ثائر ديب: أيُّ ديمقراطيةٍ لأيّ سوريين؟

12961565_956492794428143_7740087532678640292_n_ثائر ديب

ثائر ديب

بمناسبة الكلام على مشروع دستور لسوريا يقوم على المحاصصة الطائفية، أعاد الأخ الدكتور ثائر ديب نشر هذه المادة التي ظهرت على صفحات “السفير” بتاريخ 2015-03-04.

أيُّ ديمقراطيةٍ لأيّ سوريين؟

ثائر ديب

يبدو ما يُدعى بـ”الديمقراطية التوافقية” واحداً من السيناريوهات القوية التي يُحتمل أن ينتهي إليها الحدث السوري الرهيب، نظراً إلى طبيعة القوى المتصارعة، وطبيعة تحالفاتها الإقليمية والدولية، وما تحمله من أجندات وأهداف، وما تنطوي عليه من عنف، إضافة إلى ما يُداني الغياب المطبق للقوى الوطنية والديمقراطية التي أوهنتها وشوّهتها عقودٌ من القمع الوحشي الذي لا يُضاهى في جوره وعسفه.

“الديمقراطية التوافقية” -في مفهومها النظري كما في أمثلتها العيانية، ومنها المثالان اللبناني والعراقي- هي ديمقراطية توافق الطوائف، بل ديمقراطية ممثلي هذه الطوائف وزعمائها؛ أي ديمقراطية تقاسم هؤلاء الممثلين الطائفيين مؤسسات السلطة ومواقعها. وإذا ما كان غريباً أن يقترن مثل هذا النظام السياسي بثورة أو ينجم عنها، فإن الكفيل بتبديد هذه الغرابة هو تحليل ما أشرتُ إليه آنفاً من حضور قوى معينة اجتماعية وسياسية وغياب أخرى، وما يفرضه ذلك من طبيعةٍ محددة لهذه الثورة ووجهةٍ لها.

يبقى الأشدّ غرابة في الحالة السورية أنَّ كتيبة القصف التمهيدي الذي يُعِدُّ لهذا الاحتمال تتألّف في معظمها من “ثوّار”، يساريين سابقين في الغالب، يروّجون له عن وعي أو عن سواه، وحجّتهم الأساسية أنَّ الطوائف أمر واقع، وأنّ ثمّة تمييزاً بينها، فلا بدّ من تصويب الحال بوضع هذه الطوائف على قدم المساواة. هكذا، تُصْدَر البيانات وتُدَبَّج المقالات التي تصوّر الصراع على أنّه صراع طوائف في جوهره، كما تُعْقَد الورشات والندوات للشباب “الثوريّ” كي يلقّنهم فيها خبراء مزعومون كيف يزرعون روح المصالحة بين البشر بوصفهم أبناء طوائف.

مع أنَّ هذه المساهمات السورية لا تزال شديدة الغرارة بالمقارنة مع نظيرتها في أرجاء الدنيا، بل وبالمقارنة مع نظيرتها اللبنانية والعراقية، غير أنّ بمقدورنا أن نقول إنَّ القدم قد وُضِعَت على أول الدرب المُفضي إلى “جنّة الطوائف”، حيث يقف على جانبي هذا الدرب منظّرون عُتاة لا يُقاس بهم البؤس النظري السوري؛ منظّرون يُرْجَع إليهم على مستوى عالمي، ويُسْتَشْهَد بهم، وتُترجَم أعمالهم، ويُستشارون عمليّاً، وتُقدَّم وجهات نظرهم على أنّها المُنقذ من اقتتال الطوائف وما يودي إليه من خراب. وتكاد أجنبيةُ هؤلاء تُنسي المرء أنَّ الكلام يجري على نظام سياسي شبيه بما هو موجود قربنا في لبنان والعراق، وأنّ لبنان على الأقلّ عرف منظّرين وفقهاء كبار على صعيد بناء هذا النظام العتيد الذي رأينا أنه هو أيضاً -وليس الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد وحدها- وصفة للخراب لا مُنقِذاً منه.

عادةً ما تُمرَّر “الديمقراطية التوافقية” في إهابِ أسئلةٍ تبدو علميةً رفيعة لكنها أبعد ما تكون عن العلم في الحقيقة: كيف نخطّط الديمقراطية في بلد منقسم إلى طوائف وأعراق فلا يطيح بها الصراع الداخلي ولا الرياح الإقليمية والدولية؟ ما الأنظمة الانتخابية التي تساعد الديمقراطية على البقاء في بلدان تشطرها الانقسامات الدينية والعرقية؟ والجواب دوماً هو: الديمقراطية التوافقية، ديمقراطية ممثلي الطوائف والأعراق. وهذا ينطوي على نظرة إلى المجتمع تراه، أصلاً وفي الأساس، طوائف وأعراقاً. وإذا ما كان فيه هويات أخرى، كالطبقة والجنس والقومية، “تكرّمت” تلك النظرة ووضعت هذه الهويات على سوية واحدة مع الطوائف، وبات لكونك برجوازياً الأهمية والمفاعيل ذاتها التي لكونك مسيحياً أو كردياً (سأعود في مادة لاحقة إلى الفروق الجوهرية بين مثل هذه الانتماءات). والأسوأ بعد أنَّ المجتمعات تُقسم في هذا المنطق على نحوٍ استشراقي بين من تُسْتَطَبُّ لها وصفة ديمقراطية الطوائف ومن لا يليق بها مثل هذا الاستطباب مع أنها تعجّ بالطوائف التي سبق أن تصارعت وأسالت أنهاراً من الدماء. كما يُنسى في السياق أنَّ مجتمعات لا طوائف فيها شهدت ظواهر وصراعات لا تختلف في أسبابها وجوهرها عن تلك التي شهدتها تلك التي تُوصف بأنّها مجتمعات طائفية.

يبقى الأساس النظريّ لدى أصحاب “الديمقراطية التوافقية” -الغرّ بينهم كما الرصين، والعفويّ كما المُدْرِك- أنَّ انقسام المجتمع إلى طوائف وإثنيات هو انقسام جوهريّ إن لم يكن الانقسام الجوهري ذاته، ولا بدّ تالياً من أن يُفْهَم المجتمع ويُدَار ويُصَاغ على هذا الأساس، وبذلك تغدو هذه الهويات الجماعية الطائفية والإثنية مرجع الدولة الوطنية وليس العكس. فما يؤسّس الكيان الوطني الحديث، بحسب هذا المنطق، هو جماعات مؤسِّسة، مذهبية وطائفية وإثنية، تتساوى فيما بينها، وليس علاقة مواطنة تربط الفرد بالدولة. وطبيعيٌّ أنَّ مثل هذا المنطق، عدا عن خطله النظري، يؤسّس لكيانات سياسية متعددة وليس لكيان موحّد كما يدّعي. ودعوته إلى تقاسم السلطة والتوافق والتعايش هي نوع من إدارة حرب مفترضة مخبوءة قد تغدو حرباً أهلية في أيّ لحظة. والمساواة التي يطلبها ليست سوى مسكّن مؤقَّت لبلاء يعمل هذا المنطق على تعزيزه بدلاً من أن يخفّف منه أو يزيله.

صحيحٌ أنَّ الاستبداد يتوسّل شقوق المجتمع البيولوجية والثقافية والجغرافية ويستثمرها، وصحيحٌ أنَّ ضعف الدولة الوطنية يدفع حتى الثورات إلى إظهار شقوق الهوية هذه واتّخاذها طابعاً سياسياً واحتجاجياً يطلب العدل والمساواة على شكل حقوق للجماعة لا للفرد وحده، وربما على حساب حقوق هذا الفرد، لكن ذلك كلّه لا يبرّر اعتبار ما هو واقعيّ وقائم عقلانياً ومبرَّراً لمجرد أنّه واقعيّ وقائم. ذلك أنَّ الواقعيّ يُمكن أن يكون ذريعة لتكريسه وتأبيده بأشكال شتّى، كما يُمكن أن يكون دافعاً لنقده وتغييره جذرياً. والسؤال الأساس في شأن الحالة التي نتناولها هنا: هل نحن إزاء مواطنين أفراد أم إزاء جماعات (مِلل وأقوام وجهات..)؟ والردّ، بالطبع، هو: إننا إزاء مواطنين أفراد لهم، في الوقت ذاته، انتماءاتهم الأخرى. عندها يغدو السؤال: هل هذه الانتماءات كيانات قائمة بذاتها ممّا يرتّب على الدولة حقوقاً تجاهها تتعدّى حقوق المواطنة والفرد؟ وكذلك: هل من حقّ هذه الجماعات أن تكون لها سلطة على الفرد والمواطن، وهل تتعدّى هذه السلطة حدّ حقّ هذا المواطن باختيار انتماءاته؟ بعبارة أخرى: ما العلاقة بين الجماعة والفرد والدولة؟ هكذا، ينفتح المجال واسعاً أمام تناول علمي لمسألة الجماعات، الطائفية والعرقية وسواها، بدل الاكتفاء بأخذ واقع وجودها ذريعةً لتكريسها ومأسستها، باسم التحرر والانعتاق.

طبيعي أنّ الإجابات عن الأسئلة السابقة تتعدد بتعدد المجيبين ومنابتهم ومصادرهم وانتساباتهم. وطبيعيٌ أن تتخفّى إجاباتٌ كثيرة في هيئات ليست لها في الحقيقة، أو أن يكون بعضها دون عتبة الوعي الواضح بنسبه الاجتماعي الفكري. وعلى هذا الأساس، فإننا لا نخفي، بل نجهر ونتفاخر، بأنَّ الإجابة الصائبة والعادلة والتقدمية والحضارية هي الدعوة إلى إقامة المساواة والعدل على أساس المواطنة، على أساس تساوي الأفراد أمام القانون وفي حرياتهم وحقوقهم السياسية. ذلك أنّ هذا وحده ما يُمكن أن يوفّر إطاراً سياسياً واحداً للقانون والعدل، أو مرجعاً أساساً لهما، يمكن أن يستوعب في داخله حقوقاً جماعية لجماعات مختلفة. فحين تُربط الحقوق بالمواطنة وبالفرد المواطن، لا بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد، يغدو وجود جماعات لها حقوق مسألة يسيرة، إذ يغدو الانتماء إليها واحداً من حقوق الفرد المواطن ذاتها، ألا وهو حقّه في اختيار هويته الثقافية أو الدينية، مثلاً. وبالمقابل، فإن اتّخاذ حقوق الجماعات مرجعاً وأساساً ليس سوى مشروع لإقامة كيانات منفصلة ومتحاربة لا يجمعها إطارٌ واحدٌ لإدارة العدالة.

السؤال، إذاً، في أيّ اتجاه ندعو السوريين للسير؟ هل نقبل أن تفضي ثورةٌ في سورية إلى ما أفضى إليه احتلالٌ في العراق؟ وما دام الاستبداد كان واحداً في كليهما، هل تبقى قيمة للتذرّع بواقع الاستبداد، خصوصاً في وقتٍ يتكامل فيه تحوّل ثورةٍ إلى احتلال!؟

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: