الدولة بين الدين والعلمانيّة وشيء من التاريخ

ادوار حشوة

الرفيق المحامي ادوار حشوة

الدولة بين الدين والعلمانيّة وشيء من التاريخ
الرفيق المحامي ادوار حشوة

مع اقتراب الجولة الجديدة من المفاوضات يكثر الحديث عن اعلان دستوري او دستور الخمسين ويتبادل السياسيون الافكار عن شكل الدولة التي يؤيدون هل هي دينية او نصف دينية او علمانية او ليبرالية، لذلك احببت ان اضع بعض النقاط على هذه المواضيع لتفسيرً ما هو مغلوط وتأريخا لما حدث.

اولاً- اعتقد ان الجدل حول هذه المواضيع كلها يسبق زمن ضرورته فاولًا يجب ان يتم الانتقال السياسي الى سلطة جديدة توقف الحرب وسفك الدماء وتعيد المشردين وتطلق سراح المعتقلين وتعود الاحزاب حرة عندها كل طرف وكل حزب وكل مكون من حقه ان يطرح مشروعه لبناء الدولة الجديدة التي لايفرضها الحكم الانتقالي بل الانتخابات التي تأتي بمجلس نيابي وجمعية تاسيسية تصوت على شكل الدولة والدستور بعد حوارات داخله.

الأن البحث مسبقًا عن كل ذلك هو كمن يختلف مع الاخرين على ملكيةجلد دب قبل اصطياده.

ثانياً- الاعلان الدستوري سيصدر عن مجلس الامن ويصنعه التفاهم الدولي ويفرض على المتفاوضين لذلك يظل شيئا غريباً عنا مهما غلفوه وحسنوا صورته لان الارادة الحرة للناس لم تصنعه .

لذلك قلنا ان الافضل اعادة العمل بدستور الخمسين الشرعي الوحيد في الحياة الدستورية السورية واطاحت به الانقلابات العسكرية وبعد سقوط اي انقلاب يعاد العمل به مجددا لذلك علينا الاتفاق على ضرورته في الفترة الانتقالية وهي لعدة اشهر وقد تحملنا دستور الاسد الفاشي اربعين عاما وتحمل دستور الخمسين لآشهر لا يعني انه نهائي بل مؤقت ريثما يتم الاعداد لدستور جديد وهو على اي حا ل افضل من دستور اجنبي يفرض علينا و أفضل من دستور النظام .

ثالثاً- الدين والدولة واجها تطورات في الحياة السورية السياسية فالحزب القومي السوري الاجتماعي الذي قاده المفكر الكبير انطون سعاده من لبنان اعتمد في منهاجه على (فصل الدين عن الدولة) وكان ذلك في الثلاثينيات من القرن الماضي. وانضمت اليه اكثرية مسيحية ودرزيه وعلو ية واسماعيليه اي من الاقليات مع عدد من المتنورين من اهل السنة .

البعث في الاربعينيات اعتمد على (فصل الدين عن القومية العربية) ولم يعد الانتماء القومي مرتبطاً بالدين بل بالارض العربية (والعربي هو الذي يعيش على الارض العربية ويتكلم لغتها وليست لديه موانع تمنعه من الاندماج القومي فيها ). وفي هذا المجال فان هذه الفكرة من نتاج تجمع للمفكرين العرب في قرنايل بلبنان برئاسة المفكر رشدي الخياطة قبل عشر سنوات من البعث وكان من بين الحضور ميشيل عفلق الذي اخذ مقررات موتمر قرنايل وجعل منها دستورا لحزب نسب لنفسه صناعة افكاره وطبعاً انضم لهذا الحزب الاقليات ونخب متنورة كثيرة من اهل السنة مشبعة بالاعتزاز بالعوبة وبالامل في وحدتها .

الشيوعيون حسموا امر الدين حين اعتبروه افيون الشعوب وطبعا هم مع فصله عن الدولة لانهم لا يعترفون به كمحرك للتاريخ بل كعائق لتطوره.

الاشتراكيون انطلاقهم من حزبهم المحلي في حماه حزب الشباب الى حزبهم القطري العربي الاشتراكي تبنوا فكرة (نحن نحترم الدين ولكن لا نستخدمه في السياسة) وعملياً لم يفصلوا الدين عن الدولة بل عن السياسة فقط .

الاخوان المسلمون تمسكوا بمفهوم ان الاسلام دين ودولة ورفضوا الفصل بينهما ودعوا الى تطبيق الشريعة من فوق التعدديات الموجودة في سورية والتي تزيد على عشرين تعدديه دينيه وطائفيه وعنصرية وفي كل الانتخابات الحرة لم يحصلوا على مقاعد تتجاوز عدد اصابع الكف وعميدهم السباعي سقط في انتخابات دمشق ولكن هذا لا يعني انهم بدون حضور شعبي .

رابعاً- في الجمعية التاسيسية العام الخمسين في سورية كان هناك حوار حاد حول نقطتين في مشروع الدستور هما دين رئيس الدولة و مصادر التشريع وبعد جلسة خاصة جدا بين الزعيم اكرم الحوراني والشيخ السباعي كان الاخوان يتمسكون بان يكون دين رئيس الدولة الاسلام وتط بيق الشريعة الاسلامية

وانتهى الاتفاق على صيغة توافقية هي ( دين رئيس الدولة الاسلام والفقه الاسلامي مصدر رئيسي من مصادر التشريع ) وفي شرح ذلك في محاضر مجلس النواب ان اعتبار دين رئيس الدولة الاسلام هو لاحترام الدور المتقدم للاغلبية ولا يعبر عن اي معنى تسلطي يتضمن الهيمنة لآن الرئيس سيكون دستوريا والسلطة هي للوزارة وهو رمز فقط واما عن اعتبار الفقه الاسلامي مصدر رئيسي من مصادر التشريع فيعني التخلي عن تطبيق الشريعة الى عدم جواز مخالفتها لانه حين يكون الفقه الاسلامي مصدرأ رئيسياً فان اي مصدر آخر لايجوز مخالفته وسورية منذ الاستقلال وحتى الآن لم يصدر فيها اي قانون يخالف الشريعة الاسلامية بنص دستوري او بدونه .

كما مثل هذا الاتفاق خطوة باتجاه علمانية الدولة لانه حصل على موافقة متشددين كانوا يطالبون بدولة اسلامية وشريعة اسلامية ولم يحصلوا على موافقة البرلمان وحصلوا على عدم مخالفة الشريعة وتخلوا عن تطبيقها

خامساً- علمانية الدولة مفهوم سياسي نشأ في اوروبا نتيجة لتطور فكري وسياسي وفي التفاصيل:

آ-تعود جذور العلمانية الى الفلسفة اليونانية القديمه ومنهم أبيقور وظهرت جلية في عصر التنوير على يد مفكرين من امثال توماس جيفرسون وفولتير وغيرهما و( العلمانية ليست شيئا جامداً بل هي قابلة للتحديث والتكيف حسب ظروف الدول التي تتبناها) ويرى جون لوك الذي هو واضع اسس العلمانية في القرن السابع عشر (ان وظيفة الدولة هي رعاية مصالح المواطنين الدنيوية اما الدين فيسعى الى خلاص الناس في الآخرة )و ( الدولة لا تستطيع بما تملك من وسائل قانونية ومن سلاح ان تضمن لمواطنيها الخلاص في الآخرة) ولذئلك دعا الى (منع الدول من استخدام الدين لاغراضها ) وقال ايضاً ( ان انحياز الدولة لدين معين يشجع على النفاق وعلى التدين الشكلي فضلا عن انه يهدد وحدة الدولة والتعايش السلمي بين المواطنين والعلمانية لا تعتبر ضد الدين بل تقف على الحياد منه ).

اول من ابتدع مصطلح العلمانية هو الكاتب البريطاني جورج هولبوك عام 1851 في تعريفه قال ( هي نظام اجتماعي منفصل عن الدين غير انه لا يقف ضده )

ب- كانت الكنيسة هي المسيطرة على الدول وكان فيها طبقتان هما طبقة الكهنة وطبقة العلمانين اي ان كل من ليس من الكهنة هو علماني اي من الشعب وقد اصطدم مفكروا هذا الشعب بالكنيسة في بداية عصر النهضة واجلوها عن السلطة وحصروا حق طبقتها الكهنوتية بادارة المعابد اما المجتمع فيجب ان يديره العقل وهكذا تم فصل الدين عن الدولة لا عن المجتمع فانتج ذلك الحضارة الاوربية التي هي حضارة العقل لا حضارة المسيحية .

مفهوم العلمانية في عصر النهضة( الدولة العلمانية تعامل مواطنيها بشكل متساوي بغض النظر عن انتمائهم او تفسيراتهم او افكارهم الدينية ) و (العلمانية هي حركة في اتجاه الفصل بين الدين والحكومة وفي اوروبا كانوا يفهمونها انها الفصل بين الكنيسة والدولة ) و( هي فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية وقد تعني ايضا عدم قيام الحكومة باجبار احد على اعتناق دين معين اوتبني معتقد ديني او تقليد معين لاسباب سياسية ) و ( ان الانشطة البشرية والقرارات وخصوصاً السياسية يجب ان لاتكون خاضعة لتأثير المؤسسات الدينية ).

سادساً- العلمانية والاسلام ان الدول الاسلامية لم تعرف اي شكل من اشكال فصل الدين عن الدولة ولكن امكن وجود متنفسات خففت من شدة هذه السيطرة ولاسباب تعود الى المصالح لا الدين .

حدثت المتنفسات نتيجة لتفسيرات دينية مختلفة وهناك من قال ان الدين حالة ايمانية تعتمد على بعد غيبي وهي حالة مغلقة بين الفرد وربه وقد ذهب الكواكبي الى ( الدين ما يدين به الفرد لا الجمع ) وحين يكون الدين علاقة روحية فردية بين الله والفرد لايكون للدولة الحق في التدخل بين الله ومن يؤمن به لان ذلك يتعارض مع النص القرآني ( لست عليهم بمسيطر) و ( لكم دينكم ولي ديني ) و(من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) و ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاًأفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ).

المشكلة نشأت من تبني الاخوان لفكرة ان الاسلام دين ودولة استنادا الى قيام هذه الدولة في القرن السادس الميلادي ويرون انها الشكل الديني الثابت على مر العصور لان ماجرى في ذلك الوقت كان نموذجا زمنيا اقتضته الظروف ونسبيا وليس مطلقا كما هو في ايات العقيدة والرسول في مرض موته حين سألوه ماذا نفعل بعدك يا رسول الله قال (المسلمون أدرى بشؤون دنياهم) فاحل المصلحة اولا ولم يسبغ القداسة على ما مضى من شؤون دنيا المسلمين وحتى الخلافة كانت صناعة سياسية وليست من الدين ولكن ابتدعها الصحابة للحفاظ على مصالح المسلمين في شؤون دنياهم .

سابعاً- الليبرالية

هي مفهوم متطور للعلمانية وتقوم على اساس ان يكون الانسان حراً في ان يفعل ما يشاء ويقول ما شاء ويعتقد ما يشاء ويحكم بما شاء بدون التقيد بشريعة الهية والانسان اله نفسه وعابد هواه .

وعمليا هي الاغراق في الحرية واسقاط كل الممنوعات امامها ولم تلاقي الليبرالية ما لاقته العلمانية من تشجيع بشري لان الحرية بد ون قيود قد تسبب الفتن والفوضى وهي مسؤولية بالدرجة الاولى ولذلك كان اكثر الذين اتبعوها من مستعملي المخدرات ومن مناطق الفقر والغناء والرقص ونادراً ان تجد مثقفاً يدعو لها عن قناعة .

ثامناً- الدولة المدنية والدولة العسكرية :

هناك من يدعو الى دولة مدنية ويختلفون على محتواها مع انها في الشكل هي دولة يحكمها الشعب ملتزما بالقوانين وهي نقيض الدولة العسكرية التي يحكمها العساكر ويتصرفون بحقوق الناس وفق الطريقة والتراتبية العسكرية وغالبا ما يكون هذا الشك ديكتاتورياً ويفرز ابشع الطغاة في التاريخ.

في هذا المجال هناك من يضيف الى عبارة الدولة المدنية عبارة (بتوجه اسلامي ) كما ذهب الى ذلك الاخوان المسلمون وفق النموذج التركي الذي جاء كحل وسط بين علمانية الدولة واسلاميتها ومثل هذا الشكل لا يصلح لفترة طويلة فالصدام بين الحركة العلمانية التي تفصل الدين عن السياسة وبين الحركة الدينية التي تريد حكم الناس بالدين متوقع لاختلاف منشا الفكر والحق في كليهما من كل هذا العرض يبقى ان الخيار بين هذه الاشكال للدولة أمريقرره ممثلوا الشعب المنتخبون بصورة حرة لا بطريقة النظام (التعيين بالانتخاب) وكل شكل ليس مطلقا ودائما و تعدله اكثرية نيابية جديدة فهذه هي الديمقراطية وهذا هو حكم الشعب وهذا هو السؤال.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: