ما بين ثورة للوطن و ثورة للسلطة

اراء وافكار

صالح النبواني

سورية عريقة في التاريخ و نتيجة موقعها المهم ومكانتها تهافت عليها المستعمرون من كل حدب وصوب ولكن السوريين واجهوا كل تلك الهجمات بإيمانهم بالحرية والكرامة وحب الوطن وتجلت الوطنية إبان الاستعمار الفرنسي فمنذ دخوله الى هذه البلاد هب اهلها من الساحل الى الجزيرة السورية مرورا بحلب وادلب وحماه وحمص وصولا الى دمشق وريفها وحوران سهلا وجبلا بكل مكوناتها وفسيفسائها القومي والديني والطائفي وكانت معركة ميسلون التاريخية تكريسا لهذه الروح رغم ضعف الجيش السوري لكن شجاعة القائمين عليه أمثال البطل يوسف العظمة الذي قاد الجيش وقال مقولته الشهيرة سنواجه الحملة الفرنسية بما لدينا حتى لا يقال ان المستعمر دخل دمشق دون مقاومة .

وما ان دخل المستعمر حتى بدأت تظهر الثورات من رجالات الثورة السورية في كل المناطق وتكللت بإعلان الثورة السورية الكبرى ومبايعة سلطان الاطرش قائدا عاما للثورة من كل قيادات الثوار والمجاهدين في عموم سوريا دون أي اهتمام بدين او طائفة او دور قيادي بل بدوافع وطنية  لتحرير سوريا من المستعمر الفرنسي ولإيمان الجميع بضرورة وجود قيادة موحدة للثورة  لتحقق اهدافها بالحرية والكرامة للوطن السوري .

ومن الاهمية ذكر ان جميع المجاهدين والثوار لم يكن لهم أي دور في الحياة السياسية اللاحقة  بشكل مباشر لقناعتهم بانهم رجال ثورة وليسوا رجال سياسة  وان لكل انسان دور وواجب عليه القيام به على اكمل وجه .

وجاء دور رجالات الاستقلال والعمل السياسي ليكلل تلك الجهود فعمل الجميع بروح الاخوة والمواطنة لإنجاز الاستقلال وبناء الدولة السورية الحديثة وكان همهم الوطن وتحقيق اهداف وأمال الشعب ولم ينظروا الى دور فردي لأي منهم,  فتكاتف الجميع حولهم وعندما رفع فارس الخوري على اكتاف المصلين بالجامع الاموي وقبل به رئيسا للحكومة ووكيلا عن وزارة الاوقاف الاسلامية  كان نتيجة موقفه الوطني المشرف وليس نتيجة دينه او مذهبه .

قامت الدولة السورية الاولى بعد الاستقلال وكانت الحياة السياسة مليئة بالحرية والكرامة والعدالة رغم الانتقال من نير المستعمر وتشكيل الدولة الفتية لكن نوايا رجالات الدولة كانت صافية وهمها الوصول بسوريا ارضا وشعبا الى دولة المساواة فكان لها اول برلمان على مستوى المنطقة وكانت الديمقراطية في افضل حالاتها  وكان التسابق لخدمة الوطن والمواطن هو المرشد والدليل للسياسيين وحققت هذه الروح الكثير من التقدم والرقي على المستويات كافة .

لكن ما حدث بعد هذه الفترة ,التي قد تكون وجيزة ,غير الوجه الحقيقي المدني لسوريا  الدولة فتدخل الجيش والعسكر في الحياة السياسية وبدأت تظهر الانقلابات وظهور احزاب سياسية عديدة القاسم المشترك لدى البعض منها هو السعي للوصول الى السلطة وبراي الجميع حاول ذلك عن طريق الجيش بطرق مباشرة او غير مباشرة  فبدأت المناكفات السياسية بين الاحزاب والتي تصل في كثير من المفاصل الى المؤامرات على بعضها .

 ولكن الروح الوطنية بقيت هي السمة العامة للشعب السوري بما فيهم الكثير من رجال السياسة وتجلى ذلك باعلان الوحدة بين سوريا ومصر. وكانت استقالة شكري القوتلي من منصب الرئاسة لتحقيق الوحدة وقبول الكثير من الاحزاب بحل نفسها(ولو ظاهريا) دورا في تحقيق الوحدة ودليلا على هذه الروح الوطنية  لكن اصرار البعض وارتباطهم  باجندات ما وتسلط الامن والجيش على الناس والسياسيين في زمن حكم الوحدة ادى الى الانفصال  .

وبعيد الانفصال عادت الحياة الحزبية السياسية الى ظهور وبقوة لكن اغلبها سعى الى السلطة عن طريق التسلط على المؤسسة العسكرية وكانت ثورة أذار التي جعلت من حزب البعث حاكما للدولة السورية لكن البعثيين الحقيقين لم يكن لهم هدف السلطة فتركت الطليعة منهم البعث بعد ان تحول الى حزب يسعى الى السلطة بعد ان وضحت هذه الرؤية لكن الاحزاب الاخرى لم تكن احسن حال وكانت السيطرة على الحكم هي الاساس ولم يختلفوا الا على من يطبق المادة الثامنة وليس على مضمونها .

وجاء انقلاب 1970 ليكرس حكم الفرد والتسلط وحول الدولة السورية الى دولة امنية  تتبع الى الرئيس وبدات الديكتاتورية  وحكم العائلة  وهجن الاحزاب المنضوية الى الجبهة الحاكمة  ليقتاتوا على فضلات الحزب القائد للدولة والمجتمع  وانتشر الفساد والمحسوبيات والإستزلام للسلطة   والتأكيد على الخلط بين الدولة والنظام والسلطة الحاكمة  وقمع الاصوات المعارضة واعتقال المثقفين والمتنورين واصحاب الرأي  وتغييب الحريات  وتهميش الشعب عن القيام بواجباته وممارسة حريته  في اختيار ممثليهم للبرلمان  ومحاسبة الفاسدين واصبح الفساد شهادة ترفع الفاسد الى اعلى المراتب .

وما ان بدأ الربيع العربي بالتفتح  أبى الشعب السوري  إلا ان يكون جزء من هذا الربيع ليلفظ عنه غبار الذل والعبودية  ويطالب بحقوقه بالحرية والكرامة والعدالة  وبدأت ثورة شعبية شبابية بامتياز وسرعان ما انتشرت في كل المناطق السورية شعارها السلمية وهدفها دولة المواطنة.  لكن عقلية النظام الامني القمعي ابت ذلك ومارست العنف والقتل والتدمير وسياسة الجوع او الركوع  مما دفع البعض لحمل السلاح في مواجهة أليات القمع والقتل ولكن سوريا مهد الحضارات ومصدرة الثورات والتي كانت ولا زالت وستبقى مطمع الطغاة والغزاة والطامعين فتهافتت  عليها الدول باسماء عدة من اصدقاء الشعب السوري ومن حلفاء الشعب السوري الذين ساهموا مع النظام بقتل هذا الشعب .

لكن للأسف لم تكن المعارضة السورية على حجم المسؤولية  فما ان بدأت الثورة الشعبية حتى تهافتت الاحزاب التقليدية للعب دور ما واللحاق في الثورة  ومحاولة الاستفادة منها لتثبت تاريخية نضالها رغم ان الكثير من هذه الاحزاب قامت بالحد الادنى التي استطاعت القيام به ,عبر تاريخ من القمع والتغييب والمعاناة الطويلة من النظام بالاعتقالات وتغييب قياداتها ,إلا انها لم تستطع تشكيل حاضنة لأفكار الثورة  مما دفع قسم منها للارتهان للخارج والاستفادة من تهافت الدول الاقليمية والدولية على سوريا للقيام بدور ما تجلى بالمطالبة بالتدخل الخارجي والتماهي مع الطروحات الاجنبية على غرار ما حدث في ليبيا وقدمت خطابات رنانة وشعارات نارية  باعت من خلالها الوهم للشعب المتعطش للحرية والعدالة والكرامة .

ومع تزايد آلة القمع والقتل والانقسام الواضح بين ما بات يعرف بمعارضة الداخل والخارج ,والتي  تباعدت المسافة بينهما , مما ساهم في ظهور كيانات وتيارات فيما بينهما وغلب التشرذم والتفرق والبحث عن دور ما في ظل الخارطة السورية المنشودة وتناسى الكثير منهم مصلحة الوطن في ظل سعيه للحصول على حصة او دور ما .

و بعد دخول الثورة السورية مرحلة الازمة لتعقد المصالح الاقليمية والدولية والمحلية ودخول التطرف والتشدد من داعش وجبهة النصرة والجبهة الاسلامية  والتقارب الامريكي الروسي  الذي اوصلنا الى إعلان جنييف, الذي شكل فيما بعد اساس الحل السياسي, والذي بات الجميع يسعى اليه بشكل مباشر او غير مباشر وبعد انتظار طويل لتطبيق مبادئ حنييف جاء مؤتمر جنييف 2 ليوضح ان الصراع الحاصل ما هو الا نزاع على السلطة بين من يملكها ومن يسعى اليها بعيدا عن ما يريده الشعب والناس التي عانت ولا زالت تعاني من القتل والدمار والنزوح والتهجير والممارسات اللاإنسانية .

ولذلك إذا لم تعيد المعارضة السورية قراءة الواقع السوري والتأثيرات الاقليمية والدولية عليه والسعي الجدي وبنوايا صافية لاستعادة الدور السوري  وتحقيق اهداف الثورة الاساسية في الحرية والعدالة والكرامة , والعمل بشكل جدي على توحيد الرؤى والعمل على التغيير الجذري الشامل  وبناء دولة المواطنة والحريات الدولة المدنية  الديمقراطية التشاركية من خلال مؤتمر وطني للمعارضة السورية بكل اطيافها شرط عدم إقصاء أي مكون وعدم انتظار أي مكون  لتوحيد الصفوف ورصها تمهيدا لعقد مؤتمر وطني للسوريين عامة مواليين ومعارضين للوقوف في وجه مشاريع التطرف والتقسيم التي تحاك على سوريا الوطن والشعب .

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي وموقف هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة, المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: