ديموقراطية المكوِّنات*

p10_20160623_pic1_ديموقراطية المكوِّنات

حوّلت واشنطن العراق إلى مكان يتحدّد فيه الإنسان بـ«مكوِّنه» الطائفي أو الإثني (أ ف ب)

محمد سيد رصاص**

بعد ثلاثة أشهر من سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي، قام الحاكم بول بريمر، يوم 12 تموز 2003، بتشكيل «مجلس الحكم». تم إسقاط حرف الواو من صفة أمين عام الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد البياتي، لكي يدخل ذلك المجلس بصفة «شيعي» وليس «شيوعي».

كان التوزيع في ذلك المجلس من خلال صفات: شيعي ـ سني ـ كردي ـ تركماني ـ مسيحي، وليس من خلال الصفات السياسية لأعضائه الذين أتى معظمهم من أحزاب سياسية. في يوم 13 شباط 2004، تم نشر «مشروع الشرق الأوسط الكبير»، المتبنى من الإدارة الأميركية، وفي قمة «مجموعة الدول الثمان الاقتصادية الكبرى» يومي 9 ـ 10 حزيران 2004، تم تبني المشروع الذي يحوي عنوانين رئيسيين: اقتصاد السوق والديموقراطية، مع هدف أعلن ـ خارج النص ـ من مسؤولين غربيين أميركيين وأوروبيين، وهو ربط المنطقة الممتدة بين كابول والدار البيضاء وحلب وعدن، بمنظومة «الناتو» الأمنية ـ السياسية ـ الاقتصادية ـ الثقافية.

لم يكن ما فعله بريمر في بغداد، خارج نص المشروع الأميركي، بل في مضمراته. وربما ـ وهذا المرجح ـ هو معناه العميق. فما جرى من قبل الأميركي في بغداد ما بعد 9 نيسان 2003، كان مسيرةً نحو تحويل بلاد الرافدين إلى منطقة يتحدد فيها الإنسان العراقي بـ«مكوِنه» الطائفي (شيعي ـ سني)، أو الإثني (كردي ـ تركماني ـ مع تنازع تجاه الإيزيديين بين كونهم يتحددون بدينهم أم بكونهم أكراداً؟)، أو الديني (مسيحي ـ مسلم)، وليس من خلال انتمائه الأيديولوجي السياسي، مثلما هو موجود في لندن وباريس وبرلين وواشنطن، أو كما في بلد مثل الهند، يعج بالأديان والإثنيات، حيث يتحدد الهندي من خلال انتمائه الأيديولوجي السياسي حتى وهو ينتمي إلى أحزاب دينية؛ هندوسية وسيخية (المسلمون: 10%، يصوتون لحزب علماني كحزب المؤتمر أو الحزب الشيوعي ولم يتجهوا إلى أحزاب اسلامية)، أو إثنية كالأحزاب التاميلية في مناطق الجنوب في ولاية (تاميل نادو).

في السياق نفسه، كان اتجاه من قام بتأييد المشروع الأميركي على صعيد بلدان عربية عدة: تحالف «14 آذار» عام 2005، في لبنان، في سياق منطقي، لما فعله بريمر في العراق، وهو تعميم لدولة المكوِنات التي بدأت في لبنان عام 1943، ثم في لبنان «الطائف» عام 1989. ثم «إعلان دمشق» في 16 تشرين الأول 2005، الذي بدأ في نصه التأسيسي، في سياق يخالف مسيرة الحياة السياسية السورية الحديثة منذ عام 1918، بتدشين مفهوم «المكونات» في النظر إلى السوريين، عندما تحدث عن «مكوِنات الشعب السوري». وكان طبيعياً أن تنخرط في سياق «إعلان دمشق» كل الأحزاب الكردية التي تنظر إلى سوريا من خلال «مكوناتها»، فيما ظل خارجه (الإعلان) «حزب الاتحاد الديموقراطي» (PYD)، المؤسس عام 2003، وهو المتأثر بنظرية عبدالله أوجلان حول «الأمة الديمقراطية…/التي/ تمكّن من إنشاء مجموعات وطنية عليا مؤطّرة باتحادات متنوعة من مختلف الأمم التي تقطن نفس الأماكن بل ونفس المدن أيضاً… دون هدم أو تقويض الدول القومية القائمة» (من نص لأوجلان، مكتوب بعد سجنه منذ يوم 15 شباط 1999 ـ «حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط» ـ WWW.DEM-SOCIETY.COM). نظرية أوجلان كانت تركيبية للدول القائمة، مع اتجاه إلى جعلها «ما فوق قومية» وصولاً إلى «توحيد العالم الثقافي للشرق الأوسط تحت ظل مصطلح (اتحاد الأمم الديمقراطية في الشرق الأوسط)»، وأن يكون حل المسألة الكردية عبر «الكونفدرالية الديمقراطية الكردستانية» التي «لا تمس الحدود السياسية القائمة»، فيما نظرية «ديموقراطية المكوِنات» ذات طابع تجزيئي للدول القائمة، مع إنزالها إلى مجموع تجميعي لـ«مكوِّناتها»، مع النظر إلى المواطن من خلال «المكوِّن» وليس من خلال انتمائه الأيديولوجي ـ السياسي.

 

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: