تحية لرجاء الناصر في ذكرى اعتقاله الاولى

p18_20140128_pic1 (1)

موقع هيئة التنسيق يعيد نشر هذه المقالات بمناسبة مرور عام على اعتقال المناضل رجاء الناصر

طريقنا طويل يا رفيق

هيثم مناع*

 من المؤلم أن يتحدث المرء عن صديق ورفيق درب وهو في المعتقل، خاصة والجميع يعرف الفراغ الذي تركه كل معتقل من المعتقلين والمعتقلات الذين تركوا بصماتهم ورأيهم في الوجدان والوعي السياسي لغير المعتقلين. فكم من مرة لم أقرر في موضوع قبل أن أسأل نفسي: ما هو رأي عبد العزيز الخيّر صديق الطفولة ورفيق النضال من هذه القضية؟ ما هو رأي إياس عياش هذا المناضل العصامي في عائلة مناضلة وقفت ضد منظومة الاستبداد لعقود؟ ما هو موقف الشباب وموقف مناضل مثل الغائب الحاضر ماهر طحان من موضوع مثل وفد المعارضة إلى مؤتمر جنيف؟ في أي زنزانة تنام زوجته يارا فارس اليوم؟ وأين هي أليس مفرج بعد توقيفها قبل أيام في عين المكان الذي منه خطف رجاء الناصر؟ هل يمكن أن نكون أمناء لكل المعتقلين والمخطوفين دون أن نسأل النفس عن مواقفهم في مواقف صعبة وحرجة من تاريخ سوريا؟ وهل من الشجاعة أن تستشرس أي سلطة في العالم على مناضلين ديمقراطيين اختاروا المقاومة المدنية سبيلاً ورفض الطائفية والمذهبية بكل أشكالها تعريفاً لمواطنيتهم ورفض التدخل الخارجي بانسجام كامل مع مفهومهم للوطن والسيادة؟ هل يحق لسلطة في الكون تدّعي مواجهة الإرهاب مواجهة الحركة السياسية المدنية داخل حدودها بالإرهاب عينه؟ كيف يتمكّن سجّان الوطن والمواطنة من أن ينام قرير العين أو أن يتحدث في الدفاع عن الوطن والمواطن؟ أليس وجود المعتقل المدني والمعتقل السلمي في السجون، والمرء يتحدث عن عشرات آلاف الأشخاص وليس فقط القياديين المعروفين، وصمة عار في وجه تسلط لم يعرف غير السيف والنطع وسيلة للتفاوض مع معارضيه؟

لا أنسى وأنا أتحدث مع رجاء عند فقدانه ابنه طارق تماسك المناضل ورباطة جأش الأب. لا أنسى جلسات الحوار مع باقي أطراف المعارضة في القاهرة في خريف 2011 يوم كان رجاء يحاور بأخلاق الحوار والحرص على الوطن. لا أنسى كيف بصقت في وجه ذاك التافه الذي تحدث عن معارضة الداخل «الواقعة تحت سقف النظام» ورفضت متابعة الحوار معه فقال لي رجاء: «أنا سأتابع معه هيثم علينا التعامل معهم بأخلاقنا لا بأخلاقهم». كيف دافع عن قيادي في المجلس الوطني اتهم رجاء بالتعامل مع المخابرات بالقول: «كلنا ضحايا والضحية أحياناً تتحدث بانفعالاتها لا بعقلها».
كم ضحك يوم قرأ في أحد المواقع «الثلاثي عبد العزيز الخير ورجاء الناصر وهيثم مناع يسيطر على هيئة التنسيق»، وقال: لو يعرف هؤلاء أننا نذرنا أنفسنا لقضية وأن احترامنا لحسن عبد العظيم والمكتب التنفيذي أكثر من أي شيء آخر لكانوا تعلموا درساً في الديمقراطية بدل إضاعة الوقت بنسج مؤامرات وهمية في العالم الافتراضي».
جمع أبو طلال بين الكفاءة التنظيمية والكفاءات السياسية. لذا كنا نسميه دعابة «الحارس الأمين للنظام الداخلي» لأنه انتخب لمنصب أمين السر في معظم تجاربه السياسية والمدنية. ورغم كل بؤس الأوضاع امتلك القدرة على الجمع بين إيمان بالله وحرص على الواجبات الدينية وفهم حديث ومتنور للدين وعلاقته بالمجتمع.
وفي أكثر اللحظات محاصرة بالوقت والمواعيد كنا نسرق لحظة لإنسانيتنا في جلسة مقهى أو سماع مقطوعة موسيقية أو قراءة كتاب.
دربنا طويل يا رجاء ولقاؤنا قريب، نحن بانتظارك، ستأخذ بضع ساعات إجازة مع العائلة، ثم نعود لاستنفارنا الذي تعودت عليه.

—————————————————————————————————-

رجاء كما عرفته… مسكون بالعروبة وفلسطين وسوريا

محمد سيد رصاص*

السياسيون يعرفون بعضهم البعض سماعاً أو مباشرة. عرفت رجاء الناصر عبر السماع أولاً، وهو ما استغرق ثلاثة عقود حتى بداية عام 2008 عندما التقينا مباشرة. لفت نظري وجوده، رغم كونه لم يتجاوز سن الثانية والعشرون، في اللجنة القيادية المصغرة لـ«حزب الاتحاد الاشتراكي العربي» إثر اعتقالات أيار 1968، وذلك في حزب كان يضم آنذاك عشرات الآلاف من الأعضاء، ثم مشاركته الفعالة كعضو في اللجنة المركزية لحزب الاتحاد في معارضة دخول «الجبهة الوطنية التقدمية» في آذار1972 أمام الأمين العام للحزب الدكتور جمال الأتاسي.

وهو ما أسفر عن كفتي ميزان متعادلتين داخل تلك الهيئة القيادية قبل أن يميل الوزن الشخصي للدكتور الأتاسي الكفة لصالح الدخول في تلك الجبهة مع حزب البعث الحاكم. بعد هذا اتجه الناصر نحو تأسيس «التنظيم الشعبي الناصري» بين عامي 1978 و1980، ثم يتركه أيضاً إثر انشقاق عام 1985 قبل أن يعود لصفوف «الاتحاد» في أوائل التسعينيات. كان ملفتاً للنظر عندي قدرة الحركة الناصرية السورية على الانشقاق ثم التلاقي بين كتلها المتباعدة، وهو ما يفتقده الشيوعيون السوريون والبعثيون، فيما يشارك الناصريون، في ذلك، كل من «الإخوان المسلمون» في سوريا و«القوميون السوريون». كان انطباع القياديون في «الحزب الشيوعي السوري- المكتب السياسي»، الذين يمثلون الحزب في «التجمع الوطني الديمقراطي»، الذي هو إطار تحالفي مع «الاتحاد» منذ 1979، بأن الأستاذ رجاء الناصر سياسي متميز من حيث الامكانيات التنظيمية والسياسية، بعد احتكاكهم معه في فترة 2001 – 2003. كان لافتاً بالنسبة لي معارضته لتوقيع حزب «الاتحاد» على وثيقة «اعلان دمشق» في 16 تشرين أول 2005. تعرّفت عليه في اللاذقية في شهر كانون ثاني 2008 عندما أتى ممثلاً لحزبه، لكي يحضر جلسة في بيت الأستاذ فاتح جاموس ضمّت العديد من الأحزاب السورية والشخصيات المستقلة. شكّلت نقطة البدء لمحادثات استغرقت حتى تموز 2010 من أجل تشكيل «الخط الثالث» بين خطي السلطة و«اعلان دمشق». وقد أتت البداية تلك بعد أربعين يوماً من انشقاق «اعلان دمشق» في جلسة 1 كانون أول 2007 بين الليبراليين الجدد «ومعهم اسلاميون وأكراد» وبين الناصريين في «الاتحاد» والماركسيين في حزب «العمل الشيوعي»، ومعهما أكراد في «الحزب اليساري الكردي». خلال تلك السنتين ونصف السنة من الجلسات، التي بلغت الثلاثين تعرفت على الأستاذ رجاء الناصر، وقد لفت نظري براغماتيته، وقدراته التفاوضية، وجمعه بين حدي التصلب والمرونة.
شكلت محادثات «الخط الثالث» النواة لتشكيل «هيئة التنسيق» بعد ثلاثة أشهر من بدء الأزمة السورية. في العمل الديبلوماسي، الذي دخله المعارضون السوريون لأول مرة مع نشوب الأزمة، كان من القلة الذين أتقنوا ذلك المجال الجديد. وفي المفاوضات التي استغرقت سبعة وثلاثون يوماً في القاهرة حتى توقيع اتفاق 30 كانون أول 2011 بين «الهيئة» و«المجلس الوطني» كان متميزاً هو وعبد العزيز الخيّر وهيثم مناع بالقياس إلى مفاوضي «المجلس»، الذي قام مكتبه التنفيذي بعد يوم واحد بنقض توقيع رئيسه برهان غليون.
من خلال الجلسات الشخصية مع رجاء لمست كم هو مسكون بالعروبة وفلسطين وسوريا، وأعرف من خلال هذا لماذا فضّل عيشة الكفاف في مقر الهيئة، الذي كان يسكن فيه، على المغريات المادية التي عرضت عليه في الشهر الأخير من عام 2012 لكي يترك «الهيئة» ودمشق ويصبح مثل الكثيرين من المعارضين السوريين في الخارج، الذين أصبحوا مرتهنين لدول وأجهزة ونمط حياة باذخة بعيداً عن كل ما يجري في بلادنا الجريحة والمتألمة.

—————————————————————————————————

 من طينة القادة الكبار

منذر خدام*

حقيقة؛ أجد صعوبة كبيرة في الحديث، عداك عن الكتابة، عن أشخاص بعينهم، مديحاً لهم بصورة خاصة، خشية الوقوع في فخ التملق أو المداهنة، أو أن اتهم بهما، لكنها شهادة للتاريخ أتحمل مسؤوليتها. وعموماً يستطيع كثير ممّن سوف يقرؤون هذه الشهادة معايرة الصدق فيها، لأنّ الموضوع يتعلق بشخصين معروفين على نطاق واسع في سوريا.
لقد تعرفت إلى الدكتور عبد العزيز الخير والأستاذ رجاء الناصر من خلال العمل المشترك معهم في هيئة التنسيق، قبل ذلك كنت أسمع بهما فقط، فوجدت فيهما كل صفات ومزايا القادة الوطنيين الكبار: التواضع، والذكاء، وحضور البديهة، والإحاطة المعرفية، والرصانة في الحديث، والاندفاع للعمل بلا كلل، والشعور العالي بالمسؤولية، والمصداقية…

لم يعرف عنهما المجاملة في جميع المسائل التي كانت تعرض على المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق، بل المسؤولية العالية. لقد شغل الخير مسؤوليات عديدة في قيادة الهيئة، كان آخرها، ترأسه لمكتب العلاقات الخارجية، في حين شغل الناصر رئاسة مكتب العمل اليومي، ورئاسة مكتب أمانة السر في المكتب التنفيذي. إضافة إلى ذلك فقد كانا يشاركان في الوفود الخارجية للهيئة، وفي اللقاءات التي كانت تجريها مع زوارها من الدبلوماسيين الأجانب، إلا في حالات نادرة، لسبب بسيط يتعلق أساساً بالكاريزما التي كانا يتمتعان بها.
للأسف الشديد لم يدم عملي المشترك مع الخير أكثر من نحو عام ونصف العام بسبب اعتقاله من قبل مخابرات النظام، لكنها كانت مدة كافية لتكوين ما سردته عنه من انطباعات. أما بالنسبة للأخ رجاء فقد رافقته مدة أطول، إذ لم يعتقل إلا منذ نحو شهرين من قلب دمشق، وكان يتحضّر للقيام بزيارة خارجية في جنيف، مع الأخ هيثم مناع. وبحكم كوني كنت أنام غالباً في مقر الهيئة حيث كان يسكن وينام الأخ رجاء، فقد سمح لي ذلك أن أتعرف إلى جوانب شخصية أخرى من طبيعته. لقد تعجبت من قدرته على المثابرة على العمل، فما إن ينتهي اجتماع المكتب التنفيذي الذي كان يستمر غالباً لمدة تزيد عن الساعات الست، ويغادر أعضاء المكتب المقر، حتى ينكب على صوغ محضر الاجتماع، والقرارات التي اتخذها المكتب التنفيذي، وكذلك البيان الصحفي الذي سوف يوزع على الصحفيين في المؤتمر الصحفي الدوري للهيئة الذي دأبت على عقده بعد كل اجتماع، وذلك بحكم كونه أميناً للسر. وعندما كنت أطالبه بأن يأخذ قسطاً من الراحة، كان يجيبني أنه لا يستطيع أن يرتاح إلا بعد أن ينجز كل العمل المطلوب منه. وكان يضيف، بشيء من الدعابة، ثم عليّ أن استفيد من وجودك لمراجعة ما سوف أكتبه. كان رجاء يتميّز بقدرة كبيرة على صوغ بيانات المكتب التنفيذي ومحاضر اجتماعاته والقرارات التي أتخذها، شديد الحرص على التقيّد بما تم الاتفاق عليه حتى ولو كان غير مقتنع به في بعض الأحيان. وما إن يقدم لي ما يكتبه لأراجعه، حتى كان يبادرني بلهجته الحلبية المحببة: «خيو بين ما تراجعهم… أنا رح حضر العشا». وعندما كنت أهم لمساعدته كان يأمرني، نعم يأمرني، لأجلس لقراءة ما كتبه، وكنت في بعض الأحيان أجد نفسي مضطراً لإطاعته. الدكتور عبد العزيز الخير من مدينة القرداحة، وهو من عائلة معروف في الساحل السوري، حكم عليه بالسجن لمدة اثنين وعشرين عاماً، في عهد حافظ الأسد، قضى منها نحو ثمانية عشر عاماً في سجون النظام، بتهمة عمله السياسي والوطني في إطار حزب العمل الشيوعي. أما الأستاذ رجاء الناصر فهو من مدينة حلب، التي عمل فيها قاضياً لسنوات عديدة، عرف عنه خلالها بالنزاهة، وهو الآخر زار سجون النظام مرات عديدة. ورغم بعد المسافة بين حلب والقرداحة واختلاف البيئات التي عاش فيها كل من عبد الخير ورجاء، واختلاف الإيديولوجيات التي يؤمنان بها، إلا أنهما، في ذاتهما، يمثلان قادة وطنيين كبار من بلدي، غيّبهم نظام مستبد ظالم في أقبية سجونه، في وقت، بلدهم في أمسّ الحاجة إليهم. عبد العزيز الخير ورجاء الناصر تليق بكما الحرية.

—————————————————————————————————-

أحد رجالات النضال الوطني السوري

 محمد مروان غازي*

رجاء الناصر هو أحد رجالات السياسة السورية في العقود الثلاث الماضية، وهو ذو تاريخ كبير في مجالات مختلفة. فهو القاضي الذي عمل لسنوات في المحاكم العمالية في دمشق، وكانت قراراته في غالبيتها تصب في مصلحة العمال ونتيجة لقناعاته ووقوفه المبدئي إلى جانب العمال وحقوقهم.

ثم هو المحامي الناجح الذي عمل بجدّ من أجل اثبات وجوده في المهنة واستمراره بالدفاع عن الحقوق، بعد أن أجبر على تقديم استقالته من القضاء من قبل الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت.
وهو السياسي البارز في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي العربي منذ أن كان طالباً في المرحلة الثانوية، معتنقاً الفكر الناصري منهجاً في الحرية والاشتراكية والوحدة. وخاض نضال مرحلة الستينيات من أجل إعادة الجمهورية العربية المتحدة، وانتقل النضال الوطني بعد هزيمة حزيران 1967 إلى مرحلة إزالة أثار العدوان، والتي اقتضت إقامة جبهة وطنية من أجل تنفيذ شعار «كل شيء من أجل المعركة»، فكان أن واجه النظام هذه الجبهة باعتقال قيادات العمل الوطني، ومنهم قيادات حزب الاتحاد الاشتراكي العربي.
بعد خروجه من حزب الاتحاد قام الناصر بتشكيل التنظيم الشعبي الناصري، وكان على رأس قيادته إلى وقت ملاحقة التنظيم عام 1986، حيث جرت اعتقالات كبيرة في صفوف التنظيم شملت معظم قياداته والعديد من كوادره الأساسية، وتوارى الناصر عن الأنظار مع بعض القيادات المتبقية داخل وخارج القطر.
ولم يمنع التواري من عمله على إعادة الحياة لهذا التنظيم، وقد نجح في ذلك وعاد هذا التنظيم إلى الفعل السياسي مما لفت نظر أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي لنشاطه وجرى ترشيحه لعضوية التجمع.
وكان رأي المرحوم الدكتور جمال الاتاسي، الذي كان أميناً عاماً لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي وبنفس الوقت أميناً عاماً للتجمع، أنّ من الخطأ وجود تنظيمين ناصريين في التجمع ودعا إلى وحدة التنظيميين، وهو ما تمّ فعلاً.
وعاد الأستاذ رجاء ومعظم أعضاء التنظيم إلى صفوف الحزب الأم للحركة الناصرية السورية، ومارس عمله ضمن هذا الحزب حتى تاريخ اعتقاله وكان عضواً في مكتبه السياسي وأميناً للجنته المركزية.
وبقي الناصر يمارس دوره السياسي في العمل الوطني السوري حتى قيام الثورة السورية، وكان حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي من أوائل من وقف إلى جانب الثورة مع معظم أحزاب التجمع الوطني، معلنين ومطالبين باستمرار المسيرة السلمية للثورة. وكان الناصر وقيادات من الحزب والتجمع في طليعة التظاهرات والاعتصامات التي كانت تجري في حلب الشهباء، وكان يلقي الخطب الموضوعية التي تعبّر عن أهداف الثورة السورية.
وأمام استمرار الثورة ومحاولة حرفها عن بوصلتها وأهدافها وجرّها إلى التسلح وظهور الدعوات الطائفية والمطالبة بالتدخل الخارجي، تداعت القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية إلى عقد المؤتمر التأسيسي لهيئة التنسيق الوطنية، وكان الناصر من اللجنة التحضيرية للمؤتمر وفي لجنة الصياغة، ثم عضواً في المكتب التنفيذي وأخيراً أميناً للسر فيها. ومن خلال موقعه ساهم في الاعداد وانجاح المؤتمر الوطني لإنقاذ سورية.
ولم يمنعه عمله السياسي عن ممارسة الكتابة، فكان من الكتّاب السياسيين الناجحين، إضافة لذلك كان له بعض المؤلفات مثل كتاب ثقافة المقاومة وملفات القضاء وكتاب دلالات الواقع العربي.
كذلك ساهم الناصر في تأسيس الجمعية الأهلية لمناهضة الصهيونية أثناء العدوان الصهيوني على غزة، وكان رئيساً لمجلس إدارتها لمدة أربع سنوات ثم انتخب رئيساً لهيئة المؤسسين فيها.

———————————————————————————————————–

 علمنا كيف نقول «لا»

اسرة رجاء الناصر*

الكتابة عن رجاء الناصر الأب والزوج لا تختلف عن الكتابة عنه كمناضل. حبه اللامحدود لوطنه يتقاطع مع حبّه لرفيقة دربه، وتكريس حياته لإعلاء كلمة الحق انعكس على تربية أولاده. العطاء كلمة تصفه بامتياز في جميع علاقاته الاجتماعية، زوج، أب أو أخ. وتلخيص مسيرته في الحياة والنضال السياسي اجحاف بحقه، فهو مولد الطاقة الايجابية لكل من حوله، وهو تاريخ وطن في الكفاح وهو كتاب في العروبة والحريات. ليس من السهل تلخيص 50 عاماً من النضال، فحياة رجاء الناصر هي تأريخ للحياة السياسية في سوريا كجزء من الوطن العربي.

حبّه واندفاعه للدفاع عن الوطن والقومية العربية لم يكن حيّز من حياته، بل كان هو مسيرة حياة كاملة. إن أول كلمة «لا»، وأول تظاهرة كانت في الانفصال عام 1961. كيف لا والوحدة العربية هي منتهى أمل كل عربي شريف.
عام 1971، واجه رجاء العدو الصهيوني… هناك فقط يعلو صوت السلاح، فهو الجهاد المقدس، والملازم الأول رجاء، الذي ينتظر مولوده الأول، كان على خط الجبهة المباشرة.
وبعد الحرب عاد إلى العمل السياسي، حيث رأى في اتّباع نهج جمال عبد الناصر وفكره أسلوب حياة مجتمعي لسوريا عربية أفضل، وخط واضح لمقاومة الكيان الصهيوني.
عام 1983، ورغم كونه قاضياً، لم يمنع ذلك من اعتقاله على خلفية نشاطاته السياسية وموقعه القيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي. خلال عامين تتالت الاعتقالات في الحزب، مما دفعه إلى الغربة القسرية عن وطنه.
بعدهل، لم يكن لبنان، الأقرب إلى البلد، محطة توقّف، فالعمل السياسي عمل عروبي بالمرتبة الأولى، والأهداف المرجوة تشمل جميع المجتمعات العربية. فهو خلال 15 عاماً قضاها هناك كان أيضاً من رجال الصف الأول في الحزب.
عام 2000 كان قرار العودة، ورغم ادراكه لجميع الاحتمالات، عاد مستمراً في النضال السياسي، فكانت الجمعية الأهلية لمقاومة الكيان الصهيوني، وكانت الجمعية الأهلية للدفاع عن العراق.
عام 2011 لم تكن الثورة الشعبية بعيدة عنه، فهو ثائر منذ عقود، لكن خبرته ومبادئه هي التي وضعته على أرض صلبة واضحة المعالم: لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الأجنبي، نعم للتغيير السلمي للنظام.
أبى أن يغادر الوطن، معتبراً أنّ بقاؤه، حتى مع التهديدات التي طالت حياته، هو الخيار الأفضل، وما كان اعتقاله أمر مستبعد على قسوته، لكنها أيدي غدر وغباء.
نحن أسرة البطل نعتز ونفتخر بالحر الأستاذ رجاء الناصر، ونشدّ على متابعة مسيرته في النضال السلمي… رحم الله شهدائنا وأفرج عن معتقلينا ونصر كل مظلوم وانتقم من كل من سعى لدمار الوطن.

————————————————————————————————

 عن الهيئة وكوادرها: إنهم يصنعون الأمل

زهرة شامية*

من الواضح أنّ ثمّة قراراً لدى النظام بإضعاف «هيئة التنسيق»، وإبعادها عن المسرح السياسي والتفاوضي. الملفت في الموضوع أنّ الحملة ضد الهيئة تأتي في سياق هو الأكثر تعقيداً منذ فترة، فالسلطة «لم يسبق لها» طيلة الأزمة أن تعرّضت للمعارضة الوطنية الداخلية بهذا الشكل، وحين اعتقل عبد العزيز الخير ورفيقاه إيّاس عياش وماهر طحّان قبل سنة ونصف السنة من الآن لم تكن الأمور قد وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. حينها لم يكن مطروحاً أصلاً الذهاب إلى التفاوض حول المرحلة الانتقالية، وبالتالي بدا مفهوماً أن لا تكون الخشية كبيرة من أطراف مستقلّة كالهيئة.

أطراف تطرح نفسها كبديل عن النظام والمعارضة الخارجية المرتبطة بالغرب والخليج معاً. وهذا بالضبط ما نقلنا إلى المرحلة التالية من الصراع حيث الخشية من المستقلّين هي العنوان الأساسي. فهنا توارت العوامل الداخلية لصالح أخرى خارجية، وهذه الأخيرة تملك من فائض التمويل ما يجعلها تبتلع الداخل ولا تستلبه فحسب، ولأنّها خارجية بالكامل ومنبتّة الصلة بالحراك المدني الديمقراطي في الداخل لم تجد في مواجهتها إلّا جسماً صلباً وصعب المراس يسمّى هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي. طبعاً، فهذا جسم غير مرتبط عضوياً بقوى إقليمية ودولية كما هي الحال مع معارضات أخرى، ولا يعنيه بالأساس تحصيل مكاسب خاصة أو سلطوية من موضوع التواصل مع الخارج. جلّ ما يفعله أنّه يستخدم نفوذه المعنوي ورصيده الأخلاقي والنضالي للضغط على رعاة النظام والمعارضة الخارجية من أجل إيجاد هوامش تسمح بنقل الصراع من حيّزه الحربي العبثي إلى الحيّز السياسي. ولذلك يبدو معنيّاً أكثر من غيره بموضوع التفاوض على المرحلة الانتقالية، فمع التفاوض على نقل السلطة تنفتح قنوات بقيت مسدودة طيلة سنوات ثلاث، ويصبح ممكناً معاودة العمل النضالي على الأرض. وهذا ما لا تريده الأطراف المهيمنة على المشهد حالياً، سواء داخل السلطة أو داخل المعارضة الخارجية. ويترجم ذلك لجهة النظام عبر الإسراف في عمليات الاعتقال وتحويلها من عملية انتقائية وعشوائية إلى عملية منهجية تستهدف تصحير البنى الأساسية للمعارضة الداخلية وتصفية كلّ رموزها الميدانيين. يحدث ذلك بالتوازي مع احتدام الصراع ميدانياً، والانتقال به إلى حيّز تجميع الأوراق وتسليمها للراعيين الروسي والأميركي. صحيح أنّ الهيئة لا تتبع سياسياً لأيّ طرف خارجي، وأنّها أكثر ندّية بكثير من الآخرين في علاقتها مع الخارج، وخصوصاً روسيا وإيران، إلا أنها تفهم الممكنات السياسية جيداً وتوظفها في خدمة النضال الميداني داخل البلد. على هذا الأساس تتصرّف الهيئة في علاقتها مع روسيا، فهي بخلاف الائتلاف والمجلس الوطني سابقاً لا تملك أوهاماً حول قدرة الشعب وحده على إرغام النظام على التراجع، وخصوصاً في ظلّ وضعية الانقسام التي تحكم عملياً الوضع في البلد وتخضعه لآلياتها. ولذلك بدت حركة الهيئة منذ البداية أكثر عقلانية في التعاطي مع الحقائق الدولية الجديدة. وهذا ما حاول رئيس هيئة التنسيق في الخارج هيثم منّاع إيضاحه للسوريين، والمنتفضين منهم بالتحديد، بالقول إنّ التوجه إلى روسيا أفضل وأكثر جدوى من التعويل على الغرب. بدا الأمر معقولاً وممكناً بالفعل مع تنظير الرجل ومن معه للمسار السياسي ووضعه شعارات الهيئة الثلاث في واجهة نضالها الميداني: لا للتدخّل الخارجي، لا للطائفية، لا للتسلّح. لكن مع الوقت ومع انعطاف الصراع أكثر فأكثر باتجاه الحرب أصبحت الهيئة محرجة تجاه قاعدتها الاجتماعية والسوريين عموماً، ولم يعد ممكناً التعويل على نظريّتها القائلة بالضغط على النظام عبر حلفائه ورعاته الدوليين. بدأت القصّة بالتحوّل مع اعتقال عبد العزيز الخيّر ورفيقيه اياس عيّاش وماهر طحّان أثناء عودة الأول من زيارة «رسمية» ومعلنة له إلى حليف السلطة الآخر: الصين. وما لبثت أن تمدّدت باتجاه المستويات الميدانية والقاعدية (رامي هنّاوي)، قبل أن تتكرّس وتتجذّر نهائياً عشيّة «جنيف 2» كنهج وحيد في تعامل السلطة مع الكوادر الميدانية لهيئة التنسيق (رجاء الناصر، يارا فارس، عمر الشعّار، عمر عبيد، أليس مفرّج…). ليس ثمّة غرابة في الأمر كما نتوهّم، فمسار الصراع كان سيفضي في النهاية إلى هنا، وهو ما كان على الهيئة أن تتوقّعه وتتحوّط له، فهي لا تتعامل حاليّاً مع سلطة تقليديّة يمكن الضغط عليها كيفما كان، وإلّا لماذا تكون الحرب أساساً. بهذا المعنى يصبح مفهوماً أن يصرخ الرجل الرصين والشجاع هيثم منّاع على المنابر احتجاجاً على همجية النظام واعتقاله لرفاقه وأبناء شعبه. فهذا هو كل ما يملك أن يفعله إزاء السلطة في طورها الوحشي الحالي. أمّا لماذا لم يعد يقدر على فعل المزيد فلأنّ طبيعة السلطة نفسها قد تغيّرت، وبالتالي أصبح كلّ الرفاق وليس هيثم وحده عاجزين عن إجبارها على تعديل موقفها من المعارضة الوطنية في الداخل. لهذا السبب أيضاً لم تعد استراتيجية الهيئة تصلح لقراءة الواقع الذي خلقته الحرب وعدّلت في وقائعه، هذا من دون أن نتحدّث عن التعامل معه ونقله إلى أروقة «الدبلوماسية الدولية»!
ما يحدث هنا أننا تخطينا جنيف بشقيه الأول والثاني منذ فترة، ودفنّاه حتى قبل أن يولد. وهذه قراءة يتوافق عليها طرفا الصراع الأساسيين: النظام والمعارضة المسلّحة بفصائلها المختلفة. على هيئة التنسيق وباقي أطراف المعارضة الوطنية في الداخل أن تفهم ذلك، لأنّها إن لم تفعل، ستبقى تدفع الثمن لوحدها ومن عرق كوادرها وأعصابهم وصحّتهم. وعندها سيصبح المزيد من التعويل على روسيا و«مونتها على السلطة» إسرافاً ليس في الأحلام فحسب، وإنما في الأوهام أيضاً. الآن تأكل الحرب من سلطة المعارضة المسلّحة، وفي انتظار أن تنهيها قريباً لا بدّ من توقّع شيء مماثل بالنسبة إلى النظام. حينها فقط، وبعد أن تنهي الحرب دورتها، يمكن التعويل مجدداً على الدبلوماسية وعلى الهوامش التي ستخلقها وتجعلها متاحة أمام الجميع، بمن فيهم هيئة التنسيق وكوادرها الشجاعة والصامدة في سجون السلطة.

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: