في الرعب من ذاك التنظيم

” نهلة الشهال – الحياة اللندنية” نهلة الشهال

و«داعش» أسهل لفظاً، أو للدقة أكثر إيحاء من التسمية الجديدة بالغرض منه، فـ»الدولة الاسلامية» تتطلب شرحاً واستدراكات. «داعش» أصبح اسم علم في اللغة العربية (بينما كان بالأجنبية عبارة عن تتابع أحرف أولى اختصارية لكلمات:EIIL بالفرنسية و ISIS بالانكليزية… وهكذا بحسب اللغات، فلم يتمكن من تحقيق الجاذبية، بعكس التسمية الجديدة التي أعلنها «الخليفة» البغدادي والتي تحمل معنى بيِّناً صريحاً، وتتيح من جهة ثانية تحميل الإسلام كل الموبقات. وهذه الملاحظة، وإن بدت سياسية – سوسيولوجية إلا أنها لا تتعدى التمرين على اللسانيات!… فلنعد إلى الجد.

«داعش» إذاً يقيم دولته. يُنشئ مدارس ومستشفيات وينظم السير ويرفع القمامة في المناطق التي يسيطر عليها في العراق (أنظر تقريرا أخيرا لـ»فورين بوليسي»)، ويعطي مقابل الضرائب المجباة وصلاً عليه أختام، ويدير المطاحن في الرقة حتى لا ينقص إنتاج الخبز، بل هو ترك بعض الإداريين والخبراء في مناصبهم يعملون حتى لا تقع فوضى في حياة المجتمع. صحيح أن «داعش» يقطع الرؤوس والأيدي، بحسب درجة القصاص المطلوب، ويقتل جماعياً بالرصاص ويسبي ويُهجِّر. ولكن من ينجو من هذا بداية، ثم يقبل بإعادة تربيته وتهذيبه وفق الأصول المرعية، وتعليمه وتثقيفه كذلك، فسيعيش… مطمئناً. وقد نشرت «نيويورك تايمز» أن صائغاً أكد لصحافي أرسلته الى سورية أن «داعش» يكلفه اقل مما كان يدفع كرشى وأتاوات لممثلي السلطة الفاسدين.

ولـ «داعش» نظرية وتحليلات، لعل أبرزها كتاب «إدارة التوحش» الذي يستوقف ولا شك بسبب «حداثته» لجهة المنهج والمحاجّة ووضوح التكتيكات والتعليمات، كما لجهة اللغة والمفردات، على رغم نقشه بتعابير وإحالات دينية، مما لا بد منه كما لا يخفى على أحد… فلنعد إلى الجد!

والعواطف حيال «داعش» مصطخبة. هناك من تفتنهم «فعاليتها». يسحرهم أن بضع مئات من الرجال الملثمين ـ يا للغموض المعزِّز للسطوة ـ المسلحين (وهذا مصدر افتتان آخر)، والذين يمتطون سيارات رباعية الدفع متشابهة الشكل واللون (كما في استعراضات الجيوش النظامية المنضبطة ـ يا للقوة!)، يتمكنون من احتلال مناطق شاسعة من العراق بلمح البصر. يستفيق العالم في أحد الصباحات على خبر غير واقعي: «داعش احتل الموصل». وهي المدينة الثانية (أو الثالثة بعد البصرة) في العراق. ولكن ما بدا مزاحاً ثقيل الظل، أو حادثاً عارضا سينتهي بعد قليل وتعود الأمور إلى سابق عهدها، يستطيل ويستقر ويتمدد. وهو يكشف خواء ونخران الســلطة المقابلة، تلك التي أسسها الاحتلال الأميركي للبلاد ثم خلّفها وراءه، فاستفحلت لدرجة جعلت نظام صدام حسين، حتى في أسوأ أوقاته، يبدو ملائكيا أمامها. فإن كان المذكور قد اختبأ في حفرة، فالمالكي لم يهزه قيد شعرة ما جرى في الموصل، وظل مجادلا بدبَق في أحقيته برئاسة الوزراء، ثم حين يئس راح يشترط، وكل ذلك ليس مجابهة لتغيير جذري أو حتى غير جذري جارٍ، إذ هو لا يتعدى الأشخاص (والأنكى أنه من غير المؤكد أبداً أن الطاقم الجديد أكثر نفعا من سالفه، ولاسيما أنهما من عجينة واحدة…). أسس الأميركان بكل عربدة وخفة ذلك النظام، وافترضوا أن أزماته في السياسة والاجتماع يمكن أن تُبتَلع ببعض الترقيعات، كما حينما انشأوا «الصحوات» لمجابهة عمليات القاعدة. ولعلهم اعتبروا أن المجتمع يتلخص بمعادلات كيميائية او رياضية (كما تشاؤون)، تُنقِص من هنا وتزيد من هناك وتشبك لحية بأخرى، والســـلام. ثم قالوا «غود باي» ورحلوا الى بلادهم البعيدة، تاركين وراءهم أرضا خراباً (وحتى نكون نزيهين، فهم لم يصنعوا الخراب ولا هم اخترعوه، بل زادوا على ما كان، ويمكن الجدل في النسب). وها هم يعودون، مشترطين (هم أيضاً) ألا تطأ أقدامهم الأرض، وان يُكتفى منهم بما يمكنهم صنعه من السماء. سوى أن هذا الموقع ليس بأفضل من ذاك. ومن لم يمكنه أن يكون فعالا هناك، فالأدعى ألا يكون فعالا هنا. هي ورطة مكتملة العناصر، لم تعد تجدي معها مشورة الدكتور ديفيد كيلكالن، الخبير في «مكافحة التمرد»، للجنرال ديفيد بتريوس. والأول كما الثاني (الذي تقاعد في ظروف محرجة كما يعرف الجميع) ضائعان اليوم تماماً. كيلكالن لا ينصح ولا يقترح، بل يكتفي بالتفسير والشرح، ولو ذهب بعيداً يعلِّق: «الدولة الإسلامية هي أخطر جماعة إرهابية على الكرة الأرضية، لأنها تمتلك القدرات القتالية للقاعدة والقدرات الإدارية لحزب الله». وأيضاً: «من الواضح انهم فهموا أهمية الحاكمية الفعالة». شكرا دكتور. وهو سبق له أن انتقد احتلال العراق (في زمانه) ونعته بالقرار الأبله، وان“`تقد قصف الطائرات بلا طيار. ماذا تريد إذاً يا رجل؟ وطبعاً فكل تلك المعارضة والانتقادات لم تمنعه من العمل ككبير المستشارين لدى الإدارة العسكرية الأمريكية، الى جانب تأليف الكتب ونشر المقالات وتأسيس المراكز.

افتتان بعض الشباب (الذين خاب رجاؤهم بكل شيء، والذين تعرضوا للإذلال المديد والتيئيس التام… وهذا مبحث قائم بذاته) بداعش، يقابله رعبٌ حقيقي لدى الأغلبية من الناس على اختلاف بيئاتها. وذلك واحد من أهداف التنظيم/ الدولة، إذ لا تُجهل وظيفة الإرعاب في تحقيق السيطرة. ويساهم إعلام متنافس ومنفلت، يبحث عن إثارة الرعشة، في صناعة ذلك الرعب بالنقل الحي لأخبار وصور التوحش الصادمة، وكأنها مساهمة منه في الترويج لهول الجماعة، بغض النظر عن المقاصد. كما أدى إلى هيمنة الرعب التخويف الذي مارسه الطرف الشيعي حينما تكلم عن الخطر الداهم، وحفَّز بـ»زينب لن تُسبى مرتين» قبل الموصل بكثير. وأخيراً، ولأن الكارثة لاحقة بشكل أخص بالجماعات المستباحة تعريفاً، والمستضعفة، كالمسيحيين والأيزيديين والشبك… وكل من يُظهر علامات اختلاف (رغم أن داعش يقتل السنة كذلك)، فقد بات هؤلاء يتلفتون وراءهم، حتى في أماكن قصية من قرى كسروان. وليس في ذلك ما يُضحك ولا ما يجوز الاستخفاف به. وعلى كل هذه وتلك، فهناك مَن لم يزل يستثمر في الإرعاب من الإرهاب، أي داعش. سلطات ودول لأنها تتناحر في ما بينها أحيانا، وأخرى لأنها تسعى لابتزاز «القوى العظمى»، تخطيطا لانتزاع مكاسب أو دفعاً لمضار… مما يعبر عن مقدار التهافت القائم. ها نحن نعود إلى أصل الموضوع!

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: