التخبط والفساد: إدارة التضخم في سوريا

“ايمن الشوفي – السفير اللبنانية” 2122_177136

متى تجتذبهم»الصرّافات» الآلية التابعة للمصرف التجاري السوري، أو المصرف العقاري السوري إلى صفوف طولانية، يكون الشهر قد انقضى. حاسةُ الجيوب الخاوية تبقيهم معلّقين لساعات ينتظرون بلوغ الآلة المعدنية لأجل التقاط أوراقٍ نقدية قليلة، هي رواتبهم الشهريّة. أحياناً يلعنون بطنها إن خوى فجأة، وما عاد ما بداخله يكفيهم جميعهم، وأحياناً ينتظرون على مضض عودة شبكة «الانترنت» أو التيار الكهربائي لإتمام عمل الآلة. يبقون يلازمون أماكنهم حتى يجيء دور كلّ منهم لتلقف دخله الشهري المنزلق من شقّ عرضاني تحمله عجلات صغيرة بالكاد يلحظونها. نعرفهم من وجوههم، من ساعات وقوفهم المديدة في مواقيت محددة، ومن الانتظار في عيونهم. هم موظفو الدولة السورية.

زيادة أم منحة أم محنة

ظهروا في طوابيرٍ ممطوطة أكثر من المعتاد قبل عطلة عيد الفطر من هذا العام التي جعلتها الحكومة السورية أسبوعاً كاملاً. بدوا مرتاحين كفاية، إذ لن تنزلق مع رواتبهم الشهرية أيّ منحة رئاسية قيمتها ربع أو نصف الراتب المقطوع. يخبرهم يقينهم الذي ألف تجريب الدولة، أن صرف أي منحة يلغي بالضرورة نيات السلطة رفع قيمة دخولهم. آخر زيادة نالوها كانت في العام الماضي: 40 في المئة على أول عشرة آلاف ليرة من الأجر الشهري، و20 في المئة على ثاني وثالث عشرة آلاف ليرة، و5 في المئة لما هو فوق العشرة آلاف الثالثة من الأجر الشهري.
حالياً، وحسب أرقام الموازنة العامة للدولة، الخاصة بالعام 2014، فإن كتلة الأجور والرواتب تطاول حدود 672 مليار ليرة. وهذا يعادل 42 في المئة من قيمة الموازنة البالغة 1390 مليار ليرة. إذ بلغت الاعتمادات الجارية نحو 1010 مليارات ليرة، فيما لم يزد نصيب الاعتمادات الاستثمارية عن 380 مليار ليرة. هي موازنة انكماشية إلى حدِّ لا يصدق، خسرت واقعياً معظم مواردها. لعلها الحرب، وتبعات العقوبات الاقتصادية الغربية ما ألحّ عليها في لجم إنفاقها العام، وكذلك في لجم إيراداتها العامة، ومع ذلك تفكّر السلطة بتحميلها إنفاقاً تضخميّاً جديداً إن زادت دخول الموظفين 50 في المئة كما يتكهّن العديدون.
خلال آذار/ مارس من عام 2011، وإثر الحراك الشعبي الذي بدأ في محافظة درعا، أطلّت السلطة على موظّفي الدولة والقطاع العام بزيادة على الرواتب والأجور مقدارها 1500 ليرة سورية للراتب المقطوع، وأضافت إليها زيادة 30 في المئة على الرواتب والأجور المقطوعة التي تقل عن عشرة آلاف ليرة شهرياً، وزيادةَ 20 في المئة على الرواتب والأجور التي تزيد عن عشرة آلاف ليرة في الشهر. ثم استتبعتها بعد عامين بزيادة أخرى. لكن كيف ستجازف السلطة الآن بجزّ كتلة نقدية تضخّمية تقارب 350 مليار ليرة (قيمة الزيادة المفترضة على كتلة الأجور والرواتب إن كانت 50 في المئة) إلى سوق معروف معروضه السلعي؟
في عرفها الممجوج، لطالما كانت السلطة تموّل أمثال هذه الزيادة تضخمياً بحسب ما يقع تحت يدها من أدوات مالية أو نقدية مثل الاقتراض الخارجي، أو الاقتراض الداخلي، أو في طرح سندات الخزينة العامة للاكتتاب، أو ربما في بيع القطاع الأجنبي (؟). وبين عامي 2011 و2012 انخفضت الإيرادات العامة بمقدار 102 مليار ليرة، في وقت واظبت فيه النفقات الكلية على الارتفاع السنوي، إذ ارتفعت بين عامي 2010 و2011 بمقدار 11.3 في المئة، علماً أن ثلثي الإنفاق الكلّي هو إنفاق جار.
ثمة من يعوّل على قرار وزارة التجارة الداخلية العام الماضي برفع سعر ليتر البنزين إلى 100 ليرة بعدما كان سعره 80 ليرة، ويعتقدون أن في ذلك مصدر تمويل غير تضخّمي لأي زيادة مرتقبة على الأجور. لكن إن تفحّصنا بيانات الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية، لوجدنا متوسط استهلاك البنزين في سوريا هو 300 مليون ليتر سنوياً، وأن قيمة الزيادة على سعر البنزين لن تفوق 6 مليارات ليرة سنوياً. وهذا الرقم يبدو شحيح الأثر إن قورن بتكلفة زيادة الرواتب 50 في المئة والبالغة قرابة 350 مليار ليرة. عملياً لن تكون أي زيادة على الرواتب والأجور سوى لكمة موجعة تصيب الدخل الحقيقي، أي القوة الشرائية للنقود التي يحصل عليها الموظفون والعاملون في الدولة، وإن زاد أجرهم الاسمي. لكن، ستلاحق الكتلة النقدية الجديدة المعروض السلعي المحدود في السوق السورية التي تجزأت كثيراً خلال العامين الماضيين، وسترفع الأسعار مجدداً.
لدينا، بحسب تصريحٍ عمره عام لوزير العمل في الحكومة السورية، قرابة 1.8 مليون موظف، من بينهم العمالة المؤقتة والموسمية بموجب عقود الثلاثة الأشهر. هؤلاء سيساهمون بدخولهم المتضخمة إن زادت 50 في المئة بنقل معادلات السوق إلى مطرح كارثي من ارتفاع الأسعار. والحرب في سوريا لا تزال خيار الجميع.

المعونة بدل الدعم الاجتماعي

متى تجتذبهم مَقار فرق حزب البعث في سوريا إلى صفوفٍ طولانيةٍ تكون أشهرٌ قد انقضت. غريزةُ استخلاصِ ما يمكن استخلاصه من نُسْغِ السلطة الجاف تبقيهم يقظين إلى أرازق تأتيهم في صناديق من الورق المقوى مكتوب عليها «برنامج الأمم المتحدة الغذائي». يعلمون أن محتواها من الزيت النباتي والسكر والعدس والبرغل وعلب الفول والمعكرونة هي مخصصاتٌ للاجئين السوريين، لا إلى المواطنين المشمولين ببرنامج صندوق الدعم الاجتماعي. يلتقطون رزقهم، ويمضون. نعرفهم من هيئاتهم، من تجوالهم الممطوط في الأسواق لبيع محتوى تلك الصناديق بأبخس الأثمان في مواقيت محددة، هم المحتاجون في دولة الفساد السورية.
في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام 2010 وافقت الحكومة السورية على مشروع قانون لإحداث صندوق وطني للمعونة الاجتماعية هدفه توجيه مخصصات الدعم الحكومي إلى الأسر الفقيرة والمحتاجة في سوريا. بعد ذلك بعام، وزّعت مراكز البريد في محافظة الحسكة 615 مليون ليرة على الأسر المسجلة لدى برنامج صندوق الدعم الاجتماعي. حدث ذلك اضطرارياً بموازاةِ اتساع دائرة الحراك الشعبي، وتشذيباً لاتساع دائرةِ العسْف الاقتصادي الذي تناسل من الجفاف القاسي الذي استوطن المحافظات الشرقية في سوريا على وجه التحديد.
التوزيع الاضطراري لمبالغ الدعم النقدي الناتج من رفع الدعم الحكومي عن أسعار المحروقات طاول المحافظات الأقل انخراطاً في الحراك الشعبي. حدث ذلك لمرّة واحدة فقط، لم ينل بعدها السوريون المشمولون ببرنامج الصندوق الدعم النقدي المقرر. لكن ما الذي حدث هنا على وجه الدقة، ومن استبدل مبالغ الدعم النقدية بمخصصات غذائية يستحقها اللاجئون السوريون؟
أشار البيان المالي للحكومة السورية في موازنة عام 2012 إلى تخصيص مبلغ 15 مليار ليرة لصندوق الدعم الاجتماعي، ولا أحد يعلم مصير هذا المبلغ. ما حدث أن المشمولين ببرنامج الصندوق بدأوا يحصلون على سلال غذائية تستخلصها السلطة من مساعدات الأمم المتحدة إلى اللاجئين السوريين بعد مصادرتها، ثم تقوم بتوزيعها بمعرفتها على فئة أخرى من المواطنين لا يحتاجونها، بل يحتاجون نقداً يقيهم عري رفع الدعم الحكومي عن أسعار المحروقات، وتالياً عن كامل سلسلة الأسعار في السوق.
بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية مؤخراً، حصلوا على صناديق إضافية غير التي اعتادوها، حوت أغطية صوفيّة، وأواني لطهو الطعام من الألمنيوم، وملاقط وأحبالاً للغسيل، وسكاكين وملاعق وأطباقاً ومعاجين للحلاقة وأخرى لتنظيف الأسنان. بدوا أكثر غبطة من موظفي الدولة حينما بقيت دخولهم كما هي بلا منحة، تحملها الصرفات الآلية إلى نيات صرفهم الكثيرة، وتنتظر زيادة يجهلون عقباها. المعوزون في دولة الفساد حملوا رزقهم الجديد الأشبه بالمنحة بمسرّة، ليجوبوا في الأيام التالية الأسواق باحثين عن تاجر يشتري منحة لا يحتاجونها، لكنها أحد أرزاقهم في زمن خبيث يجهلون مدبّره. يقبِّلونها ويضعونها في جيبهم.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: