نشرت مجلة “الآداب الجديدة” اللبنانية ملفاً تحت عنوان: “الفيديراليّة مهشّمة الأوطان والخطابات” تناولت فيه الفيدرالية في شمال سورية. ونظراً لأهمية الموضوع نعيد نشر المواد التي تضمنها الملف.

الفدراليّة والعلاقة بين السوريين

عمّار ديوب

 

تطرح أغلبيّةُ القوى السياسيّة الكرديّة “الفيديراليّة” شكلًا للنظام السياسيّ القادم، مؤكّدةً أنّها فيديراليّة “عرقيّة” لا جغرافيّة. وهذا يعني أنّها هدفٌ سياسيّ لصالح قوميّةٍ محدّدة، وليست مطروحة من أجل بناء اتّحادٍ من الأقاليم الذي ستتشكّل الدولةُ السوريّةُ منه.

ليست الفدراليّة شرًّا مطلقًا، وهناك دولٌ كثيرةٌ تتبنّاها. ولكنّ تلك الفدراليّة لا تتناقض مع الدولة الوطنيّة، ويتحدّد تعريفُها في إطار أقاليم جغرافيّة أو قوميّة في دولةٍ واحدة، ومن أجل توسيع صلاحيّات الأقاليم والنهوض بحاجات أفرادها وإشراكِهم في صنع مستقبلهم وضمان حرياتهم. المشكلة في سوريّة أنّ الفدراليّة لا تُطرح من هذه الحيثيّة، بل على أرضيّة العداء للعرب بالتحديد، وبحججٍ شوفينيّةٍ تزعم أنّ “العرب” ككلّ معادون للكرد وسيظلّون! هكذا يتمّ استغلالُ ظلم “قوميّ،” هو ــــ للدقّة ــــ ظلمٌ أوقعه النظامُ السياسيُّ بالكرد، من أجل إحداث قطيعةٍ كاملةٍ بينهم وبين “العرب.” وهذا ما يوضح المعنى المطابق لمفهوم “الفدراليّة” المطروح لدى كثير من القوى السياسيّة الكرديّة، ولا سيما حزب البايادي والقوى المُشكٍّلة للمجلس الوطنيّ الكرديّ.

تستغلّ القوى الكرديّةُ استعصاءَ الثورة وعدم قدرتها على حسم صراعها مع النظام السوريّ من أجل رفع سقف أهدافها. وهذه القوى تتوزّع بين طرفين:  قوًى منخرطة في “الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة،” وهي تطالب بالفدراليّة بعد حدوث التحوّل السياسيّ؛ وحزب البايادي، الذي أعلن فدراليّته من منطقة الرميلان (منطقة حقول النفط). هذا الحزب ينتهج سياسة قوميّة شوفينيّة ضدّ العرب، واتُّهم بالتهجير العرقيّ، وباعتبار العرب كلّهم “دواعش،” ويستفيد من حماية أميركيّة وروسيّة. مصدرُ قوّته هو الحماية الدوليّة، ووجودُ تنسيقٍ كبيرٍ مع النظام السوريّ، الذي أخلى له مناطقَ واسعةً، وأعطاه السلاح، مقابل أن يحارب الفصائلَ المقاتلة وألّا يشّكل قوّةً ضدّه.

هذا الحزب يتجاوز، في سياساته، الوظيفةَ التي أراد النظامُ تسخيرَه لها، وهي إيقاعُ الخلافات مع العرب والكرد المخالفين للنظام. ولتحقيق أهدافه طرح عناوينَ كبرى تداعب مخيّلة الكرد، كـ “الدولة القوميّة” و”حقّ تقرير المصير،” وسوى ذلك كثيرٌ من أمثلة “الظلم القوميّ.”

رغم الحملات الإعلاميّة المركّزة التي تقول إنّ للكرد الحقّ في الفدراليّة، وإنّهم على أرضهم التاريخيّة، وإنّهم القوميّة الثانية، وإنّهم لم يجْنوا شيئًا من وجودهم في سورية، فإنّ الملائم للعرب وللكرد وللسريان والشركس والتركمان وسواهم إنّما هو: دولةُ مواطَنةٍ، قوانينُها تساوي بين كافة القوميّات، وتنهض بسورية بعيدًا عن التمايزات القوميّة أو الطائفيّة. وباستثناء هذا الحلّ، ووفق ما يطرحه حزبُ السيد صالح مسلم بالتحديد، فإنّ حربًا قوميّةً ستندلع في سوريّة المستقبليّة بين العرب والكرد، وهي ستكون أعنف ممّا جرى حتّى لحظته.

ما لا ينتبه إليه بعضُ الكرد هو أنّ وظيفة “الحماية الدوليّة” (التي شملتْ كردَ العراق بشكلٍ كبيرٍ منذ احتلال هذا البلد سنة 2003، وقبل ذلك حينما فَرض هذا الاحتلالُ “مناطقَ حمايةٍ” بعد إخراج الجيش العراقيّ من الكويت) هي ضربُ قوميّات المنطقة بعضها ببعض. فالدعم الأميركيّ أو الروسيّ هدفُه تخريبُ العلاقات بين قوميّات سوريّة أو العراق أو تركيا، وتحقيق المصالح الأميركيّة والروسيّة. وأن يحارِبَ حزبُ البايادي المناطقَ العربيّةَ في سوريّة، وتحت الحماية الأمريكيّة والروسيّة، يعني أن “يخزّن” مظلوميّةً عربيّةً كي تنتقم في المستقبل.

نضيف أنّ تجربة كرد العراق، ورغم وجود إمكانيّةٍ بشريّةٍ وجغرافيّةٍ تتيح لهم تأسيسَ دولةٍ كاملة، لم تستطع أن تجعلهم يتخلّوْن عن بقيّة العراق، وما زال الكردُ هناك يسعوْن إلى أن يكونوا جزءًا من العراق. كما أنّ تجربتهم سيّئة في الديمقراطيّة “العشائريّة،” وفي توزيع الثروة، وفي معظم المجالات الأخرى. باختصار، تجربتهم ليست مغرية للتكرار.

مشروع صالح مسلم وبقيّة القوى القائلة بالفدراليّة تتجاوز مسألة الديموغرافيا كذلك. فالعرب أكثريّة في الحَسكة، ومشكلتُهم تكمن في أمور متعددة، أبرزُها: العشائريّة، وهمجيّةُ داعش (التي تخيفهم وتمنع ظهورَ تيّار سياسيّ يعبّر عنهم)، وانقسامُهم بين النظام والمعارضة، وتفضيلُ النظام حزبَ البايادي عليهم. ومن ثم، لا يمكن قيام الفدراليّة وفقًا للمعنى الديموغرافي. ربّما تصبح الفدراليّة ممكنة، وربما ضرورةً، حينما تنطلق من فكرة الأقاليم، وتوسيع الصلاحيّات، وإبقاء الثروة النفطيّة هنا ملْكًا للدولة ككلّ. اللامركزيّة الإداريّة، أو توسيع الإدارات المحليّة، هما الحلّ الملائم لكافّة القوميّات في سوريّة، وفي مدينة الحسكة بشكل خاصّ. أمّا ما يتخطّى ذلك فمشكلته هي في عدائه مع “الوطنيّة” كخيارٍ نهائيّ. وفي غياب ذلك، سيكون الردُّ الطبيعيّ على مشروع الفدراليّة (بالمعنى العرقيّ) حربًا قوميّةً بين الكرد والعرب، ستستفيد منها قوى الأمر الواقع كافّةً، وستتضرّر منها بالتأكيد القوميّاتُ جميعُها بالمعنى العميق ــــ أيْ أكثريّةُ الشعب، ومنها الكرد.

يرغب بعضُ المثقّفين الكرد بتجاوز الواقع عبر القول إنّ المواطنة والديمقراطيّة لم تعودا حلًّا للموضوع الكرديّ في سوريّة، مؤْثرين “الفدراليّة” من دون تحديد ماهيّتها بدقّة، ليكون تجسيدُها الواقعيّ هو ما يفعله صالح مسلم على الأرض: دويلةً على حساب عربِ سوريا وبقيّةِ القوميّات. قبالة ذلك، هناك مثقّفون سوريون عرب يرفضون كلَّ ميْلٍ إلى توسيع صلاحيّات الأقاليم، وينادون بإلغاء كلّ تمييز ثقافيّ وتعليميّ وسياسيّ لصالح الكرد. بل عادةً ما يكرّرون أنّ الكرد في سورية أتوْا من تركيا، بعد أن رحّلتهم السلطاتُ التركيّةُ الكماليّة، ولأسباب تتعلّق بمباشرة الاحتلال الفرنسيّ الزراعةَ في الجزيرة السوريّة. وهذا هو المنطق ذاته، منطقُ رفض الآخر، وهو خاطئ كليًّا.

سوريّة هي لقوميّاتها كافّةً، وفي إطار دولة وطنيّة واحدة. وضمن هذا الإطار يمكن أن ينال الكردُ وسواهم حقوقًا ثقافيّةً وتعليميّةً مميّزة، وتوسيعًا لحقوقهم السياسيّة في إطار البلدات والأماكن التي تحظى بأكثريّة كرديّة. وسوى ذلك يعدّ ضربًا من الأوهام، واستغلالًا لظروفٍ خاصّةٍ يمرّ فيها عربُ سورية.

هناك خطر كبير من حزب صالح مسلم على مستقبل سوريّة. فهو الآن يُعدّ جيشًا ينوف عددُه على 150 ألف جنديّ، ويتلقّى تدريبًا عسكريًّا، وينشر عقيدةً قوميّةً ضدّ العرب بالتحديد. وهذا سيشكّل عقبة كبيرة أمام أيّ توافقٍ سياسيّ، وأيّة مرحلةٍ انتقاليّة. وإذا كان من الطبيعيّ أن تتمّ محاربةُ الجماعات الجهاديّة التكفيريّة، وأن يتمّ رحيل الأحزاب والفصائل غير السوريّة المؤازرة للنظام، فإنّ جيش صالح هذا سيحاول فرضَ معادلة القوّة التي يمتلكها على بقيّة السوريين، وسيشكّل حزبُ البايادي مشكلةً كبيرةً أمام السوريين: إذ كيف سيُسحب سلاحه ويفكَّك جيشُه أو تُلحق أقسامٌ منه في إطار الجيش الوطنيّ؟ هذه مشكلة يتمّ التأسيسُ لها، وستكون لحزب صالح مسلم حقوقٌ أكبرُ من وزن الكرد في سوريّة. وإذا أضفنا إلى ذلك تمتّعَه بما يقارب سلطة “دولة،” فستكون لديه مصالحُ كبيرةٌ حينها.

أخيرًا، يشكّل العرب أغلبيّة السوريين، ويُعتبر الكرد أقليّة قوميّة صغيرةً قياسًا بالعرب. وتسعيرُ الخطاب القوميّ ليس من مصلحة القوميّات الصغرى، واستغلالُ الحرب في سورية لتحصيل حقوقٍ أكبر سيعني غُبنًا للقوميّة الكبرى، وسيتمّ التملّصُ من ذلك عند بداية أيّ حلّ سياسيّ وحالما يجري التخلّصُ من المجوعات الجهاديّة.

ما أودّ قوله هو أنّ في مقدور الكرد تحصيلَ حقوقهم بعيدًا من الرؤية القوميّة الضيّقة، وبعيدًا من الاحتماء خلف “الحماية الدوليّة.” هذا شرطٌ أوّلُ لعلاقات مستقبليّة قويّة بين العرب والكرد. ودور العرب، لكونهم القوميّة الكبرى في سوريا، مركزيّ من أجل تعزيز الميل الديمقراطيّ والمواطنيّ عند القوميّات كافّةً؛ والعكس صحيح: إذ إنّ كلّ ميل شوفينيّ عربيّ سيواجَه بتصلّب شوفينيّ من بقيّة القوميّات.

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: