فلسطين هي جرحنا ومؤشّر مستقبلنا

“سمير العيطة- السفير اللبنانية” سمير العيطة

فلسطين جرحنا المؤسّس النازف منذ 65 عاماً. إنّها ضميرنا، الشاهد علينا. تعيد إلينا كلّما اختلط المشهد حولنا بوصلة إنسانيّتنا كما وطنيّتنا. وغزّة المحاصرة كسجنٍ كبيرٍ من دون أن يعبأ أحدٌ بمصير أهلها هي عنوان فلسطين اليوم.
ربّما لن يتوضّح أبداً من اختطف وقتل أولئك الإسرائيليين الثلاثة كي تندلع الحرب بعد فشل ما وعدت به الولايات المتحدة من حلول. ولكن ها هي «حماس» المرتبطة بـ«الإخوان المسلمين»، و«الجهاد» المحسوبة على إيران وسوريا، تستخدم كلّها صواريخ إيرانيّة وسوريّة لردع العدوان الإسرائيلي. وها هي تركيا وقطر المتصارعتان على النفوذ في سوريا تدافعان عن المقاومة في غزّة، ولو إعلاميّاً. وها هي دول عربيّة أخرى تضع نفسها على الحياد في هذا الصراع الذي يشكّل في الجوهر صراع هويّتها. وأنظمة ووسائل إعلام تدعم «الثورات العربيّة» لا تشمل غزّة ولا فلسطين بالحقّ في الحريّة وبالمال والسلاح والضغوط الدوليّة وما أغدقته لها لتغيير أوضاع في بلدانٍ مجاورة. وها هي «الدولة الإسلاميّة» المزعومة وتنظيمات «القاعدة» المنافسة لها، من «جبهة نصرة» وغيرها، لا تأبه بأهل غزّة السنّة وتصبّ جهودها للسيطرة على منابع للطاقة وعلى الجغرافيا، ولقتل الشيعة والمرتديّن وطرد المسيحيين.
حرب غزّة المتجدّدة تعيد بعض الوضوح إلى مشهد عالمنا المتداعي، المعقّد والزاخر بالقوى ذات المشارب المختلفة. مشهد يشبه أيّام تداعي الإمبراطوريّة العثمانيّة، يوم تلاعبت كلّ قوّة خارجيّة بلاعبٍ محلّي، ولم تتّفق إلا على تقاسم النفوذ في ما سُمّي سايكس – بيكو الذي لم نعلم به إلا بسبب الثورة الروسيّة وكشفها للملفّات الدولية.
ومشهد اليوم لا يقلّ خروجاً عن الإنسانيّة بمعناها النبيل عن المشهد الماضي، لقد ذبح الأتراك الأرمن والآشوريين واليونان، ووظّفت قوى خارجيّة كتائب أرمنيّة ويونانيّة للانتقام من الأتراك. والكلّ ارتكبوا جرائم ضدّ الإنسانيّة على قاعدة أنّ الجغرافيا السياسيّة وصراعات القوى الخارجيّة هما الأساس وليس الإنسان الذي يعيش على الأرض. كلّ المحرمات كانت ممكنة، فالمنتصر هو الذي سيكتب التاريخ وسيمحو أثر الماضي بما فيه من تداعيات الانتهاكات على الإنسانيّة والشعوب.
صورة منطقتنا اليوم تشبه صورة الإمبراطوريّة العثمانيّة في فترة تداعيها قبل تفكّكها. لكن تظلّ فلسطين استثناءً حيث إنّها أبقت على ذاكرة اغتصابها وعلى بعض قيمنا إلى ما هو أبعد من الجغرافيا السياسيّة. وبالتالي هي عنوان تعافينا، إذا كنّا سنتعافى يوماً.
فلسطين هو ما يمكن أن يجمعنا بعيداً عن الانقسام بين مسلمين ومسيحيين، وبين سنّة وشيعة، ودروز وعلويين، وعرب وأكراد وغيرهم. وفلسطين هو ما يمكن أن يتّفق عليه المنادون بفصل الدولة عن الدين مع الإسلام السياسيّ، السنّي كما الشيعيّ، ما دامت المواطنة هي الأساس. وفلسطين هي المحكّ أمام الشعوب العربيّة التي تنعم بالثروة والنفط فهل هي جزء من وطننا الكبير أم من عالمٍ آخر. وفلسطين هي عنوان نظرتنا لليهود: وهل ننبذ مشروعهم الاستيطاني واحتلالهم لأراضينا أم ننبذهم كيهود؟
في عالمنا المريض، الكلّ أصبح تابعاً لقوى خارجيّة، ويدافع عن جزئيّة. والكلّ أصبح قاتلاً أو منتهكاً لحرمة الآخرين عبر من يموّله ويمدّه بالسلاح. أجزاء تحاول أن تتعافى على حساب الأجزاء الأخرى دون وعي أنّ المرض يكمن بالضبط هنا، وأنّ نهاية الحمّى هي زوال الجميع وهيمنة من يخطّط لما بعد مرضنا بعيداً عن وجودنا وتاريخنا كبشر.
كلّنا أجرمنا بحقّ أنفسنا. أنظمة أجرمت بحقّ شعوبها من أجل السلطة والجغرافيا السياسيّة. وقوى معارضة سياسيّة ومقاتلة أجرمت باسم الدفاع عن الحريّة والمدنيين والإنسانيّة بالارتهان للخارج ووصولاً للعمل على تقطيع الأوطان. وحركات متطرّفة تنتشر كالجراثيم، لا يوقفها أحد، بل يبرّر لها، ويتمّ استغلالها حتّى تستولي على كلّ الجسد المريض. وأنظمة إقليميّة لا يبحث قادتها سوى عن أنفسهم، ويبثّون أمراضهم بعيداً قبل أن تعود إليهم.
تبقى فلسطين وشعبها هما عنوان خروجنا من أمراضنا ومن إجرامنا بحقّ أنفسنا.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: