مسار جنيف التفاوضي بين الفشل والنجاح

 

mounzer

منذر خدام

مسار جنيف التفاوضي بين الفشل والنجاح

منذر خدام

25/04/2016

لا أحد يتحدث اليوم، علنا وبصورة رسمية، عن حتمية الحسم العسكري سوى التنظيمات العسكرية التابعة لداعش أو القاعدة، مع أن جميع المتقاتلين على الأرض سواء من المعارضة المسلحة أو النظام وحلفاؤه لا يزال خيار الحسم العسكري خيارا رئيسا لديهم، يخفونه تحت ستائر غير كتيمة من خطاب سياسي مسالم ينشد الحل السياسي. وإذا كان النظام قد راهن منذ البداية على القوة والعنف لقمع الحراك الشعبي ضده، فإن كثير من المعارضين السياسيين راهنوا أيضاً على إسقاطه بالقوة، فكانت النتيجة أن سقط الشعب والبلاد في أتون كارثة غير مسبوقة في التاريخ. نحو خمس سنوات من العنف صارت الأزمة السورية على درجة عالية من التعقيد، فسورية اليوم ساحة صراع لمصالح وأجندات خارجية يصعب التوليف بينها، وان كثيراً من السوريين الذين يؤدون أدوار الصراع أو التفاوض ليسوا متحررين من هذه الأجندات الخارجية، وهذا ينطبق على النظام والمعارضة.

من المعلوم أن منصة جنيف التفاوضية كانت خيارا دوليا قبل أن تكون خيارا سوريا، بل لم تكن خيارا سوريا حراً للأسف في يوم من الأيام، فقد شارك السوريون فيها مكرهين بضغط دولي. لقد غيبوا، منذ البداية، عن جميع اللقاءات الدولية التي وضعت الأسس القانونية لحل أزمة بلادهم، انطلاقا من بيان جنيف1 وانتهاء بقرار مجلس الأمن 2254 مرورا بأكثر من ستة عشر قرار دولي آخر. ومع أن النظام والمعارضات المختلفة تقول اليوم بمرجعية هذه القرارات الدولية لحل الأزمة السورية، فهي تختلف فيما بينها على قراءاتها وتفسيرها، مما يعقد كثيرا من عملية التفاوض الجارية في جنيف اليوم برعاية دولية، وبإشراف ومتابعة من قبل روسيا وأمريكا. فكيف لهم أن لا يختلفوا على قراءتها وتفسيرها، رغم وضوحها الشديد، وهم ينظرون إلى بعضهم البعض كأعداء وليس كخصوم سياسيين، في استجابة لصيقة لمواقف الدول الداعمة لهم. و أن تحولهم من وضعية العداء إلى وضعية الخصومة السياسية، سوف يظل رهن بتحول إيران والسعودية، ومصر وتركيا وقطر، وربما روسيا وأمريكا معهم، من حالة العداء إلى حالة التفاهم السياسي حول الأزمة السورية، وعلى ما يبدو أن ذلك لن يحصل قريبا إلا إذا امتلك السوريون قرارهم. لقد برهن السوريون للأسف، نظاما ومعارضات، على عدم أهلية بامتياز، فلم يحسنوا استغلال الفرص التي أتيحت لهم لوضع نهاية لهذه المأساة وإنقاذ ما تبقى من بلدهم وشعبهم. وإذا كان الحديث يجري على النظام والمعارضات السورية المختلفة في الوقت ذاته، فإن ذلك لا يعني أنهم يتساوون في المسؤولية عما حل بسورية وشعبها، ولا عن استمرار تعثر المفاوضات الجارية في جنيف. النظام هو من يتحمل المسؤولية الكبرى عن حصول هذه المأساة، وعن تعثر المفاوضات الجارية لحلها.

فمنذ انطلاق انتفاضة الشعب السوري في آذار عام 2011 والنظام يعمل على قمعها بالقوة، ولا يزال يراهن اليوم على الحسم العسكري، مستفيدا من الدعم الروسي والإيراني الكثيف له. لذلك فإن وفده المفاوض في جنيف الذي يتلقى التعليمات مباشرة من دمشق لم يقدم شيئا لإنجاح المفاوضات، وظل يناور في مجال محاربة الإرهاب، وفي مجال المبادئ العامة للتسوية التي قدمها لدي مستورا، وهي عامة ومشتركة بين جميع السوريين. لا يختلف السوريون على وحدة سورية أرضا وشعبا، ولا على تحرير الجولان، ولا على سيادة الدولة على كامل أراضيها…لكنهم يختلفون وبقوة على طبيعة النظام السياسي القائم، وضرورة الانتقال منه إلى نظام ديمقراطي. ورغم المطالب المتكررة لدي مستورا لوفد النظام بتقديم إجابات خطية، على أسئلته لكنه لم يقدم واستمر في نهجه الاستفزازي لوفد معارضة الرياض دافعا إياه إلى الانسحاب، وهذا ما قام الوفد بتلبيته للأسف.

بدورها معارضة الرياض( صارت المعارضات السورية تعرف بدلالة العواصم التي استضافتها وتدعمها، فهناك معارضة الرياض، ومعارضة موسكو، ومعارضة القاهرة، وأخيرا صار لدينا معارضة حميميم)، هي الأخرى لا تزال تراهن على إسقاط النظام بالقوة، ولذلك نراها( للدقة بعض المتطرفين فيها، وهم المقررون) تركز دائما في خطابها السياسي على شخص الأسد وزمرته، فهي لا ترضى بديلا عن إسقاطهم ومحاكمتهم.

بداية الفشل بالنسبة للمعارضة تعود إلى مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي نظمته السعودية بتكليف من مجموعة العشرين( مجموعة دعم سورية)، وكان من المفترض أن يشمل جميع المجموعات المعارضة، لكن ضغوطا دولية حالت دون ذلك. في هذا المؤتمر لم يكن للسوريين أي دور يؤدونه سوى التوقيع على البيان الختامي الذي قدم لهم، وان يشكلوا ما صار يعرف بالهيئة العليا للمفاوضات، التي بدورها شكلت وفدا للمفاوضات ترأسه المتشددون، وسمته في حينه وفد “الجكارة”،( انتبه وفد الجكارة؟!!). بتشكيل هكذا وفد يتقدمه متطرفون، وغير مؤهلين سياسياً، وجاء بعضهم ( الفاعلون) من رحم النظام، وجهت المعارضة رسالة خاطئة للشعب السوري، استفاد منها النظام كثيراً. وبالمناسبة طالبت دول غربية عديدة، تقدم نفسها عادة بأنها صديقة للمعارضة، بضرورة تغيير الوفد المفاوض.

أخطأت معارضة الرياض أيضا بمحاولة احتكار تمثيل المعارضات السورية، سيرا على نهج ارتضته لنفسها منذ تشكيل المجلس الوطني السوري، ومن بعده الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، لطالما كان خاطئا. فهي لم تعالج الموضوع، كما غيره للأسف، من زاوية مصلحة الشعب السوري، و بما يخدمها في المفاوضات، فتركت المجال واسعا لمناورة النظام بين مختلف منصات المعارضة. ويبدو لي أن هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي التي قامت أصلا على نهج مختلف تماما لم تستطع أن تغير من هذا الواقع شيئا، بعد أن صارت جزء من منصة الرياض.

إن الأزمة السورية، بلا شك، على درجة عالية من التعقيد، وان المفاوضات بشأن الحل السياسي لها تحتاج إلى الصبر، وإلى توافر الإرادة السياسية، و إلى تغيير في النهج السياسي التفاوضي. بداية؛ على المتفاوضين أن يؤمنوا حقا بالحل السياسي كخيار وحيد لحل الأزمة، وثانيا؛ عليهم أن يضعوا نصب أعينهم مصلحة بلادهم وشعبهم،وثالثاً؛ عليهم الانتقال من وضعية العداء لبعضهم البعض إلى وضعية الخصومة السياسية، بما يعني ذلك الإقرار بأن كل منهم هو طرف في الحل، كما هو طرف في الأزمة، ورابعا عليهم الاعتراف بأن كل منهم يمثل بعض الشعب وليس كله، وخامساً؛على النظام أن يدرك أن إعادة نظامه صار مستحيلاً، وأن لا بديل عن تغييره بصورة جذرية وشاملة إلى نظام ديمقراطي حقيقي. وسادسا؛ على المعارضة أن تتوحد في وفد واحد،وان تمايز نفسها عن المجموعات الإرهابية المصنفة دوليا، وأن تتخلى عن وهم إسقاط بشار الأسد بالقوة، وان تقبل به كمنافس لها في الانتخابات شريطة تنظيمها والإشراف عليها من قبل الأمم المتحدة بما يوافر لها الشفافية والنزاهة والمصداقية.

في ضوء ما تقدم من الأهمية بمكان أن تجري المفاوضات في مسارات متعددة، ومتزامنة، بحيث يخصص لكل جانب من جوانب الأزمة مسارا خاصا به. ينبغي التركيز في المسار الأول على حل المسائل الإنسانية، ومنها الإفراج عن المعتقلين وتطبيع الحياة السياسية، والعمل على تنفيذها بجدية ومصداقية باعتبارها مسائل ما فوق تفاوضية نصت عليها القرارات الدولية المعنية بالأزمة، وتشكيل لجنة مشتركة لحلها بالتعاون مع الأمم المتحدة والأطراف الدولية الراعية للمفاوضات. وفي المسار الثاني يمكن البحث في طبيعة النظام السياسي المستقبلي لسورية، والدستور والقوانين المكملة له مثل قانون الأحزاب وقانون الإعلام، وقانون الانتخابات وغيرها وإحالتها إلى لجان متخصصة لإعدادها. وفي المسار الثالث يمكن البحث في قضايا محاربة الإرهاب وكيفية العمل سويا في هذا المجال. وفي المسار الرابع يمكن البحث في تشكيل الجسم السياسي الذي سوف يقود المرحلة الانتقالية، وكيفية اتخاذ القرارات فيه، والهياكل الإدارية التي سوف يشكلها لمساعدته في عمله( تجربة بولونيا مفيدة في هذا المجال). وفي المسار الخامس يمكن البحث في قضايا المصالحة والعدالة الانتقالية من منطلق مصلحة الشعب السوري، وطي صفحة الأزمة بالسرعة الممكنة( تجربة جنوب أفريقيا رائدة في هذا المجال). بالمناسبة كانت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التعيير الديمقراطي قد أعدت بالتعاون مع أطراف معارضة عديدة ومنها من الائتلاف أجوبة عن كل هذه المسائل يمكنها أن تنطلق منها في مفاوضاتها مع وفد النظام.

كلمة أخيرة لا بد من قولها للتاريخ أن انهيار الدولة هو انهيار للوطن وللشعب، وان عماد بقاء الدولة هو الجيش السوري، وعلى المعارضة بصورة خاصة أن تتعظ مما يجرى في ليبيا، وفي العراق و في اليمن. وإن القول بإعادة بنائه على أسس وطنية احترافية وإبعاده عن السياسية، وهذه مسألة تحتاج إلى وقت طويل نسبيا، لا ينبغي أن تكون ذريعة للعمل على اضعافة، أو عدم التعاون معه في محاربة الإرهاب، أو في بسط سلطة الدولة على كامل أراضي سورية.

 

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: