أزمات بلا تسويات

“حبيب فياض – السفير اللبنانية” حبيب-فياض1

لم تشهد المنطقة من قبل هذا المستوى من الفوضى والتعقيد، مع انعدام شبه كامل لعوامل الانفراج والحلحلة. دول عديدة تنتظر مصيرها وشعوب معرضة يوميا لموجات واسعة من القتل والعنف. يصاحب ذلك اصطفافات سياسية حادة وعصبيات عرقية متقدة وارتفاع في منسوب الكراهيات المذهبية المنفلتة من أي رادع او قيد. بينما كل طرف، في هذه المعمعة، يرى نفسه مستهدفا وهو يخوض معركة المصير دفاعا عن الوجود.
الفوضى في المنطقة عارمة ومرشحة للاستمرار سنين عديدة. المؤشرات على وجود تسويات كبرى بين محاور الصراع تكاد تكون معدومة، كما لا دلائل على قدرة أي من المتخاصمين والمتحاربين على الحسم. التراجع الأميركي في المنطقة يلغي تفوق واشنطن، لكنه لا يفقدها القدرة على التخطيط والاستمرار في المواجهة وإدارة الأزمات. حلفاء واشنطن منقسمون في ما بينهم إزاء بعض الملفات ومعترضون عليها في ملفات أخرى، ما من شأنه تعدد الأجندات ورفع مستوى التعقيد في المشهد. في المقابل، تماسك إيران وحلفائها وتقدمهم في أكثر من موقع لا يضعان محور المقاومة خارج دائرة الأخطار المحيطة به.
التسويات مفقودة بسبب ارتفاع منسوب التعقيدات وانعدام اللحظة المؤاتية لإنتاج الحلول. الغزو الداعشي للموصل جاء ليقطع الشك باليقين ويوصد الباب أمام التهدئة والحلول الدبلوماسية الممكنة. في الأصل، تفرض التسويات نفسها في حال عقلانية المتخاصمين، بينما الحاصل هو حفلات متصلة من الفلتان والجنون. كما تحضر التسويات عندما تصل القوى المتصارعة إلى مرحلة متقدمة من الاستنزاف والإنهاك، بينما المعركة، على أكثر من جبهة، ما زالت في أوجها، بحيث يستشعر كل فريق من القوة ما يتيح له الاعتقاد أنه قادر على الغاء الآخر. ذلك كله يعني اننا أمام مرحلة مديدة من الصراعات، في واقع لا تأثير فيه إلا للوقائع القائمة على استمرار القتل وتعميم العنف وتدمير الأوطان وانهيار الاقتصادات وتكريس العداوات وانقلاب القيم.
ويقترن انعدام التسويات بعدم القدرة على حسم الصراعات. هي صراعات دامية ومكلفة، لكنها خارج معادلة الغالب والمغلوب. توازن القوى بين المتخاصمين يطيل أمد الأزمات ويضع النزاعات على سكة زمنية طويلة. الأزمات المتقاطعة في أكثر من اتجاه تشترك في كون مبرراتها محلية، بينما أهدافها بالغالب خارجية ومرتبطة بأجندة من الفوضى الخلاقة والمستديمة. النتيجة هي ان الوضع في معظم دول المنطقة سيظل يراوح بين الصراع الفعلي والاضطرابات الممهدة لنزاعات قادمة.
مأساوية المشهد ماثلة سردا وغنية عن التحليل والتفصيل: في مصر لا قدرة لدى السيسي على إلغاء «الإخوان»، كما ان هؤلاء في حالة عجز عن استرداد السلطة، والصراع بين الجانبين مستمر. في العراق، لن يستطيع المالكي القضاء على تنظيم «داعش» واسترجاع نينوى، كما ان التنظيم لن يستطيع الوصول إلى بغداد والنجف وكربلاء والحرب بينهما قائمة. يمنياً، الأمر نفسه ينطبق على الواقع الصدامي بين الحوثيين والسلطة. في أفغانستان، كل شيء يؤشر إلى استمرار المواجهة بين «طالبان» والقوات النظامية بعد الانسحاب الأميركي. الأمر في لبنان لا يختلف كثيرا. فالتعايش القسري بين الفريقين الآذريين عاجز عن إنتاج الحلول والتسويات و يقتصر على منع الانفجار. في سوريا، أيضا، لا شيء يدل على قرب انتهاء الأزمة برغم قدرة النظام على التقدم ميدانيا.
وحدها المعركة في غزة خارج الفوضى «المألوفة»، وتعيد وضع الأمور في نصابها. المعركة هناك مأساوية لكنها الوحيدة التي لا خسارة فيها برغم فداحة الخسائر. لهذا، لا عجب من مساعي البعض لإنهائها بأي طريقة ومهما كلف الأمر.

 

*الآراء الواردة في المقالات تعبر عن رأي كتّابها فقط.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: