بإغراق محافظة الرقة وجزء كبير من مدينة دير الزور ، كما يعد هذا الانخفاض عاملاً في توقف مضخات المياه عن عملها ، الامر الذي يؤدي إلى حرمان ريف حلب الشرقي ومنطقة الجزيرة من المياه بالكامل .

و يعوض المواطن السوري عن ذلك بحفر الآبار و تجميع المياه من أسطح المباني في المناطق الممطرة , و لكن ذلك يترتب تدني في نوعية المياه و عدم صلاحيتها بسبب نقص المعالجة مما تسبب بانتشار الأمراض و الأوبئة كما يعد حفر الآبار بشكل عشوائي نتيجة غياب الرقابة سبباً في جفاف الموارد المائية الجوفية ، التي تغذي الأنهار .

الحلول المقترحة :

  1. ضرورة تعميق و تعزيز التضامن العربي في مواجهة السياسة التركية , و بناء علاقة عربية – تركية على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق و لا سيما المائية منها .
  2. التخطيط السليم للمستقبل بما يحقق التنمية المستدامة و تلبية الاحتياجات الصناعية , و استخدام التقنيات الحديثة في الري و الزراعة .
  3. دعم تطلعات الشعوب العربية في الحريّة و الديمقراطية و بناء الدولة الحديثة لتحقيق الاستقرار بالمنطقة و العالم .
  4. تعزيز دور مراكز الأبحاث و الدراسات المائية و الاستراتيجية , و تبادل المعلومات و الخبرات .
  5. توعية المواطن العربي , و ترشيد استهلاك المياه و الطاقة الكهربائية .
  6. تطور التشريعات و القوانين بما يؤمن الحقوق الوطنية و التاريخية .

هامش :

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: