دي ميستورا والمهمة شبه المستحيلة

منذر خدام

“منذر خدام”
وصل أخيراً الموفد الدولي الجديد ستيفان دي ميستورا إلى دمشق يوم الثلاثاء الواقع في 9/9/2014 مدشنا انطلاق مهمته التي كلفه بها الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون، وقد أجرى لقاءا مع الأسد ووزير خارجيته، كما أنه التقى وفودا من معارضة الداخل. دي ميستورا هو الموفد الدولي الثالث الذي يخلف السيد كوفي عنان الموفد الأول ومن ثم السيد الأخضر الإبراهيمي الموفد الثاني، وكلاهما كانا في الوقت ذاته موفدين دوليين وعربيين، في حين السيد ميستورا قد تحرر من التكليف العربي له. لقد وضع السيد كوفي عنان في حينه ما صار يعرف بالخطة ذات النقاط الست، والتي حملت اسمه لاحقاً، وفق تراتبية معينة للأولويات التي ينبغي أن يعمل عليها، مستفيدا من مشاورات أجراها مع جميع الأطراف المعنية بالأزمة،مع ذلك لم يستمر في مهمته أكثر من ستة أشهر ليعلن بعدها فشله بعد أن اقتنع باستحالة نجاحه في انجازها نتيجة لوجود جدار صلب من الإعاقات التي وضعت أمامه سواء من قبل النظام أو من قبل الدول الإقليمية أو البعيدة، وحتى من بعض أطراف المعارضة السورية. باختصار لقد فشل كوفي عنان لأنه لم تكن توجد في حينه إرادة دولية تدعمه لكي ينجح وقد اكتشف ذلك بنفسه مبكرا فاستقال احتراما لتاريخه الدبلوماسي الطويل ولسمعته.
لقد خلف السيد الأخضر الإبراهيمي كوفي عنان في مهمته، وهو أيضا من الشخصيات الدبلوماسية الدولية المرموقة، لكنه هو الآخر اضطر للاستقالة منها بعد نحو سنة وستة أشهر من مباشرته لعمله. ومع أن الظروف التي بدأ فيها الأخضر الإبراهيمي عمله على انجاز مهمته كانت ملائمة نسبيا، بالمقارنة مع سلفه كوفي عنان، خصوصا لجهة وجود مرجعية متفق عليها من قبل نحو خمسة عشر دولة عربية وإقليمية من بينهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن التي شكلت في حينه مجموعة العمل من أجل سورية، والتي صدر عنها خارطة طريق مفصلة لكيفية حل الأزمة في سورية والتي صارت تعرف ببيان جنيف1، لكنه اكتشف لاحقاً أن الإرادة الدولية لحل الأزمة لم تنضج بعد، إضافة إلى استمرار النظام والمعارضة بتمسكهما بخيار الحسم العسكري.، أو نفي احدهما الآخر .في الواقع كان الأخضر الإبراهيمي قد اكتشف ذلك في وقت مبكر أيضا، وكان يريد الاستقالة قبل ذلك بكثير، لكن حرصه على الشعب السوري كما قال، ورهانه على أنه يمكن أن يقدم له شيئا ينقذه من الكارثة المحتمة التي يقوده إليها نظامه و دول أجنبية عديدة، حالت دونه وما يرغب. ومع أن السيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة كان شديد الحرص على بقائه في مهمته، ووعده بأنه سوف يبذل ما باستطاعته لتذليل العقبات من أمامه، خصوصا لجهة اختلاف تفسير بيان جنيف1 بين الروس والأمريكان، وإزالة الغموض من بعض فقراته، لكن الأخضر الإبراهيمي استقال أخيراً. رغم كل شيء يسجل له نجاحه في عقد جولتين من المفاوضات بين وفد يمثل النظام ووفد من الائتلاف المعارض المدعوم دولياً .
لقد تغيرت الظروف كثيراً اليوم في المنطقة، وعلى الصعيد الدولي، وصارت أكثر تعقيدا وتناقضاً، وهي في مجملها تشير إلى استحالة نجاح دي ميستورا في مهمته. بداية انفجرت الأزمة في أوكرانيا وصار الروس خصما سياسياً لأمريكا بدلا من كونهم شريكا في العملية السياسية المتعلقة بسورية ، وبالتالي من الصعوبة بمكان أن يشاركا معاً من جديد في تأمين الغطاء السياسي لمسار جنيف التفاوضي بين النظام والمعارضة السورية. وأكثر من ذلك، ونتيجة لأحداث أوكرانيا، صار الروس أكثر تشددا في دعمهم للنظام، وتبني خياراته السياسية، خصوصا لجهة دعم خيار تفاوضي جديد يسميه النظام ” سوري- سوري ” بعيدا عن مسار جنيف.
من جهة أخرى، صارت قوى الإرهاب متمثلة بداعش والنصرة وغيرها من القوى المرتبطة بالقاعدة، أو بغيرها، تهدد جميع دول المنطقة خصوصا بعد سيطرة داعش على مساحات واسعة من العراق وسوريا، وبذلك تقدمت أولويات جديدة على مسار العملية السياسية في سورية. للوهلة الأولى يبدو أن خطر الإرهاب الذي وحد المواقف الدولية والإقليمية والعربية لمواجهته، وجعل أمريكا تنخرط بصورة مباشرة لمحاربته، وقامت بتشكيل تحالف دولي لهذا الغرض، استنادا إلى القرار 2170 الصادر عن مجلس الأمن بالإجماع، وفق الفصل السابع، سوف يعمل على تنشيط الحل السياسي للأزمة في سورية، ويسهل مهمة دي ميستورا، باعتبار أن الصراع الجاري فيها يشكل مفرخة لقوى الإرهاب المحلي والدولي، لكن الواقع يقول غير ذلك. فجبهة محاربة الإرهاب ليست محكمة، بل فيها ثغرات كثيرة، فلتركيا مثلا وجهة نظر، وها هي روسيا وإيران، قد بدأتا في إعاقة الحلف الأمريكي ألأنتي داعشي بذريعة مخالفته للقانون الدولي وعدم التنسيق مع نظام الأسد. ومن جهة ثانية فإن إستراتيجية الولايات المتحدة لمحاربة داعش في سورية تلحظ بقاء الصراع مفتوحاً معها على الأقل لمدة ثلاث سنوات ، كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي باراك أوباما. بل هناك قراءة سياسية أمريكية تقول بأنه لا ينبغي القضاء على داعش في سورية حتى لا يصب ذلك في مصلحة النظام، بل ينبغي استخدامها للضغط عليه، على الأقل إلى حين إعادة تشكيل الجيش الحر وتقويته.
على المقلب الآخر فقد قرأ النظام قرار مجلس الأمن الدولي2170 على أنه برهان على صحة مواقفه، وهذا يدفعه للتشدد في رفض مسار جنيف السياسي، ولذلك بدأ يروج لما يسمى بالحوار “السوري –السوري”، كختام لعملية القضاء على الإرهاب، ومن ثم انجاز المصالحات الوطنية، وتحدث بذلك مع الموفد الدولي دي ميستورا. واللافت أن الروس يدعمون هذا المسعى الجديد، ويتحدثون مع كثير من قوى المعارضة بهذا الخصوص، ويروجون لإمكانية التحضير لمؤتمر يجمع الأطراف السورية المعنية في موسكو.
إن السيد ستيفان دي ميستورا يتحرك في حقل من الأشواك الفولولاذية ، عليه أن يقتلعها واحدة واحدة، لكنه في الغالب الأعم سوف يفشل!!

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: