السوريون في جحيم ليبيا

“وسيم ابراهيم – السفير” f8ef88da-3bda-43e5-8591-aa4fa08950f3

جرى هذا في حزيران الماضي. عائلة مكوّنة من زوجين شابين وأطفالهما الثلاثة، عبرت البحر في ما بات يعرف بـ«قوارب الموت» للوصول إلى شواطئ ايطاليا. كيف انسدّ الأفق أمامهم ليقود إلى هذه المخاطرة الكبيرة، هي حكاية تنشرها «السفير» على جزأين بعد مقابلة مطوّلة مع الأب. فضّل أن تبقى هويته مجهولة. ننقلها بلسانه وكما رواها.
عندما وصلنا إلى مطار القاهرة تفاجأت بأن كل السوريين، الذين سافروا معنا بالطائرة من الشام، كانت وجهتهم الأخيرة ليبيا. خرجت من سوريا في آخر العام 2012. قلت إن الأفضل لي هو الذهاب إلى ليبيا. سمعت أن البلد فيه شغل، وأن الوصول إليه أسهل من أي بلد آخر. قلت أصل لهناك وأعيش من عملي من دون مساعدة أحد. لم أخطط لشيء. قلت سأصل، ثم سأرى كيف نتدبر الأمر. غادرت مع زوجتي وأطفالنا الثلاثة.
وصلنا القاهرة ليلا. لا تحتاج أن تبحث، فالمهرّبون يعرفونك. ينتشرون في صالة المطار، وحالما يرونك يعرضون عليك: «تاكسي؟ فندق؟ ليبيا؟». أردنا المغادرة مباشرة. شرح لنا المهرب الخطة: يأخذنا إلى منطقة المطروح (داخل مصر على الحدود الليبية)، ويسلّمنا إلى شيخ عشيرة يستطيع إدخالنا في اليوم ذاته. قال لنا إنها عائلة اسمها «آل علي»، وهي عشيرة مهرّبين معروفة ومسيطرة على المنطقة. عرفنا أنه لو أردنا الدخول بشكل نظامي سيحصل معنا مثل سوريين آخرين، يجلسون عشرة أيام على الحدود.
كنا أربع عائلات، وأخذنا المهرّب في سيارة سرفيس. تنقّلنا من سيارة إلى أخرى، من مهرب إلى آخر. كل مرحلة كانت لها تسعيرة مختلفة. من القاهرة إلى المطروح أخذوا 600 دولار على الشخص. وصلنا طرابلس بعدما كلّفنا السفر 1500 دولار على الشخص البالغ، الصغار لا يأخذون عليهم. الآن فهمت أن المبلغ لم يكن كبيرا، خصوصا بعدما سمعت بالمبالغ الكبيرة التي يدفعها الناس في لبنان للوصول إلى ليبيا لركوب البحر.
لم نكن نتوقع ما سنعيشه ونراه في ليبيا. أولا، كنا نتوقع أن نجد الأمان. قلنا إن الثورة انتهت، وسنكون في بلاد لملمت نفسها. وجدنا العكس: لا يوجد دولة. كل ما رأيناه هناك هو عصابات. صحيح أنك تعمل، وتقبض بشكل ممتاز. لكن لا تستطيع أن تضع ما تكسبه في جيبك. أكثر شخص مطموع به هو السوري. تعمل وتكسب، لكن في الطريق يمكن أن يشلّحوك النقود والموبايل.
عشت في طرابلس، في منطقة القصر من حي صلاح الدين. كانت المنطقة في السابق معسكرات للجيش الليبي. هناك حوالي عشرة معسكرات. الآن كل معسكر استلمته عشيرة. المعسكر حيث أسكن كان بيد عشيرة الزنتان. كل عائلة كبيرة لديها سيارات «بيك آب» يركّبون عليها رشاشات. كل شخص يعمل حاجزاً في شارعه. في طرابلس ترى الحشيش منتشراً في الشوارع، على بسطات خارج المسجد. السلاح مرمي في الشوارع. سوق السلاح عبارة عن بسطات، فيها من الـ«آر بي جي» وأنت نازل.
عشت هناك فترة سنة ونصف السنة ذقنا فيها الويل. إذا مرض ولدك في منتصف الليل لا يمكنك إسعافه. لا يوجد طبابة جيدة. أعرف شخصا كان يعمل طبيبا بيطريا في سوريا، وهو الآن يعمل كممرض بشري في طرابلس.
تعرضت للتشليح مرتين. مرة كنت خارجا إلى السوبرماركت، حوالي الساعة الثامنة مساء. اعترضني شبان مسلحون. قالوا لي «طلاع بفلوسك وموبايلك». أعطيتهم كل شيء معي. طلبت منهم فقط بطاقة الذاكرة من الموبايل. لم يردّوا. أحدهم أخرجها وكسرها أمامي، كان يصرخ علي: «اذهب وحارب في بلدك، أنت لماذا موجود هنا؟». سكتّ. لا يمكنك قول شيء.
صديقي أوقفته شرطة، يسمونهم «ثوار». شلحوه النقود والسيارة. زوج أختي كان في طريقه إلى «وسترن يونيون»، شلحوه 600 دولار كان يريد إرسالها لأهله. جلست هناك سنة ونصف السنة، ولا مرة قمت بتحويل نقود. الطريقة الأسلم هي عبر المعارف. سيوصلونك إلى ناس مختصين بالتحويل. يأتي شخص لعندك، يأخذ المال ويذهب هو لتحويله بعد أن يأخذ نسبته. على كل ألف دولار يطلب 200 دولار. هذا أفضل من أن يوقفك مسلح وتخسر كل شيء.
فاجأتني ليبيا، لو عرفت أن الأوضاع هكذا لما كنت أتيت.
عندما كنت في سوريا، رغم كل الخبط والضرب، لم أفكر يوما بأن أخبّئ ربطتي خبز. في ليبيا خزّنا طحيناً. تمر عشرة أيام أحيانا لا أفتح فيها باب البيت. كنا خائفين، وقلنا إذا انقطعنا يمكننا أن نعجن ونخبز. في سوريا لم أفعلها. كل فترة، كل كم يوم، نعيش هذه الحالة. تسمع أصوات الضرب في الشارع، ولا تعرف من هناك، من الجيش أو من المسلحين.
العمل كان مكسبه ممتازاً. مهنتي معلّم حجر (تلبيس رخام وديكور خارجي للبنايات). لكن ما جعلني أفكر في ترك طرابلس هو آخر ورشة عملت فيها. بقي لي 15 ألف دينار لم أقبضها (أكثر من 12 ألف دولار أميركي). عملنا مع رجل مقتدر وكان تعامله معنا جيدا. خطفوه مرتين. في الأولى دفع فدية 300 ألف دينار. في المرة الثانية استطاعت دورية تخليصه من الخاطفين. رجال الدورية نصحوه بالمغادرة، قالوا له نحن يمكننا أن نحجزهم كم يوم، لكن بعدها سيأتي مسلحو الزنتان مرة ثانية. غادر الرجل من ليبيا.
عرفنا بكل هذا لاحقا. كنا نعمل في الورشة وتعرضنا لهجوم. هددونا وقالوا إن هذه الورشة انتهت. أطلقوا النار باتجاهنا. لحسن الحظ تمكنت من الهرب مع بعض العمال، وأمسكوا البعض وأخذوهم.
في الأصل الأوضاع سيئة. لا يوجد شارع تمشي فيه بأمان. الأولاد وجدوا لهم مكاناً بصعوبة في مدرسة، التعليم سيئ ولا يستفيدون. فكرت: ما المستقبل الذي ينتظرهم. لم أعد أستطيع العمل. بعد ما حصل في الورشة ما حصل قلت: خلاص، طفح الكيل. في هذا الوقت بدأ الليبيون يحاربون بعضهم. صارت ليبيا مثل الجحيم.
فكرنا مع بعض أصدقائي في الذهاب إلى مصر، والاستقرار هناك للعمل. الضرب كان شغالا، ولم يكن هناك طريقة للحصول على تأشيرة.
لم يبق خيار آخر سوى ركوب البحر. كان قرارا جماعيا. كنا في المجمل خمسين شخصا، أصدقاء ومعارف، من دون حساب الصغار. قرارنا كان أننا مهما حصل لن نخرج في زورق صغير. وصلنا إلى أحد المهربين، قلنا له إن هذا هو شرطنا. وافق. أخبرنا بأن لديه جرافة سمك (سفينة صيد متوسطة) طولها 50 مترا. الناس عادة تدفع ألف دولار على الشخص، هو قال إنه يريد 1500. تفاوضنا وقال أخيرا انه سيراعينا، وافق أخيرا على 1200 دولار. الصغار لا يحسبونهم، لا يأخذون عليهم أجرة.
بعث لنا 11 سيارة تاكسي إلى طرابلس. كان يجب أن نمر عبر خمسة حواجز. الثالث أمسكنا. المهرّب مشّى الموضوع. كلهم تابعون لبعضهم البعض، اتصل الشخص الذي اصطحبنا بالمهرّب، وجعله يتحدث مع الرجل على الحاجز فتركونا نمرّ.
أوصلونا إلى منطقة زوارة، قرب الحدود مع تونس. وضعونا في بيت مهجور. كنا خمسين شخصا، وقدموا سبع اسفنجات لننام عليها. رجال المهرّب كانوا مسلّحين. قالوا لنا يجب أن ننتظر ونرى وضع البحر. في اليوم الثاني جاء مسلح ليتفقدنا، جلب لنا الأكل. شيء لا يكفي، علبتا مرتديلا كبيرتان. كانوا يغلقون علينا الباب ويذهبون. نجلس وننتظر. اليوم التالي جاءوا في المساء، قالوا: البحر هائج. صرنا نفكر أن هذا غير معقول، وأن قصة البحر الهائج هي فقط حجة. بالتأكيد كانوا ينتظرون لجمع عدد معين، مع أننا شارطناهم. قلنا لهم أكثر من 150 شخصاً على الزورق لن نخرج.
بعد أيام، قلت لهم لم أعد أريد. عشنا في ذلك البيت وكأننا في سجن جماعي. كان حجتي هي ابني المريض. قالوا إذا أردت العودة ستدفع. دفعت 450 دولارا لأعود مع عائلتي إلى طرابلس. جلست هناك عشرين يوما. الآخرون بقوا في زوارة، يسمعون نفس قصة التأجيل. اليوم وغدا. عندما ذهبت مجددا لم أعرفهم. اتصل بي المهرّب وقال: تعال، الكل تجمّعوا. كان الناس هزيلين وذقونهم طالت.
حتى الآن كان الاتفاق كما هو، على «جرافة سمك». الساعة الواحدة ليلا تقريبا، وزعوا علينا ستر النجاة. كان العدد وصل إلى 200 شخص. جاؤوا بشاحنة نقل، مثل براد نقل الخضار، ووضعونا جميعا بداخله. كنا مكدّسين مثل السردين. كلما اهتزت السيارة أو توقفت كان الناس يرتمون فوق بعضهم. الطريق أخذ تقريبا نصف ساعة. وصلنا إلى الشاطئ، قرب محطة غاز اسمها «مليكة». هناك كانت المفاجأة. كنا أكثر من 200 شخص، ووجدنا نفس العدد ينتظر على الشاطئ.
كان معنا مجموعة مسلحين، قسمونا على مجموعات. جلبوا زوارق مطاطية كي تنقلنا إلى المركب. قالوا النساء والأطفال سيذهبون لوحدهم. لم أقبل. بقيت مصرا، فهددني واحد من المسلحين. رضخت، لكني قلت: هي تذهب مع ولد، ويبقى ولدان يذهبان معي.
كنت حسبت لما نحتاج. جلبت ماء، حبوباً لدوار البحر للأطفال، حبوب سخونة، بسكويتا لأطعمهم. جلبت الكثير من الماء. نقلتنا أربعة زوارق مطاطية على مجموعات، تذهب وتعود. كنت في آخر مجموعة. من الزحمة والفوضى مشى الزورق، ركضت خلفه. رميت حقيبة ملابس. سلمت الولد للناس وتعربشت به.
مشى الزورق بنا تقريبا 25 دقيقة. «جرافة السمك» التي وعدنا بها المهرّب لم نرها. هو قارب صيد عادي، طوله حوالي 17 مترا. لا مكان لتجلس. هناك عرفت ما الذي كان ليحصل لو لم أتشبّث بالزورق المطاطي. كانت هناك صبيتان ركبتا من دون أهلهما. امتلأ الزورق وأبحر، وأهلهما بقوا على الشاطئ. نفس الشيء حصل مع بنت وأمها بقيتا وحدهما.
العدد على القارب كان أكثر من 400 شخص. كنا هناك حوالي ثلاثين سنتيمترا متاحة كي أجلس. الساعة كانت قبل الثالثة فجرا. صرنا نتجادل مع سائق القارب، وأن شرطنا كان 200 شخص. لم يكن هناك فائدة. قبل أيام من سفرنا غرق زورق من الازدحام، انقلب قبل أن يبحر ومات 40 من الأفارقة.
لكن لم يكن هناك مجال للتراجع. قلت ذلك لنفسي منذ كنا على الشاطئ. سألت زوجتي والأطفال أن يسامحوني، وطلبت السماح من رب العالمين.

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: