حوار من الواقع!

“سمير العيطة – السفير اللبنانية” سمير عيطة

يسأل البعض: هل أنت علويّ أم مسيحيّ أم مسلم سنيّ صرف أو ذو أصول ممزوجة عربيّة وكرديّة وتركيّة وشركسيّة؟! لعلّ الإجابة الأفضل على هؤلاء جميعاً هي أنّك أحد بنادقة تيمورلنك وفخور بذلك. ذلك أنّه لم يختر أحدٌ منّا دينه ومذهبه ولا أصوله، لكنّنا عشنا معا، ولم يكن أحدٌ يركّز تفكيره على هذا السؤال ولا الإجابة عنه.
لقد بتنا كسوريين نعيش أحوالاً شديدة الاضطراب. ليس في معيشتنا وهجرتنا وشقائنا وحربنا فحسب، بل أيضاً وأساساً في أذهاننا. بات الحديث الطاغي هو عن أقليّات وأكثريّات. «مفكّرونا» و«فلاسفتنا» ذهبوا ينظّرون «للأقليّات السياسيّة» ويفسّرون كلّ شيء على أساس «الطائفيّة السياسيّة».
ويصفك البعض بمناهض للثورة. لأنّك واجهت من ادّعى أنّه الثورة بعد أن كان حتّى الأمس القريب متملّقاً للاستبداد. ويصرخ آخر «لا أحد يضع شروطاً على الثورة». إنّ الثورة هي ما يصنع قيماً للجميع، من دون استثناء. وتحديد قيمها منذ اليوم الأوّل هو الذي يجعلها ثورة، وليس فقط انتفاضة تنتهي إلى حرب. لا يمكن للثورة أن تتصرّف مثل المستبدّ، ولا أن تسكت على تصرّفات طائفيّة، ولا أن تستغيث بقوى خارجيّة. إنّها يوم تفعل ذلك تفقد قيمها وقيمتها.
لقد ترسّخت في أذهان البعض فكرة أنّ الثورة موضوع يمنح «شرعيّة ثوريّة» تتيح كلّ شيء من دون قيود. لكنّ الثورة هي في جوهرها فعل انتفاضة على طاغية واستبداد وعلى ممارسات بالية لمجتمع وعلى تفاسير متزمّتة للدين، وهدفها الأسمى هو صنع حريّة ومساواة ومواطنة وقانون وكرامة… للجميع. وهي أن تقوم على أساس «عهد وطنيّ» يؤسّس لمستقبل مواطنة سياسيّة ومدنيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، يبقى كنجمة صبح يُسترشَد بها مهما بلغت مآسي مواجهة الظلم.
ومن السهل لدى البعض توجيه الاتهام لك. انّك لا تريد «إسقاط النظام». لكنّ النظام يسقط بمجرّد أن يغدو الحاكم غير قادر على الحكم إلاّ بالحديد والنار، وأنّه لا بدّ من بناء نظام جديد له أسسه وتوافقاته، وبذل كلّ الجهود للحفاظ على الدولة ومؤسّساتها وإلاّ عمّت الفوضى. السلطة التي تبتلع المجتمع والدولة هي التي سترحل، بمجّرد أن يحلّ التوافق الجديد ضدّ استبدادها. لكنّها ستبقى ولن ترحل إذا لم يتمّ خلق التوافق الوطني العام المنشود. مؤسّسات الدولة ملكٌ عام، دفع الآباء والأجداد ثمن صنعها غالياً، وليست ملكاً للسلطة. انهيار مؤسسات الدولة يعني الفوضى وميليشيات وإمارات حرب وتنظيمات متطرّفة.
هناك من يردّد القول انّ سوريا لن تعود كما كانت، فالأحقاد ترسّخت ولن يستطيع أبناؤها التعايش معاً من جديد. لكنّ هؤلاء ينسون أنّ السوريين ليسوا أوّل من عرف ثورات وخاضوا حروباً أهليّة. معظم الأمم العريقة تأسّست عبر أزمات عميقة وخرجت منها أكثر تجذّراً وصلابة. سوريا هي خيار هويّة. سوريا مواطنة مستقبل وليست مجرّد إرث ماضٍ مجيد رحل. مواطنة تقبل التعدديّة المذهبيّة والعرقيّة. إرثها عربيّ إسلاميّ ومسيحيّ، لكنّها ليست شوفينيّة. الأكراد والشركس والأرمن وغيرهم من القوميّات أبناؤها كما العرب. سوريا كدولة حريّات ومواطنة مستقبليّة هي مثالٌ لكلّ أمم العرب بل حتّى للأتراك وغيرهم. من هنا لها دور أكبر من حجمها وهي خطر على الاستبداد في المنطقة كلّها.
لقد انقلبت المعايير، وأصبح الحديث عن فلسطين ومقاومة واحتلال «نشازاً». لكنّ فلسطين كانت وهي وستبقى حجر زاوية في هويّتنا. والمشروع الذي يواجهها يحمل جراثيم تفكّكنا أيضاً. وانتصار قضيّتها هو انتصارٌ لنا ولمشروع سوريّتنا.
نعم قد نخطئء جميعاً. لكنّ المهمّ أن نبقى أحراراً ونؤمن بالحريّة لنا ولمن يناهضنا الرأي… المهمّ هو ما سنصل إليه ذات يوم… معاً.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: