أمل لسوريا الحزينة

عبد الحليم قنديل- القدس العربي
الذي يجري في سوريا فاق خيال الشياطين، فلم نعد بصدد قمع وحملات اعتقال وتعذيب وحشي، بل بصدد تدمير بلد بكامله، وتحطيم البشر والحجر، وبأفظع مما جرى في أي حرب أهلية سبقت في التاريخ الإنساني.
انتهت سوريا الجميلة الوديعة إلى مسارح خراعبدالحليم قنديلب، شرد نصف السكان، الذين هاموا ويهيمون على وجوههم بحثا عن ملجأ أمان وكسرة خبز، فيما ظل النصف الآخر من السكان تحت الخطر، مقهورا خائفا من قوافل الموت المستعجل.
وقد قلناها من بداية التحول إلى المأساة، قلنا إن الفارق كبير بين الثورة في سوريا والثورة على سوريا، بدأت الثورة كاملة الأوصاف سلمية، واستمرت كذلك على مدى تسعة شهور كاملة إلى نهاية 2011، بدءا بانتفاضة أطفال «درعا» الباسلة، وإلى مواكب المظاهرات التي تدفقت إلى الشوارع والميادين، تحلم بسوريا جديدة ديمقراطية وطنية عادلة، ولم تكن من حيرة واردة وقتها في موقف مراقب منصف، فالشعب المظلوم ينتفض ضد قلة طائفية ديكتاتورية نهابة، لكن الربيع السوري سرعان ما انطفأ، وذبلت أوراقه ويبست وروده، وتوارت مشاهد الثورة في سوريا، وحلت مشاهد الثورة على سوريا، فقد تصرفت جماعة بشار الأسد على طريقة شمشون، ورفعت شعار «الأسد للأبد.. أو نحرق البلد»، وهرب الأسد من أزمته إلى الأمام، وأشعلها حربا أهلية طائفية لا تبقي ولا تذر، واستدعى للساحة السورية شياطين الإنس والجن، وبصورة طمست زهو الثورة وأحلامها، وأحلت الكوابيس التي لم ترد في خيال، ولا طرأت على البال، اختفى صوت الثورة المغدورة، ولم نعد نسمع غير أصوات البوم، واستدعت وحشية الأسد صورا أفظع من الوحشية، تنافسه في القتل وتمزيق سوريا، وبدا أننا أمام حديقة ديناصورات مرعبة، لم ترحم حتى آثار التاريخ الباقية في سوريا من آلاف السنين، وتضاعف خطر محو سوريا من خرائط الجغرافيا، وانتهينا إلى مباراة في «الدعشنة» الدموية، «دعشنة» «داعش» و»النصرة» وإخواتهما، تباري «دعشنة» ما تبقى من النظام السوري، وحصيلة قتل سنوي تفوق ما جرى في فلسطين المحتلة على مدى سبعين سنة، ولو استخدم كيان الاغتصاب الإسرائيلي مخزون قنابله الذرية، ما كان بوسعه أن يدمر سوريا كما جرى على يد الأسد وفصائل ما يسمى بالمعارضة المسلحة.
لا نتحدث عن مؤامرات في الخفاء، بل عن خطط على الهواء، جارية سارية بالقتل والدمار كل يوم في سوريا، جعلت وطن العروبة الحبيب جثة تحت الردم، وبدون تعاطف مستحق مع أي طرف في الحرب المجنونة، فكلهم يلغون في الدم، ويمزقون لحم سوريا والسوريين، وكلهم في نار الدنيا والآخرة سواء، فهم يديرون حربا كافرة، لا تستبقي إيمانا ولا شبهة إيمان، لا بالديمقراطية ولا بالعدالة ولا بوحدة سوريا، وتأملوا من فضلكم ملامح الأطراف المتحاربة على الأرض، بقايا نظام لم يسقط نهائيا بعد، وهو ليس أكثر من عصابة طائفية شيطانية، تقابلها على مسرح الحرب عصابات أكثر شيطانية وعنصرية، لا يرفع أحدها علم الثورة الديمقراطية، ولا حتى اسم «الجيش السوري الحر» الذي تبددت ريحه وتفرقت زمره، بل حلت عصابات قتل ونهب محترف، يتخفى أغلبها وراء أقنعة إسلامية مراوغة مزورة، لا ترعى في سوريا إلّا ولا ذمة، وتتحدث كلها عن خلافة موهومة، وتتدرج في وحشيتها، من الإخوان إلى «النصرة» إلى «داعش»، فالدعشنة هي أعلى مراحل تطور الحركة الإسلامية، وكما كان لينين يقول يوما إن «الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية»، فقد بدت «إمبريالية داعش» كأنها الطور الأخير في تاريخ ما يسمى بحركات الإسلام السياسي، وبدت «خلافة داعش» الوحشية كأنها الجنة الموعودة لشباب الإسلاميين، وهو ما يصب في مصلحة الديكتاتورية الحاكمة في دمشق، التي تجد في جنة «قطع الرؤوس» الداعشية عونا لتبرير بقائها جاثمة فوق الرؤوس.
ثم ماذا بعد؟ هل تبقت من فرصة للتغيير الديمقراطي؟ وهل ظل من أمل وارد في إنقاذ سوريا الحزينة؟ واستعادة أحلام الصبوات الأولى للثورة ووقف دواعي الانزلاق إلى التحطيم اللانهائي لما كان أجمل أقطار الأمة العربية؟ كلها أسئلة برسم اللحظة الملتبسة، التي لا تبدو فيها من فرجة ولا كوة نور، يحرق ظلام ليل سوريا الطويل، فلا فرصة تلوح لوقف الحرب بالحل العسكري، لا النظام قادر على النصر، ولا هو آيل للسقوط القريب، خصوصا مع دعمه المتصل بعصابات طائفية تنافس «داعش» في وحشيتها وطائفيتها المقيتة، ومشاركة إيران الفعلية في الحرب إلى جانب بشار، ومخازن السلاح الروسي المفتوحة لحساب عصابة دمشق، وما من فرصة بالمقابل لنصر تحققه ما يسمى المعارضة المسلحة، التي حظيت بمليارات الدعم الخليجي، وبإسناد السلاح الأمريكي لجماعات بعينها، وبرغبة أردوغان الحارقة الجارفة في تحطيم سوريا بالكامل، وضمها لخلافته «العثمانلية»، وهو ما يشبه أمل إبليس في الجنة.
نعم، لا حل بالسلاح في سوريا، ولا بديل عن حل بالسياسة، ثم أن الحل بالسلاح، وبافتراض إمكانه المستحيل، لا يبقي على سوريا التي نعرفها وطنا واحدا موحدا، ولا يفتح طريقا إلى مستقبل تطمئن إليه النفس السوية، فالأطراف المتحاربة كلها تستحق اللعنة، وتبدو أسيرة لشهوة التدمير والخراب، وتحويل سوريا إلى ملاعب حرب كونية لا تنتهي، وهو ما يستوجب التوقف والتبين، وإعادة فرز الصفوف من جديد، وعزل جماعات الخراب، واستعادة سيرة الثورة الأولى، وتغليب العقل على الدمار، وبلورة معارضة وطنية ديمقراطية، لا تستبقي عملاء المخابرات الدولية في الواجهات السياسية، ولا المعارضين من نزلاء فنادق الخمسة نجوم في عواصم التآمر، ولا المؤيدين المدمنين للتدخل الأجنبي من أي صنف ولون، ولا المتورطين في «عسكرة الثورة» وتزييف روحها، ولا الداعمين لفظا وعملا لميليشيات الإرهاب.
ولا يخفى على أحد حال المعارضة السياسية السورية، الراغبة في تغيير واستبدال النظام، وهي موزعة بين معارضة المنافي، والمعارضة المرتكزة أساسا على الحضور في الداخل السوري، الأولى يمثلها «الإئتلاف السوري»، والثانية تمثلها «هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي»، وقصة الإئتلاف معروفة ومشهورة، وقد تكون برعاية أجنبية مالية وسياسية، تكون أولا في صورة «المجلس الوطني»، ثم أضيفت إليه أطراف أخرى، فأصبح اسمه «الإئتلاف»، وكان على الدوام مسرحا لخلافات لا تنتهي بين أطرافه، حسب تقلبات وسياسات الرعاة المتنافسين، وانتهى إلى السكن المقيم في تركيا أردوغان، التي تدعم هيمنة فصيل الإخوان، وإقصاء التيارات الديمقراطية، وبما انتهى إلى التنفير المتزايد من الإئتلاف نفسه، ونزوع وجوه قيادية بارزة كبرهان غليون ومعاذ الخطيب إلى التحرك في إطارات أخرى، واهتزاز صورة إئتلاف، لم يعد قادرا على تأليف صفوفه ولا تنظيم خلافاته، وعلى العكس بالضبط من الطرف الآخر الجوهري التأثير في المعارضة السورية، وهو «هيئة التنسيق»، التي احتفظت بصلابتها التنظيمية، وبدعم أحزاب المعارضة التاريخية الرئيسية في سوريا، التي كونت من عقود صيغة «التجمع الوطني الديمقراطي»، وناهضت بثبات نظام الأسد الأب والأسد الابن، وتعرض قادتها لأشد صنوف التنكيل والاعتقال والتعذيب، واتسع نطاق أطرافها الفاعلة مع نشوب الثورة السورية، وقادوا موجتها السلمية الديمقراطية الأولى، وكونوا «هيئة التنسيق» كإطار جامع لقوى الثورة القديمة والجديدة، ورفضوا التدخل الأجنبى و»عسكرة الثورة»، وتعالوا على اغراءات واستمالات الجهات الأجنبية، وقبضوا على الجمر وفقر الموارد والتعتيم الإعلامي، وتحملوا عنت عصابة بشار الأسد، والاعتقال الدوري المتصل لقياداتهم المركزية، ومذابح القتل التي طالت العديد من قياداتهم الميدانية، وصاروا صوت التغيير الأنقى في سوريا الراهنة، الذي لم تتلطخ يده بالدماء، ولا تلوثت روحه بالتورط في مسايرة الطامعين الأجانب، وهو ما يجعلهم الطرف الأحق بطرح «خطة طريق» لإنقاذ سوريا من جرائم النظام والمعارضة «المدعشنة».
نعم، لا تزال أحلام الإنقاذ ممكنة، رغم كل الذي جرى، ونقطة البدء – فيما نظن – جذب الأقسام الديمقراطية من الإئتلاف إلى خطة «هيئة التنسيق»، وتكوين معارضة سياسية سلمية قادرة موحدة، وتوحيد الخطاب مع شركاء «خطة جنيف» الدولية لصياغة انتقال ديمقراطي سلس، وزيادة جرعة «تعريب الحل السوري» باستدعاء دور قيادي مؤثر للقاهرة، فليس أجدر ولا أقدر من مصر الجديدة في بلورة ورعاية حل يوقف خراب سوريا.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: