الشباب السوري.. تحديات وآمال

نور واكينور واكي
ضمن صعوبة المشهد السوري وما يتخلله من انقسامات سياسية، وتنامي لظواهر التعصب والتطرف التي تسحب المجتمع السوري مئات السنين للوراء، وأطراف تعمل على وأد أي مشروع وطني أو حركة تحرر وتدفع البلاد لأحضان القوى الدولية المناهضة لطموحات الشعب السوري، ونظام سياسي حاكم أوغل في غرس أظافره في جسد سوريا وعاث في البلاد وأهلها قتلا وتدميرا وتهجيرا. اليوم و من بين كل الملفات المطروحة للبحث والدرس والتناول العام، يبدو ملف ” الشباب السوري” أسوة بغيره من الملفات الملحة بحاجة ماسة لقراءة واقعه بتأن، وذلك لخطورة ما تتعرض له هذه الفئة من استغلال و استهلاك في أتون الحرب المشتعلة وما تواجهه من تحديات إن كانت على الصعيد الحياتي والمعيشي أو على الصعيد الوطني والفكري والأثر الذي ستتركه هذه التحديات على سوريا المستقبل وعماد قوتها “الشباب” الذي فجر ثورة مجتمعية قلبت حالة المساكنة مع الإستبداد والتأخر الحضاري الذي عاشته البلاد إلى حالة من الكفاح ضد ديكتاتورية الحزب الواحد وفساد السلطة من أجل استعادة دوره ومكانته في قيادة دفة المجتمع واللحاق بركب الدول التي حققت نهضتها العلمية والصناعية والثقافية وأسست أنظمتها الديمقراطية التي تحفظ الحقوق والحريات وتصون كرامة المواطنين. إذ غدا الشباب أسيرا لحالة التشتت والتشظي التي تعصف بعموم المجتمع وجوانبه، ومحطما تحت مطرقة متطلبات الحياة وسبل العيش التي تضيق يوما إثر يوم.
أسهمت حركة العنف المتواترة التي اجتاحت البلاد منذ مايقارب الثلاث سنوات ونصف في استنزاف سريع لهذه الفئة العمرية الشابة ، تراوحت اشكال الاستنزاف بين الموت والنزوح واللجوء والهجرة. لم تلبث هذه الفئة الشبابية السير قدما في تأطير ذاتها من أجل تحقيق أهداف الثورة الوطنية “والتي شكل الشباب عمودها الفقري” رغم عنف النظام وحلوله الأمنية والعسكرية التي انتهجها ،حتى تم الإلتفاف عليها و ثم إحكام القبضة على حركتها الثورية عبر تشكليلات سياسية ‘معارضة’ قامت في الخارج ،امتلكت المال والإعلام و ادعت تمثيل الشارع السوري الثائر وفشلت وسرقت ذلك المنجز التاريخي وحرفته عن مساره وانقلبت على شعاراته وأهدافه الأولى وولدت حركة مناهضة ومضادة للحركة الأم في الإتجاه و الأهداف. عندها تحول الشباب السوري من باذل للتضحيات ثمنا للحرية والبناء إلى وقود لحرب طاحنة تستهلكه وتتقاذفه وتتلاعب بمصيره.

ماذا حل بصانع الحدث و سيده؟؟
لدى الحديث مع أي شاب سوري عن الحال الذي هو فيه، تحدثك عيناه قبل فمه عن حالة الإحباط و اليأس من الواقع الذي يعيشه والخوف والقلق اللذان يؤرقان حياته نتيجة غياب أي أفق مستقبلي يشعره بالطمأنينة والهدوء النسبيين. فالخيارات أمامه تنحصر إما في جبهات قتال مستعرة تلتهم كل من يقترب منها، أو مناطق تسيطر عليها المجموعات المسلحة المعارضة والتي تعاني من ندرة فرص العمل، وغياب المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد عدا عن الخدمات الحياتية الأخرى إضافة إلى وجود شبح الموت القادم عبر الحدود، وإما مناطق تخضع لسيطرة النظام لكنها محظورة عن ألوف مؤلفة منهم بسبب سياسة الإعتقال والملاحقات الأمنية التي تنتظرهم حال تفكيرهم بالعودة إلى جامعاتهم ومعاهدهم ، و الموت الذي يتصيدهم ويتصيد أسرهم في كل حين و أينما حلوا في البلاد.

جراء تلك الحالة الكارثية التي تواجه الشباب السوري اتجه قسم كبير منهم إلى دول الجوار باحثين عن فتات مستقبل ضاع من بين أيديهم و عما يمدهم بأمل البقاء وسبل العيش .لكن عبثا ترتد عليهم محاولاتهم!!!، حيث يقعون في أغلب الأحيان فريسة الإستغلال والقهر في دول الجوار، ويضطرون للعمل بأجور زهيدة وظروف مذلة في أماكن لا تتناسب وقدراتهم وإمكانياتهم وما خططوه لمستقبلهم، إما من أجل إعالة أنفسهم أو عائلاتهم، ويضيع حلم الكثيرين منهم في العودة إلى مقاعد الدراسة لعدم توفر الإمكانات المادية لذلك في ظل غياب شبه كامل لمن يرعى شؤونهم ويرشدهم.

بعد أن غصت بهم مخيمات اللجوء، وعبست في وجوههم دول الجوار، وأحكمت أبوابها الدول العربية الشقيقة والممالك، لم يبقى أمام هؤلاء الشباب سوى الإتجاه نحو القارة الأوربية التي هي الأخرى لم تترك لهم خيار سوى سبيل الهجرة غير الشرعية وطرقها الخطرة والمكلفة، و رغم المسالك الخطرة للوصول إلى هناك عن طريق زوارق الصيد(قوارب الموت) عبر قطع آلاف الأميال في البحار أو السير في الغابات والجبال والطرق الوعرة الممتلئة بقطاع الطرق والمافيات عدا عن الوحوش المفترسة وكوراث الطبيعة كالبرد والصقيع والسيول الجارفة، إضافة إلى التكلفة الباهظة التي يتحملونها من أجل دفع المال للسماسرة والمهربين وتجار البشر حيث يلجؤون للاستدانة وبيع ممتلكاتهم من أجل الحصول على المال.

قلة قليلة من الشباب استطاع النجاة من الإنهيار الكبير، وقلة استطاعت المنظمات الإنسانية ذات الشأن مد يد العون لهم واحتضانهم. ويبقى الكثيرون عرضة لضياع الفكر والرؤية الوطنية الجامعة، وصعود مفاهيم ماقبل “وطنية” والتي صارت جزء من الحديث اليومي للشباب وبالتالي جزء من الوعي المتشكل. مما يعطي انطباعا قلقا عن المستقبل الذي ستواجهه سوريا على صعيد بناء الدولة ومؤسساتها بقواها الشبابية.

والمؤسف هو غياب أي حديث عن هذه الطبقة التي أضحت فئة “أقلية” مستهدفة لا أحد يهتم بمستقبلها الفكري أو السياسي أو الثقافي أو العلمي و المهني، ولا نجد من يدق ناقوس الخطر ويستشعر فداحة المشكلة من السياسيين والشخصيات الوطنية والتشكيلات السياسية والأحزاب أو حتى منظمات المجتمع المدني أو نشطاء السلم العالمي. فلا بيانات ولا نداءات تنبه إلى عظم معانات الشباب والخطر الذي يتعرضون له و إلى أين تسير بهم السبل!!. هل سيطول الإنتظار لطرق أبواب هذه المعضلة أم ستبقى حبيسة صدور الشباب و مخاوفهم ورهينة لنتائج مؤتمرات لم تسمن ولم تغني من جوع حتى الآن !!

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن موقف ورؤية هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة, أقلام شباب الهيئة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: