ولـ”داعش” فضائلها أيضاً

منذر خدام

” منذر خدام”

كانت” داعش” أو ” الدولة الإسلامية” اسمها الجديد الذي استقرت عليه، مجرد خبراً من الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام المختلفة في سياق تغطيتها للصراعات المسلحة في العراق وسورية، ، لكنها أخذت تملأ الفضاء الاعلاميي، وتشغل الأوساط السياسية الدولية والإقليمية والمحلية، خصوصا بعد ” هبتها” في العراق وطرد الجيش العراقي من أغلب مناطق غرب وشمال ووسط العراق وسيطرتها عليه‘ إضافة إلى تمددها في سورية وسيطرتها على محافظة الرقة، وعلى أغلب محافظة دير الزور، إضافة إلى مناطق هامة من محافظة حلب، وهي اليوم منتشرة في مختلف مناطق الصراع المسلح بين قوات الجيش السوري والمعارضة المسلحة، بل وصل بعض أذرعها العسكرية إلى لبنان،ـ وتهدد الأردن، وحتى المملكة العربية السعودية. إنها كالطاعون أسماً على مسمى من شدة الرعب الذي تذرعه في النفوس، وما تتركه من أثار في كل منطقة تدخلها على شكل دماء غزيرة تسيل،ورؤوس مقطوعة، ليس فقط من خصومها المقاتلين الذين تأثرهم بل من المدنيين، وخصوصا المخالفين لها في العقيدة والمذهب. واللافت أن كثير من المقاتلين الأجانب، من جنسيات مختلفة ومنها جنسيات أوربية، يقاتلون في صفوفها يغذيهم حلم طوباوي بإمكانية قيام دولة الخلافة الإسلامية من جديد.
إن الحديث عن مثالب داعش يطول وقد قيل وكتب عنها الكثير، لكن بودي الكتابة عن فضائلها. قد يكون من المستغرب والمستهجن أن يقال بأن لداعش فضائل بعد الصور المرعبة التي بثتها وسائل إعلامها الخاصة، ونقلتها عنها وسائل الإعلام الأخرى من قطع للرؤوس، وسبي للنساء، وفرضها لأنماط عيش قديمة على السكان في المناطق التي تسيطر عليها، مع ذلك فإن لداعش عدت فضائل سوف أركز كتابتي على فضيلتين اثنتين منها.
الفضيلة الأولى وهي أنها شكلت قوة وعي جديدة لنقد القراءات المتخلفة والمتزمتة للدين الإسلامي، والممارسات المبنية عليها بصورة خاصة، وللسياسات القائمة على مرجعيات دينية بصورة عامة. على خلاف تجربة طالبان في أفغانستان فإن تجربة داعش في العراق وسورية تقدم درسا بليغا في هذا الاتجاه. وبالفعل بدأت بعض النتائج على هذا الصعيد تظهر فعلا على شكل تساؤلات لمجالات دينية كان مجرد التساؤل حولها محرم. لكن النتائج الكبرى لهذا الدرس سوف تظهر في الوعي العام على شكل ردات فعل واعية نسبيا لكل سياسة بمرجعية دينية، بعد هزيمة داعش المؤكدة عسكرياً. بطبيعة الحال كنا في غنى عن هذا الدرس وتكاليفه الباهظة لو أن حكومات الدول التي شهدت حراكا شعبيا مطالبا بالتغيير، لم تلجأ إلى العنف للرد على مطالب شعوبها العادلة، ولو أن كثير من حكومات الدول العربية، والإقليمية، وتلك البعيدة، قد وعت بصورة مبكرة خطورة اللجوء إلى خيار دعم العنف في حل المسائل السياسية. لقد برهنت داعش والنصرة وغيرها من القوى والحركات الإرهابية أن العنف هو اكبر رافعة للقاع الاجتماعي المتخلف إلى المستوى السياسي ليمارس فيه السياسة بقوة النار. وعندما يمارسها بالقتل والتدمير فهو يتوهم أنه يعبد الطريق إلى دولة ” الخلافة الإسلامية ” المنشودة، ذلك الحلم الطوياوي الذي تغذية القراءات المتخلفة للدين الإسلامي ذاته، ولمساراته التاريخية القديمة، في تجاهل بين لمعطيات العصر وظروفه. لكن الدرس حصل وفيه تكمن الفضيلة الثانية وهي حصول وعي عام سياسي لدى جميع هذه الدول حول مخاطر الإرهاب على الجميع، ولذلك لأول مرة فهي تتفق على ضرورة محاربته بصورة جماعية بدلا من استخدامه من قبل بعضها لتحقيق مآرب سياسية أنية. هذا الوعي الجديد كان من نتائجه المبكرة صدور قرار مجلس الأمن 2170 لمحاربة داعش والنصرة وجميع التنظيمات ذات الطبيعة القاعدية في كل من سورية والعراق. ومن نتائجه أيضاً عودة الاهتمام الجدي هذه المرة بضرورة الحل السياسي للأزمة في كل من سورية والعراق، الأمر الذي استدعى اجتماعا عربيا مهما في المملكة العربية السعودية لبلورة حل سياسي جديد، وأخذت العلاقات السعودية الإيرانية تنشط في هذا الاتجاه، وربما تكلف مصر بتسويقه. إلى جانب هذه المساعي الإقليمية هناك أيضا مساع دولية تقودها الولايات المتحدة بالتشاور مع حلفائها الغربيين والإقليمين، ومع إيران وروسيا لبلورة إستراتيجية عسكرية وسياسية لمواجهة داعش وقوى التطرف عموما في المنطقة.
وبانتظار إعلان الرئيس الأمريكي باراك اوباما لإستراتيجية إدارته لمحاربة داعش يوم الأربعاء القادم، فإن تسريبات إعلامية بدأت تتحدث عن عودة الولايات المتحدة إلى إستراتيجية الاستقرار في المنطقة بدلاً من إستراتيجية الفوضى ” الخلاقة ” التي تبناها سلفه وظل معمولا بها طيلة الولاية الأولى لرئاسته. غير أن ما يخشاه السوريون تحديدا هو طرد داعش من العراق وتركها تجمع قواتها في سورية، الأمر الذي سوف يعني بالنسبة لهم مزيد من القتل والتدمير لهم ولبلدهم. وللأسف الشديد هناك أوساط عربية وكثير من المعارضين السوريين يرون في أن القضاء على داعش والنصرة في سورية قبل فرض تنحي الأسد يعني انتصاره، وهذا غير مقبول بالنسبة إليهم. لذلك يجري الحديث في هذه الأوساط عن ضرورة الإبقاء على قوة ضغط جديدة على الأسد لإجباره على التنحي، وذلك من خلال إعادة إحياء الجيش الحر وتزويده بالسلاح الفتاك لمحاربة داعش وقوات النظام في الوقت ذاته، بدعم وإسناد من الطيران الحربي الذي سوف يؤمنه التحالف الدولي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. إذا صح ذلك فإن هذا النهج سوف تكون له نتائج خطيرة على بقاء الدولة السورية، وربما تسرع من انهيارها. إن إسقاط الأسد ونظامه بغير الوسائل السياسية، وبغير اتفاق سياسي سوف يعني حتما تفكك الجيش والأجهزة الأمنية التي بناها على شاكلته، لتكون حزبه الرئيسي، والقوى الحامية لحكمه. أضف إلى ذلك فمن المستبعد أن توافق روسيا وإيران على هكذا إستراتيجية، مما يعني استمرار الصراع المسلح المفتوح في سورية إلى أجل غير مسمى بل انتشاره في المنطقة. ثم ألم يحن الوقت بعد لمناقشة كل ذلك في ضوء مصلحة الشعب السوري وبقاء الدولة السورية،والأمن القومي العربي؟!!، وفي حال حصول ذلك تكون هذه هي الفضيلة الرئيسية الثالثة لداعش.

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: