الفيدراليّة رابطٌ وحلٌّ لعدم تفكّك المجتمع 

نشرت مجلة “الآداب الجديدة” اللبنانية ملفاً تحت عنوان: “الفيديراليّة مهشّمة الأوطان والخطابات” تناولت فيه الفيدرالية في شمال سورية. ونظراً لأهمية الموضوع نعيد نشر المواد التي تضمنها الملف.

الفيدراليّة رابطٌ وحلٌّ لعدم تفكّك المجتمع

خوشمان قادو

كانت بُنية الفكر المؤسِّس لمفهوم الدولة في سوريا، بعد استلام حزب البعث السلطةَ في بدايات الستينيّات، قائمةً على النفاق الممنهَج وسيلةً غيرَ قابلةٍ للمساءلة في ما بعد، وذلك بعد اقتصار الحزب على الجانب الشعاراتيّ من عقيدته. وقد تجسّدت هذه الفكرة بشكل أعمق بعد استلام حافظ الأسد الحكمَ سنة 1970، عن طريق “الحركة التصحيحيّة” التي مهّدتْ لبناء “دولةٍ” مفرّغةٍ من المؤسّسات رغم الإصرار الدائم على دور الدولة الرائد في بناء المجتمع.

وكان اللافتُ للانتباه قدرةَ سوريا الرسميّة على بناءِ عقلٍ نمطيٍّ جمعيٍّ، ينهلُ من مصلحة كلّ مكوّنٍ من مكونات سوريا، من دون أن يتجسّد ذلك في ثقافة عامّة ومتأصّلة في ذهنيّة الفرد والمجتمع. فحلّ مفهومُ “الانتماء” (إلى الإثنيّة أو الطائفة) محلَّ مفهوم “المواطنة.” ولقد حاول النظامُ إيهامَ المواطنين بعروبة سوريا لتعزيز موقعه من خلال قالب “القوميّة [العربيّة]” التي كان ينادي بها دومًا، فغيّب مفهومَ “الوطن” الذي يسع كلّ القوميّات والطوائف وفقًا لمبدأ المواطنة.

بعد 15/3/2011 تغيّرت الأوضاعُ في سوريا، وبدأ حراكٌ شعبيٌّ يطالب بالحرّيّة والكرامة. ثم اتّخذ منحًى عسكريًّا، وظهرت الفصائل الإسلاميّة الراديكاليّة، قبل أن تسيطر على غالبيّة المشهد السوريّ. غير أنّ بعض المناطق في سوريا استطاعت أن تنأى عن النظام وعن تلك الفصائل، وأن تحافظ ــــ إلى حدٍّ ما ــــ على خصوصيّة المجتمع السوريّ، ومنها منطقة الجزيرة السوريّة. لكنْ، حتى في هذه المنطقة، ماتزال مشكلة المواطنة تشغل الحيّز الأكبر الذي يعرقل بناء مجتمع مدنيّ هناك.

***

تُعتبر منطقة الجزيرة من المناطق التي تحتضن تنوّعًا قوميًّا ودينيًّا وطائفيًّا. وقد حاول النظامُ السوريّ اللعبَ على هذه الورقة : فكان يثير مكوّنًا ضدّ الآخر، وذلك حسب مصالحه. ورغم ذلك لم تصل محاولاتُ إثارة الحقد والكراهية بين هذه المكوّنات إلى حدّ الانفجار، حتّى يومنا هذا.

في نوفمبر 2014، أعلنتْ مجموعةُ أحزابٍ كرديّة وسريانيّة وعربيّة، وشخصيّاتٌ مستقلّةٌ، الإدارةَ الذاتيّةَ الديمقراطيّة. وعلى إثرها تشكّلتْ ثلاثُ مقاطعات، الجزيرة وكوباني (عين العرب) وعفرين، التي تضمّ تحت جناحها القوميّاتِ والطوائفَ الموجودةَ في المنطقة. إلّا أنّ إشكاليّاتٍ عديدةً ظهرتْ في الآونة الأخيرة:  فكثير من مواطني ريف القامشلي رحّبوا بتنظيم داعش؛ واتّهم بعضُ المواطنين العرب “وحدات حماية الشعب” (YPG) بارتكاب مجازر بحقّهم جرّاء اشتباكات مع داعش؛ كذلك اتّهم الآشوريون والسريان بعضَ العشائر العربيّة بمساعدة داعش في الهجوم الأخير على قراهم في بلدة تل تمر. ولا يخفى أنّ كلّ المكوّنات التي تعيش في الجزيرة السوريّة ترى نفسها “صاحبةَ الأرض” تاريخيًّا ــــ وهذا مشكلة في حدّ ذاتها، خصوصًا في غياب مفهوم المواطنة.

***

كان من شأن الخلط بين مفهومَي الانتماء والمواطنة أن يعود بالسّلب على المواطن نفسه، إذ لم يعد ثمّة أيُّ رابط ذي دلالة وطنيّة أو مجتمعيّة لتكوين أرضيّةٍ ينطلق منها المواطنُ السوريّ في بناء مجتمعه. في يومنا الراهن لا رابط يجمع السوريين؛ ذلك لأنّ حدّة الصراع تجاوزت الهويّة السوريّة ذاتها، وصارت في مواجهة هويّات إقليميّة ودوليّة نافذة في الشأن السوريّ.

***

تحت شعار “من أجل بناء سوريا حرّة ديمقراطيّة،” انطلقتْ صباح يوم الثلاثاء، 8 كانون الأوّل، أعمالُ مؤتمر سوريا الديمقراطيّة لقوى المعارضة، بمشاركة مائة وستّة مندوبين ممثّلين لقوى المعارضة السياسيّة والاجتماعيّة والعسكريّة السوريّة، وذلك في مدينة ديرك/ المالكيّة في مقاطعة الجزيرة، شمال شرقي سوريا. اختُتم المؤتمر، الذي استمرّ يومين، بالاتّفاق على تشكيل “مجلس سوريا الديمقراطيّة” الذي كان نواةَ حلٍّ مجتمعيّ للحالة السوريّة المتأزّمة، باعتماده مفاهيمَ مجتمعيّةً قادرة على قيادة المجتمع نحو برّ الأمان. كما كان اللبنة الأولى نحو إعلان النظام الفيدراليّ نهار الخميس (17 آذار/ مارس)  في إقليم “روج آفا” شمال سوريا، من خلال اجتماع عُقد في مدينة الرميلان، وشارك فيه حوالى مائة وخمسين ممثّلًا عن شرائح الشمال السوريّ ومكوّناته.

سعت الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة، منذ البداية، نحو خطوة إعلان النظام الفيدراليّ، لذا عملتْ جاهدةً لبلوغ هذا الهدف. كما أنّ قيادات الإدارة الذاتيّة وحركة المجتمع الديمقراطيّ عقدت العديد من اللقاءات مع النخب الثقافيّة والفعّاليّات المدنيّة في قرى روج آفا وشمال سوريا ومدنها للاستماع إلى كافة الآراء عن صيغة النظام المستقبليّ الذي سيكون مسؤولًا عن احتياجات الناس. وخرجت كلّ اللقاءات بنتيجةٍ واحدة وهي أنّ النظام الفيدراليّ هو أفضل حلّ للحالة السوريّة.

فالنظام الفيدراليّ يزيد من تعزيز المواطنة. فهو يكفل حقوق أفراد المجتمع وحرّيّاتهم العامة كافّةً، ويتيح لهم المشاركة السياسيّة في إدارة بلادهم من دون أدنى تمييز ما بين مكوناتهم الاجتماعيّة. لكن يبقى أنّ للعامل الإقليميّ والدوليّ في الاعتراف بالفدراليّة المعلنة نصيبًا كبيرًا في إنجاح هذا النظام.

ملاحظة: المقال لايعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية أو عن رأي الموقع، إنما يعبر عن رأي كاتبه.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: