الدكتور منذر خدّام في حوار موسّع مع “اقتصاد”

منذر خدّام، أحد رموز هيئة التنسيق.. في حوار موسّع مع “اقتصاد”

32b1645aae26a40ffc8e2c09_منذر خدام مع موقع اقتصاد

15/05/2016

رأى أستاذ الاقتصاد في جامعة تشرين، الدكتور منذر خدام، أن الخوف من نتائج الحرب، أحد أهم أسباب انخفاض الليرة السورية، مشيراً إلى خسارة النظام لكل من النفط، والفوسفات والزراعة في المحافظات الشرقية.

 وخلال حديثه الخاص بـ”اقتصاد” استبعد خدام، المدير السابق للمكتب الإعلامي في هيئة التنسيق الوطنية، فكرة تخلي النظام عن عملته المحلية.

 من جهة أخرى، تطرق خدام إلى مرحلة “إعادة الاعمار”، مرجحاً استحواذ الدول الصديقة للنظام عليها في حال رجحت الكفة العسكرية للأخير.

***

  البداية من تدني سعر الصرف للعملة المحلية (الليرة)، الدكتور منذر كيف يفسر هذه التدني غير المسبوق؟

تدني قيمة العملة – أية عملة- في جميع الحالات، الطبيعية منها، وفي حالة الحروب، يفسره قانون اقتصادي معروف، وهو عندما يزداد الطلب على سلعة معينة يرتفع سعرها، وبالعكس عندما يقل الطلب على سلعة معينة ينخفض سعرها.

في الحالة الأولى السلعة المقصودة هي الدولار وغيره من عملات أجنبية، وفي الحالة الثانية هي العملة المحلية (الليرة السورية).

إن أسباب زيادة الطلب على العملات الصعبة في الظروف الطبيعية، وفي الأسواق المفتوحة لها تفسير في آليات اشتغال الاقتصاد، وبصورة خاصة في حركة التجارة الخارجية، فعندما تكون المستوردات أكبر من الصادرات فإنها تزيد في الطلب على العملات الصعبة مما يتسبب في حصول أثر تضخمي، لكن سرعان ما تمتصه الصادرات التي تزيد في الطلب على العملة المحلية.

أما في حالة الحروب فيضاف أسباب أخرى غير اقتصادية، يقف في مقدمتها عامل الخوف من نتائج الحرب، فيزداد طلب الناس على العملات الصعبة، وعلى الذهب وعلى العقارات كنوع من التأمين، فيرتفع سعرها بالقياس إلى العملة السورية، خصوصاً وأن مصادر تأمين العملة الصعبة تصير نادرة بسبب خروج قسم كبير من القدرات الاقتصادية للبلد عن دائرة الاستخدام سواء نتيجة تدميرها، أو تعطيلها، فتعجز عن تأمين حاجة السوق المحلية من السلع، وتعجز الصادرات عن تغطية المستوردات من السلع والخدمات، يضاف إليها سبب آخر هو استنزاف أرصدة البلد من العملات الصعبة.

ومما يفاقم من هذه الحالة المضاربات على العملة بهدف جني أرباح سريعة وكبيرة، وتهريب العملة الصعبة إلى الخارج وحرمان السوق المحلية منها.

 – محللون يعزون هذا الانخفاض إلى ضغوط سياسية تمارس على النظام للقبول بحل سياسي ما قد يلين من تعنته، وآخرون يعزون هذا الانخفاض إلى الفضيحة المالية التي أحدثتها “وثائق بنما” ويتحدثون عن تجميد لأرصدة سوريّة، ما هو تعليقكم هنا؟

من الطبيعي في ظروف الصراعات المسلحة أن تنخفض القوة الشرائية للعملة المحلية للأسباب التي ذكرتها سابقاً، ومنها كما قلت أسباب غير اقتصادية يأتي في مقدمتها الأسباب السياسية المتصلة بالصراع المسلح ذاته، فكل طرف يحاول كجزء من حربه على الطرف الآخر السيطرة على مصادر قوته الاقتصادية أو تدميرها، وهذا ما حصل في سوريا على نطاق واسع، فخسرت “الدولة” النفط والفوسفات والزراعة التصديرية في المحافظات الشرقية وغيرها، إضافة إلى أن تغطية مستلزمات الصراع المسلح تستنزف قسماً كبيراً من طاقات البلد الاقتصادية، ومن احتياطاته من العملات الصعبة، يضاف إلى كل ذلك الحصار الاقتصادي المفروض على البلد، وتجميد أرصدة الدولة واستثماراتها في الخارج (نحو 18 مليار دولار)، لأسباب سياسية بحتة، لكن بتقديري هذه الإجراءات التي قامت بها الدول الغربية التي تحسب نفسها في الطرف الآخر من معادلة الصراع لا علاقة لها بالضغط على النظام لكي يقبل بالحل السياسي، بل للعمل على إسقاطه، غير أن الدعم من حلفاء النظام له فوت هذه الفرصة، القوى الوحيدة التي يمكنها أن تضغط سياسياً على النظام لكي يقبل بالحل السياسي هي إيران وروسيا، وخصوصاً روسيا التي قامت بذلك فعلاً، لكن ليس عن طريق الاقتصاد بل عن طريق التدخل العسكري المباشر الذي ساهم بمنع انهيار النظام كما هو معلوم مقابل قبوله ببعض التنازلات السياسية وهي تلك التي وردت في القرار الدولي “2254”، أي قبول النظام بدستور جديد، وبتشكيل حكومة “ذات مصداقية”، وبإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد ثمانية عشر شهراً بإشراف ومراقة الأمم المتحدة.

بدورها المساعدات الروسية والإيرانية الاقتصادية أخرت كثيراً احتمال انهيار العملة السورية، أما بالنسبة للفضائح المالية لحيتان النظام والمافيات التي تدور في فلكه فحدث ولا حرج، فهي أهم القوى المضاربة في السوق، وفي تهريب العملة الصعبة إلى الخارج.

 ما هي الحلول التي يمتلكها النظام للحد من تدني سعر الصرف؟، وهل من الممكن أن نشهد تخلياً من النظام عن عملته “المتدهورة”؟

لا أعتقد أن النظام سوف يتخلى عن عملته المحلية، فليس لديه بديل آخر، لذلك سوف يجتهد في إبطاء عملية تراجع عملته، في هذا المجال لديه عدة خيارات نذكر منها إعادة سيطرة “الدولة” على العملات الصعبة وتحديد سعر الصرف مقابل الليرة السورية، ومنع إخراج العملة الصعبة من البلاد، إلا لأسباب لها علاقة بتغطية المستوردات، وتنشيط الاقتصاد في مناطق سيطرته، والعمل على امتصاص دولارات “المجموعات المسلحة”.

الإجراءات التي تحدث عنها “أديب ميالة” والتي تخص الإعفاء من إعادة قطع التصدير مؤخراً، هل هي برأيكم كافية، وهنا كيف تقيمون دور مصرف سوريا المركزي وتعاطيه مع الوضع الراهن؟

المسألة على درجة عالية من التعقيد بحيث تتجاوز قدرات المصرف المركزي على إدارتها والتحكم بها مهما بلغ القائمون عليه من الخبرة، المسألة تتعلق بظروف الحرب والسياسات المتبعة التي لا تبشر السوريين بأي حل قريب لها، مما يجعل الخوف هو المسيطر على نشاطاتهم الاقتصادية والحياتية بصورة عامة.

إن إعفاء المصدرين من إعادة القطع المتحصل من الصادرات إلى السوق المحلية سوف يفاقم الأزمة ولن يخفف منها، إذ لن يعيدوا إلى السوق المحلية عائدات صادراتهم بصورة مدروسة وآمنة، إضافة إلى غياب القانون فالمغامرة هنا قد تكون مكلفة.

في ظروف الصراعات المسلحة يميل الاقتصاد التصديري بصورة عامة إلى الانكماش وليس إلى التوسع، مما يحدث خللاً كبيراً في الميزان التجاري وفي ميزان المدفوعات فينعكس على القوة الشرائية للعملة المحلية.

 البعض يتحدث عن أن دور البنك المركزي، هو دور ثانوي وخصوصاً في تثبيت سعر الصرف، هل تتفقون مع هذا؟

موقع البنوك المركزية في الاقتصاد، يشبه موقع القلب من الدورة الدموية في الإنسان، فهي تستقبل النقود المحلية وغير المحلية، وتعيد ضخها في الشبكة الاقتصادية، ثمة قانون اقتصادي معلوم يفيد بأن الكتلة النقدية المتداولة في السوق تساوي في الحالة العادية مجموع قيم السلع والخدمات المعروضة في السوق، ففي حال ازدادت الكتلة النقدية المتداولة عن قيمة السلع والخدمات في السوق يحصل تضخم يتم امتصاصه عن طريق ارتفاع الأسعار، وبالعكس في حال كانت قيمة السلع والخدمات في السوق أكبر من الكتلة النقدية المتداولة يحصل كساد، اشتغال القسم الأول من هذا القانون يخضع بالضبط لإحدى وظائف البنك المركزي الأساسية، أما القسم الثاني فله علاقة بآليات اشتغال الاقتصاد، وخصوصاً قدرته على الإنتاج، ولكي يقوم البنك المركزي بوظيفته هذه فهو يمارس عملاً رقابياً كبيراً على دوران العملة المحلية في السوق، ويتدخل لمنع التضخم، وبالتالي تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، ويحصل ذلك غالباً عن طريق احتجاز قسم من الكتلة النقدية الفائضة عن حاجة السوق لديه، في الحالات العادية تستخدم البنوك حزمة من الوسائل والأدوات الاقتصادية المعروفة مثل التحكم بسعر الفائدة التوجيهي (القياسي)، مراقبة موازين المدفوعات، وبصورة خاصة ميزان القطع الأجنبي، مراقبة حاجة الاقتصاد للعملة المحلية وغير المحلية.

المشكلة في ظروف الصراع المسلح في سوريا أن الموارد المتاحة من العملات الأجنبية تصير نادرة أكثر فأكثر بسبب الحاجة إلى تغطية نفقات الحرب ذاتها، عداك عن حاجة الاقتصاد، مما يؤدي إلى حصول فجوة تزداد اتساعاً بين الطلب المحلي على العملات الأجنبية وبين المعروض منها.

في الأسواق الحرة المفتوحة يتحدد سعر صرف العملة تحت تأثير قانون العرض والطلب فقط، أما في الأسواق غير الحرة (المحمية حكومياً) فإن الإجراءات الإدارية تساهم في تحديد سعر الصرف، وفي هذه الحالة يزداد دور البنك المركزي في ذلك.

 -جاء في دراسة اقتصادية حديثة، أجريت لصالح جامعة يابانية أن نسبة الفقراء في سوريا وصلت لحوالي 90%، السؤال هنا إلى أي مدى سيكون الفقراء قادرون على تحمل هذا الواقع؟

نعم، صارت نسبة من يعيش من السوريين عند خط الفقر وما دونه تقارب التسعين في المائة، السوريون لا حول ولا قوة لهم وخصوصاً من قرر البقاء في البلد، فهم ليس فقط يتحملون ظروف الحرب القاسية، لكنهم مجبرون على تحمل ظروف الحياة الصعبة.

لقد صار كثير من المواطنين يزاول أكثر من عمل مع ذلك بالكاد يحصل على قوت يومه، بسبب أن الدولار صار الوحدة القياسية لتسعير كل السلع المعروضة في السوق حتى المنتج محلياً منها وخصوصاً السلع الزراعية، هذه الحالة سوف تزداد في المستقبل سوءاً، إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي يطمئن السوريين إلى نهاية قريبة للصراع المسلح، وبالتالي فك الحصار عن سوريا، بما في ذلك تحرير الأرصدة السورية المجمدة في الدول الغربية، وعودة الموارد الاقتصادية وخصوصاً التصديرية منها إلى الدوران في عجلة الاقتصاد، بالطبع يمكن للحكومة أن تتخذ بعض الإجراءات المخففة من حدة الضائقة الحياتية للمواطنين وذلك من خلال رفع الأجور والرواتب بنسب مدروسة، بحيث تمتص جزءاً من التضخم الذي سببه ارتفاع الطلب على الدولار، وقد تلجأ في حال استمرت الحرب إلى البطاقات التموينية للسلع الأساسية.

  مرحلة إعادة الإعمار، هل ترى بدايتها قريبة، ومن منظوركم لمن ستكون الحصة الأكبر من كعكة “إعادة الإعمار”؟

البدء بعملية إعادة الإعمار على نطاق واسع يتعلق بنهاية الصراع المسلح، وبكيفية إنهائه، فإذا حسم النظام وحلفاؤه الصراع لصالحه، فسوف تظل سوريا موحدة لكنها محاطة بحصار الدول المعادية لنظامها لأجل ليس بالقريب، مما يجعل من عملية إعادة الإعمار عملية صعبة جداً، ومحصورة في نطاق أصدقاء النظام وبصورة خاصة روسيا وإيران وربما دول “البريكس” وغيرها، أما إذا انتصرت المعارضة المسلحة فسوريا ذاهبة إلى مزيد من الفوضى والتدمير الذاتي أيضاً لأجل ليس قريب، نأمل أن يحصل خيار ثالث وهو أن تحصل تسوية سياسية بين النظام ومعارضيه للأزمة السورية بإشراف دولي، بحيث تتم المحافظة على وحدة سوريا، ويتم الانتقال إلى نظام ديمقراطي بقيادة سوريّة من النظام والمعارضة، وتخرج سوريا من نطاق المحاور الإقليمية، لتنفتح على جميع دول العالم بما فيها تلك التي ساهمت بتأجيج الصراع المسلح فيها، ربما عندئذ تصير مهمة إعادة إعمار سوريا وعودة أهلها إليها مهمة دولية تشارك فيها جميع الدول.

مصطفى محمد – خاص – اقتصاد

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: