موسكو – جنيف .. الطريق الوعر!

* الدكتور عادل اسماعيل هو ممثل هيئة التنسيق الوطنية في العاصمة الروسية موسكو ,وكان أحد الحاضرين لمنتدى موسكو الذي استضافته العاصمة الروسية أواخر الشهر الماضي..لذا من المفيد الإستماع لمن حضر وشاهد وشارك.

عادل إسماعيل- موسكوعادل اسماعيل
من المستبعد، عموما، أن يتفاءل المرء كثيرا بقرب حلحلة الأمور، والانطلاق نحو جنيف لإحياء العملية السياسية التفاوضية بشأن الحالة السورية المزمنة. ومن السابق لأوانه، خصوصا، أن يعلق آمالا عريضة على “موسكو2″، لا سيما في ظل الحصيلة المتواضعة للقاء “موسكو 1″، الذي عقد في 26- 29 كانون الثاني/ يناير 2015 بدعوة من الخارجية الروسية، وبرعاية تنفيذية من قبل معهد الاستشراق الروسي، ممثلا بشخص مديره، المستعرب القدير، البروفيسور فيتالي نعومكين.
وبالرغم من ذلك، يرى العديد من متابعي الشأن السوري أن فرص النجاح أمام “موسكو 2” ليست معدومة، سواء لجهة شد عصب المعارضة الديمقراطية، أم لجهة فتح ثغرة صغيرة في الجدار الذي ينتصب حائلا دون التقدم على طريق الحل السياسي التفاوضي في جنيف تحديدا، لما باتت تحمله جنيف (الوثيقة والمكان) من رمزية لا يبدو أن المعارضة في وارد التفريط بها قبل أن تلمس بعض الاجراءات العملية لخلق، وتعزيز، حالة من الثقة بين الطرفين، تسمح لها بقبول الانتقال إلى مكان آخر.
الجانب الإيجابي الأهم للقاء “موسكو1″، هو الحوار الذي جرى على مدى يومين بين أطراف مختلفة من المعارضة السورية، و”ممثلي المجتمع المدني”، من شيوخ العشائر، وقياديي أحزاب مرخصة ترعاها السلطة. لقد طرحت كل الأطراف رؤاها وتصوراتها لواقع الحال في سورية، وسبل الخروج من الوضع الكارثي الذي تعاني منه كافة فئات الشعب. وفضلا عن ذلك، استغل بعض الحضور هذه المنصة، الحرة فعلا، لتفريغ شحنات، عنيفة وصادمة، مما يعتمل في دواخلهم من مشاعر سلبية تجاه آخرين.
تجدر الإشارة إلى ما يمكن اعتباره اتفاقا عاما حول ضرورة البدء بما لا يثير خلافا بين أطراف المعارضة، ومن ثم السعي للبناء عليه في الجوانب السياسية، أي الانطلاق من الملفات الإنسانية، كموضوع المعتقلين والاسرى والمخطوفين، والإغاثة، والتخفيف من العقوبات التي تُلحق الأذى ببسطاء السوريين أساسا. بينما الأمر الأهم في الجانب السياسي، كان تشديد معظم المشاركين في اللقاء على حتمية الحل السياسي وفق وثيقة “جنيف1″، والمضي في التشاور والتحاور وصولا إلى التفاوض في “جنيف3”. وكان لحضور وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والكلمة التي ألقاها، وقع طيب في نفوس الحاضرين، خاصة لجهة تأكيده على الحل السياسي وفق وثيقة جنيف.
الحصيلة المتواضعة لـ”موسكو1″ تمثلت، إذن، بحوار أطراف المعارضة فيما بينها، وما جرى في اليومين الثالث والرابع بحضور وفد النظام السوري، لجهة “كسر الجليد” بين الطرفين، بحسب تعبير العديد من المشاركين في اللقاء. هذه الحصيلة، وإن كانت لا تشجع أي مراقب على توسيع دائرة توقعاته لما قد يسفر عنه “موسكو2″، فهي لا تلغي احتمالات أخرى غير ملموسة، أو غير مرئية، حتى الآن. وعلى أية حال، جاءت تلك الحصيلة منسجمة تمام الانسجام مع ظروف الدعوة للقاء الأول ، بما هو تشاوري، غير ملزم، بين شخصيات لم تكن تتوقع منه الكثير.
أما الاحتمالات الأخرى، التي قد تشكل (ولو من الناحية النظرية) اختراقا في المعضلة الكارثية التي تتفاقم يوما بعد آخر، فسوف تتعزز أكثر وأكثر تبعا لما ستسلكه الأطراف المعنية استعدادا وتحضيرا لـ”موسكو2″. ونعني بذلك الراعي الروسي، والمعارضة، والنظام. السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن هنا، يتعلق برؤية الجانب الروسي والطريقة التي سيتبعها في مقاربة المسألة.. فهل سيوسع دائرة المدعوين؟ أم سيقتصر،أولا، على دعوة مجموعة عمل، تكون أكثر انتاجية وقدرة على البحث وتقريب وجهات النظر؟ هل سيوجه الدعوات، هذه المرة، للتنظيمات كجهات اعتبارية تقوم، هي، بتسمية وفودها؟ وهل سيضع جدول أعمال للقاء بالتنسيق مع المعارضة، فضلا عن النظام؟ وباعتباره وسيطا، هل سيحصل من النظام على ما يشي باستعداد الأخير للتعامل الندي مع المعارضة كشريك فعلي في عملية البحث عن حل للأزمة التي آلت إليها أوضاع سورية.
وبشأن المعارضة، تبرز أسئلة هامة حول فرص مشاركتها بشخصيات قيادية من النسق الأول، تمثل أوسع طيف فيها.. وعما إذا كانت عقدة “الإئتلاف” ستحل، بحيث يشارك بوفد وازن، يضع مع الأطراف الأخرى، حدا لحملات الطعن بوحدة موقف المعارضة وتمثيليتها؛ وعن إمكانية اتفاق أطراف المعارضة الرئيسية على برنامج الحد الأدنى للاستمرار في الحوار مع النظام.
لا يختلف اثنان بشأن التنسيق بين الجانب الروسي والنظام السوري، فروسيا حليفة للنظام، ولا تخفي دعمها له في وجه المعارضة المسلحة. ولكنها، في الوقت نفسه، لا تفوت فرصة للبحث عن إطر للحل السياسي ترضي الطرفين، أي النظام من جهة، والمعارضة بأطيافها المختلفة من جهة ثانية. وبعد مرور عام على فشل “جنيف2″، يبدو من أداء الجانب الروسي أنه قد استجمع الحد الأدنى، على الأقل، من عناصر النجاح لإطلاق عملية سياسية (تشاورية- حوارية – تفاوضية)، ولو أن من العسير التكهن بمآلاتها التي تبقى مرهونة بالإرادة السياسية، وبالتوافقات الدولية، وبموازين القوى أولا وأساسا. موازين القوى هذه لا تعني حسابات الربح والخسارة في المعارك الدائرة على الأرض بالسلاح، فالجميع تقريبا باتوا يقرون بحتمية الحل السياسي. إن تعديل موازين القوى المتوخى، والمقصود، يندرج تحديدا، في المجال المتعلق بمدى القدرة على تحقيق التفاف شعبي، واضح وفاعل، حول ما يبذل من مساع على طريق الحل السياسي، وإنهاض حاملٍ جمعي لمشروع، أو برنامج، سلمي يضع البلد على سكة الخروج من الأزمة. وفي هذا الباب، ستبقى وحدة التصور والموقف بين أطياف المعارضة المختلفة تنظيميا، الخطوة التي لا بد منها لكسر حالة الجمود، وتجاوز الآثار السلبية لعزوف الكتلة الشعبية عن السياسة، ومن ثم لضمان انخراط “الأغلبية الصامتة” في العملية السياسية، تبنيا لهذا الحل، ومساندةً لدعاته والناشطين من أجله. ويتوقف النجاح في “موسكو2” أيضا، على مدى جدية، وفاعلية أطراف المعارضة، وحسن إعدادها الوثائق الضرورية، والملفات التي يجب بحثها، بدءا بملف المعتقلين والأسرى والمخطوفين.
ومما لاشك فيه أن الوضع الدولي الراهن لا يخلو من عوامل تضعف الأمل بتحقيق اختراق ما، وخاصة الموقف الأمريكي الذي لا يصب في خانة الحل السياسي، بل يشجع بعض أطراف المعارضة على مواصلة القتال. ومن جهة أخرى، هناك الموقف الإيراني الداعم بقوة للنظام السوري، ما قد يغريه على المضي في تعنته وإصراره على الحل العسكري- الأمني. ولا نستبعد أيضا الاحتمالات المتوقعة، سلبا أم إيجابا، لمعالجة ملفات ساخنة أخرى كالوضع في أوكرانيا، والبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الغربية على روسيا… جميع هذه المسائل، بتعقيداتها، وتطوراتها المحتملة، قد تلقي بظلالها على مسار الأزمة السورية، وسبل حلها، بما في ذلك لقاء “موسكو2”.
ربما أمكننا القول إن لقاء “موسكو1” كان تمرينا أوليا، وخطوة صغيرة على طريق شائك طويل مليء بالعوائق والمطبات. وثمة الآن عوامل أساسية لا بد منها لضمان النجاح في “موسكو2″، أهمها:
1 . موقف متماسك، ورؤية واضحة موحدة، لأطراف المعارضة السورية تنظيماتٍ وشخصياتٍ مستقلة.
2 . إجراءات ملموسة من قبل النظام لإثبات حسن النية، وتوفير مناخات الثقة.
3 . موقف روسي يضمن المستلزمات الضرورية لجدوى الاستمرار في التشاور والحوار، وصولا إلى مرحلة التفاوض.
4 . موقف أممي – اوروبي – أمريكي، مؤيد، او غير مشاكس على الأقل.

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة, المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: