نقد التطرف الإسلامي وأسبابه.. جدال بن أفليك وبل ماهر نموذجاً

نبراس دلولnebras thinking

لا أخفي إعجابي بالممثل والمخرج الأميركي بن أفليك لناحيتين, الأولى تتعلق بموهبته في كتاببة السيناريو والتي ظهرت بشكل واضح منذ العام 1997 في فيلم Good will hunting, اما  الناحية الثانية  فتتعلق بكونه من القلائل في الطيف الهوليودي ” إن لم نقل العالمي” الذي يشارك في نقاشات الشأن العام بطريقة الناشط والمتابع المتفهم لمايقوله والذي لا “يحشر نفسه” فيما لايعرف كعادة الممثلين والمغنين.

 قبل أيام, شاهدت كما الكثيرين حول العالم الحلقة الجدالية من برنامج  Real Time  الذي يقدمه الإعلامي الأميركي بل ماهر على شبكة HBO. من خلال الحلقة إياها نكتشف نمطين لطريقة التفكير وألية التعاطي مع التطرف الإسلامي الذي يشهده عالمنا المعاصر. فمن طريقة بل ماهر وضيفه الأخر (الكاتب سام هاريس) التي تعتبر التطرف الإسلامي هو نتيجة الإسلام كعقيدة وبالتالي لايمكن للغالبية العظمى من المسلمين إلا ان يكونوا متطرفين وإرهابيين, إلى طريقة بن افليك التي تعتبر أن لاوجود “لمشكلة” عند المسلمين وهم ” ظراف وأوادم” .

 نواجه في المجتمعات الإسلامية الإنقسام ذاته الذي شهدته حلقة بل ماهر وبن أفليك. فمن طيف علماني (ليبرالي ويساري) يهاجم وينتقد الإسلام من خلال النص المقدس, إلى طيف اوسع بكثير يمثله عوام المسلمين بغالبيتهم وادواتهم الإعلامية والسياسية الذين ينكرون حقيقة وجود مشكلة في الإسلام المعاصر الذي يحمله مسلمون معاصرون.

 لم يوفق بن أفليك في الرد على بل ماهر منهجياً بل إنسانياً وأخلاقياً, فالأخير لطالما استخدم وضيفه في الحلقة مصطلح Mainstream ,الذي يعني السمة العامة او التيار العام الظاهر, في وصف حال المسلمين اليوم في تطرفهم في محاولة لمنع بن افليك من ان يتهمه بالتعميم “العنصري”. تفوق بن أفليك على مضيفه من خلال نزع صفات كثيرة تلصق بالمسلمين ” أصالةً” في الوقت الذي حاول بل ماهر ” تأصيل ” تلك الصفات.

 بين مرجعية النص ومرجعية المنظومة:

حتى في عالمنا الشرق اوسطي يتم دائماً الهجوم على تطرف المسلمين من خلال المرجعية للنص المقدس, وهذا مايقوم به علمانيون كثر للأسف. إلا أن إستقراء التاريخ يعلمنا شئ مهم في نقد الحركات الفكرية والأيديولوجية الكبرى وهو ضرورة النظر إليها على انها منظومات وليست نصوصاً فقط!!

 أن ننظر الى الإسلام كمنظومة هذا يعني: النص المقدس والناس المؤمنين به وألية تطبيقهم له في صيرورتهم عبر السنين. حيث أن الزمن والناس الفاعلين فيه يلتحمون شيئاً فشيئاً مع النص وهذا ماينتج: الدين الإسلامي. هذه الفكرة لايمكن فهمها إلا من خلال مقارنتين, الأولى هي مقارنة ما انجزه أتباع الإسلام مقارنةً مع اتباع بقية الايديولوجيات الكبرى في العصور الوسطىو اما الثانية فهي المقارنة مع الشيوعية.

في المقارنة الأولى: عندما نتهم النص بأنه السبب الرئيسي لتخلف المسلمين المعاصرين وتوجههم نحو الإرهاب فإن ذلك يجب أن ينطبق على كل مسلم في كل زمان ومكان وخصوصاً الزمن القديم ( حيث لاوجود للانسان إلا بالدين). فهل إنجازات المسلمين في العصور الوسطى لناحية تحقيق مجتمعات متطورة يزدهر فيها الفن والعمارة  والتعايش بين الاديان ,وبعض الأحيان المذاهب ,والرقي في المأكل والملبس ( تجاهلت الإنجازات في العلوم قصداً) في حين أن بقية المجتمعات في الهند وشرق أسيا وأوروبا لم يكن طموح الفرد فيها , تلك الأيام, سوى الخروج في ساعة محددة من النهار لصيد أرنب والعودة الى منزله او جحره بانتظار اليوم التالي!! اذاً النص ليس عائقاً, وإن أكثر النصوص رجعية أو اكثرها تقدمية لايمكن إلا أن يكون طرف في معادلة طرفها الأخر المتلقي وألية تلقيه وتبنيه لها.

 في المقارنة الثانية: في كل العالم المعاصر اليوم, يتم الهجوم على الشيوعية من خلال شخوص مثل ستالين وكيم ال سونغ وماوتسي تونغ وبول بوت ووالخ. ولكن بما ان الهجوم على الإسلام يتم من خلال الهجوم على مرجعية النص اذاً لماذا لايتم نفي صفات كثيرة بشعة عن الشيوعية كونها لم ترد في النص المرجعي لها!!

إن السبب الذي يدعو للهجوم على الشيوعية من خلال شخوص ستالين وكيم ال سونغ وبول بوت  هو ببساطة أنهم  باتوا جزءا من المنظومة, وألية تطبيقهم للنص هي وجه واقعي لايمكن للإنسان المعاصر إلا أن يستحضره في عقله وهو يقرأ النص المرجعي ( والتي هي مجمل كتابات وأفكار كارل ماركس وفريدريك أنجلس). فمهما كانت كتابات ماركس وانجلس مشبعة بالانسانية والحس الحضاري فإن ذلك لم يمنع من ان ترتكب مجازر باسم تلك الكتابات الانسانية دفاعاً عنها وتطبيقاً لها.

 اذاً مرجعية النص , ومهما كان هذا النص انسانياً “كأفكار ماركس وإنجلس”, لايمكن أن يحول بالضرورة دون أن يكون رجعياً وربما دموياً في تطبيقه, وكذلك الحال بالنسبة للقرأن , كتاب المسلمين المقدس, فعلى الرغم من اعتبار تضمنه لنصوص تدعو للقتل والسبي وتدفع المسلم نحو ان يكون ارهابياً فإنه لايمكن أن يحول بالضرورة دون ان يكون ايجابياً وربما تقدمياً في تطبيقه..والسبب في هذا وذاك هو طرف المعادلة الأخر كما ذكرنا قبل قليل.

 إن أي فكرة في العالم يجب أن ينظر لها وأن تخضع للنقد بوصفها منظومة يتداخل فيها النص مع المؤمنين به المنفذين له المطبقين لأفكاره, ويدخل في ذلك ايضاً مجمل مساهماتهم ” وهم معتنقي لأفكار النص” وسعيهم في الحضارة إن سلباً أم ايجاباً.

 بالعودة الى المشكلة:

لايعترف الكثيرون من التيار التقدمي واليساري والليبرالي أضف اليهم  شرائح واسعة من  المسلمين بواقع وجود مشكلة عند أبناء الإسلام المعاصر. وهم للأسف مشغولون في اثبات عدم أصالة الارهاب والتطرف في النص الديني للمسلمين ( وعلى الجانب الأخر يقف نقاد الإسلام بنفس العقلية وكلاهما مشغول بتأصيل ذلك من عدمه).

نعم, للإسلام المعاصر مشاكله الكثيرة التي تمنع أتباعه من تحقيق التقدم والاهتمام بالتعليم واستثمار فرص الحياة لتأمين الإستقرار والراحة لهم في حياتهم. هناك مشكلة في نظرة جزء كبير من المسلمين للديمقراطية الحديثة وهناك مشكلة في نظرت غالبية المسلمين للتعايش مع الأخر الذي يجب ان يكون اما تابعاً أو ذمياً, وهناك مشكلة عند معظم المسلمين اليوم تتعلق بحرية المرأة ومشكلة رابعة او خامسة تتعلق بالحريات الفردية والإجتماعية ..كل هذه المشاكل موجودة ولايمكن التغاطي عنها ( كما يفعل صديقنا بن أفليك عن نية طيبة) ولكن أيضاً لايمكن أن نسلم الأمر للنص المقدس ياصديقنا ماهر!!

 لابد من محاصرة كل تلك المشاكل عن طريق تضافر جهود الأنتلجنسيا الإسلامية من جهة مع طبقة سياسية متنورة من جهة أخرى. وبالنظر لواقع الحال اليوم, فإنه يستحيل تحقيق كل ذلك دون العمل على إنهيار الإستبداد السياسي وتحقيق ديمقراطية , ولو بالحد الأدنى, تسمح بتحقيق تنمية اقتصادية تكون حاجزاً امام النزيف الجماعي نحو التطرف.

ومن واقع الحال أيضاً, لايمكن النظر الى تلك الأدوات كصيغة جاهزة أو كصيغة بذاتها!! فالعمل على انهيار الاستبداد السياسي يجب أن لايكون عن طريق قيام دول مجاورة بعسكرة هذا العمل وإغراق الاوطان بأسلحة ميليشياوية يستخدمها من هم ليسوا أنصار النقيض من الإستبداد السياسي. هنا, لا اجافي الحقيقة ان قلت ان العمل على انهيار الاستبداد في ليبيا وسوريا, مثلاً , قد أتى بنتائج عكسية, فإن كنا في السابق نقول ان محاصرة مشاكل العالم الإسلامي تحتاج في ظل وجود الأنظمة الإستبدادية الى عقود قليلة أو ربما سنوات, فإن الأداة التي يراد بها اسقاط تلك الانظمة قد جعلتنا نتطلع الى مئة سنة قادمة كحد ادنى للقيام بهذه المهمة!! فاليوم يلزمنا حركة تنويرية دينية كالتي قامت في القرن التاسع عشر واستمرت مفاعيلها الى السبعينيات من القرن العشرين.

 أيضاً, لايمكن النظر الى التنمية الإقتصادية على أنها الورقة الأهم في وقف نزيف المسلمين نحو التطرف! فمن تجارب متعددة , أهمها في ليبيا والسعودية , يتبين لنا أن عدم توازي الرفاهية الإقتصادية مع وجود هياكل للديمقراطية , ولو بالحدود الدنيا, تسمح بمشاركة شرائح واسعة من تلك المجتمعات المرفهة في السياسة وامور الشان العام والتأثير بها يعود بنتائج عكسية ولايمنع نزيف شبابنا نحو التطرف بل إنه يزيده.

 هناك جملة من السياسات يجب التفكير بها والعمل على تحقيقها في المجتمعات ذات الصبغة الإسلامية وذلك لمنع نزيف الشباب نحو التطرف وعدم الفاعلية الحضارية. وعلى الرغم من ان الخط العام لتلك السياسات هي ما ذكرناه أعلاه  إلا أن سياسات فرعية تنشأ عنها وهي  تختلف من بلد لأخر. فلمنع تحول الشباب الصومالي نحو التطرف تنشأ حاجة ماسة الى النظر في قضية تمكين الصوماليين من التحكم بمياههم الإقليمية, ولمنع التطرف في فلسطين تنشأ حاجة ماسة لإيجاد الدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس, وفي السعودية لايمكن وقف كون هذا البلد هو احد أبرز المنتجين للإرهابيين في العالم دون العمل على تغيير المناهج التربوية والتعليمية التي تعتبر أهم سبب لنزيف الشباب السعودي نحو التنظيمات الارهابية في العالم. اذاً سياسات بخطوط عامة تتمثل بالديمقراطية والتنمية والوعي الحضاري يتفرع منها سياسات فرعية تعالج خصوصية مشاكل  كل بلد وكل مجتمع هي كلها سلة واحدة يجب أن يؤخذ بها من قبل شرائح المتنورين ومن قبل صناع السياسة والأحداث السياسية في العالم محلياً ودولياً ( وهذا جزء من مشكلة النظام العالمي الجديد ) في سبيل محاصرة نزيف المسلمين نحو التطرف.

 طبعاً إن أي فكرة متطرفة في العالم وعبر التاريخ لايمكن القضاء عليها نهائياً وكل مايمكن فعله هو محاصرتها والعمل على عدم تأثر الأجيال الشابة بها. إن الإرهاب والتطرف هو حبيس فكرة ما ستبقى موجودة في عقل فرد أو اثنين او مجموعة أفراد وهي بذلك تستحيل التأثير على مجتمعات بأكملها, هي فقط تؤثر عندما تنتشر ولاتنتشر إلا في غياب الشروط الموضحة اعلاه: الديمقراطية والتنمية الإقتصادية والوعي الحضاري. كما انها لاتنتشر إلا في حضور الإستبداد وغياب التنمية الإقتصادية وحضور الجهل.

اليوم, وبعد أكثر من 60 سنة على محاكمات نورمبرغ, لازال بالإمكان ان تجد بضعة نازيين عنصريين قتلة في ألمانيا ولكن يستحيل ان يؤثروا في مستقبل الشعب الألماني طالما انه يحقق مستقبله المتقدم استناداً الى سياسات تمنع تحول تلك ” البضعة” الى ظاهرة ..فتأثير.

               Nebras-uk@hotmail.com

التصنيفات : أقلام شباب الهيئة, المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: