الواقع السوريّ وسراب الأوهام

سمير العيطة

سمير العيطة

الواقع السوريّ وسراب الأوهام*

سمير العيطة

بعدما أدرجت قرارات مجلس الأمن «الدولة الإسلاميّة» و «جبهة النصرة» في قائمة المنظّمات الإرهابيّة التي تجب مكافحتها، أخذ الصراع في سوريا منحى جديداً، خاصّة منذ التدخّل العسكريّ المباشر، الروسيّ ثمّ الأميركيّ، مع الفارق.

لم يعُد باستطاعة السلطة في سوريا التغاضي عن محاربة «داعش» والاستمرار في تركيز بطشها على المعارضة المسلّحة الأقلّ تطرّفاً، بحيث لا يبقى في الساحة سوى خيارين وحيدين، إمّا هي أو التطرّف، أي متابعة اللعبة التي لعبتها منذ اليوم الأوّل. ولم يعُد أمام المعارضة المسلّحة سوى خيار تمييز نفسها عن «جبهة النصرة»، وفكّ ارتباطها معها في إطار «جيش الفتح» وغيره من التحالفات.

هذا الانعطاف في آليّات الصراع عسيرٌ على الطرفين. «فالدولة الإسلاميّة» ذات قدرات ملحوظة وتتطلّب من السلطة حشداً استثنائيّاً للموارد. أضف أنّ جهد القضاء على «داعش» سيأخذها إلى توافقٍ، ولو ضمنيّاً، مع قوى معارضة، ما لن يسمح لها بالاستفراد في نهاية المطاف. كذلك سيُضعِف الانفصال عن «النصرة» المعارضة المسلّحة، لأنّها تشكّل قوّتها الضاربة الرئيسة في «جيش الفتح» وغيره، ولأنّ بعض فصائلها يغازل، فكريّاً على الأقلّ، هذه الجبهة. وحدها «قوّات الحماية الشعبيّة» الكرديّة لم يُحرجها القرار الدوليّ وانخرطت في صراعٍ مفتوحٍ مع التنظيمين بدعمٍ من الولايات المتحدة أساساً.

لم يكن هدف قرار «وقف الأعمال العدائيّة» سوى التوجيه نحو هذا المنعطف وتأكيده، بالإضافة إلى تخفيف الضحايا المدنيين. لكنّ السلطة في سوريا ما زالت تتهرّب منه باحثةً عن انتصارات عسكريّة في حلب أو حتّى على بعض المناطق المحاصرة أصلاً، من دون القيام بأيّ خطوة لتخفيف حدّة الاحتقان. كما أنّ المعارضة المسلّحة لم تنأَ بنفسها عن «النصرة»، ما أدّى إلى اضمحلال جيبها شمال حلب وحصاره بين «قوّات الحماية الشعبيّة» وبين «داعش». والمخاطرة الكبرى التي ستشهدها هذه المعارضة أنّ منطقة سيطرتها الأساسيّة المستندة إلى تركيا ستصبح محافظة إدلب وريف حلب الغربيّ، حيث تتمركز بالضبط «جبهة النصرة».

بالتالي، يحلّ محلّ التخوّف من الضعف جرّاء الانفصال عن «النصرة»، تخوّفٌ من الإضعاف بل الإزالة إذا ما اتّفقت روسيا والولايات المتحدة على إخراج «النصرة» من معادلة الصراع. بل إنّ التحييد قد يشمل جسم المعارضة الأبرز المتمثّل في الائتلاف ودوره في أيّ عمليّة سياسيّة. ذلك أنّ هذا الجسم لم يستفِد من المواجهة بين الحراك المجتمعي و «النصرة» في معرّة النعمان وغيرها لإطلاق القطيعة، على الأقلّ سياسيّاً، مع الجبهة.

ومنذ تحوّل الصراع السوريّ إلى حرب يستمرّ التساؤل عمّا يربط ما هو سياسيّ بما هو عسكريّ؟ فالمفاوضات القائمة في جنيف لم تدخل حتّى الآن لا في جوهر تركيبة الحكم الانتقالي ولا مكافحة الإرهاب. وحده موضوع التمثيل السياسيّ لأجسام المعارضة يأخذ حيّزاً كبيراً في «التفاوض» كما في الإعلام، بما فيه تمثيل المعارضة المسلّحة. هذا في حين تُغيّر التطوّرات الميدانيّة، بل والاجتماعيّة، دوماً في أرضيّة التمثيل المزعوم.

ليس التفاوض على حلّ سياسيّ للصراع في سوريا عمليّة جري وراء الأوهام، لا أوهام السلطة ولا أوهام أجسام المعارضة البارزة، ولا تلك للمعارضة المسلّحة، ولا الأُخرى لـ «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكرديّ. بل إنّه الانطلاق من الواقع الشعبيّ والميدانيّ للحفاظ على سوريا وإعادة توحيد شعبها، ولتوافق جميع الأطراف الاجتماعيّة على حلّ يخلق لها الثقة، بالحدّ الممكن، ولدرء مزيد من الشرذمة وتعاظم مخاطر أن يحلّ مستقبلاً مكان الحرب المفتوحة إرهابٌ تقليديّ بدأنا نشهد معالمه مع تفجيرات السيارات المفخّخة.

*نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2016-06-04

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: