الانـدماج الوطنــي الـمـرتـكز على مـبـدأ الـمـواطـنـة

يحيى عزيز

شكل الغزو الأمريكي للعراق ومن ثن التدخل الخارجي العسكري في اسقاط نظام معمر القذافي مدخلاً لأطروحة خطيرة مفادها، أن الاحتلال يمكن أن يكون انقاذاً للبلد من الدكتاتورية، الأمر الذي يتناقض جذرياً مع مفهوم الوطنية ومع أبسط قواعد المنطق السليم، لأن الاحتلال يمثل أشد أشكال القتل والقمع والإذلال والاضطهاد والتفتيت والتخريب وتدمير وجود الدولة، بصرف النظر عما فعلته الحرب في سوريا كما أنه يتنافى مع أسس الديمقراطية التي توفر أسس الاندماج الوطني المرتكز على مبدأ المواطنة، وترافقت هذه الأطروحة مع فكرة روج لها الإعلام الأمريكي وبعض الفضائيات العربية الدائرة في فلكه، تقول: إن اسقاط الأنظمة الديكتاتورية في هذا البلد أو ذاك من قبل المحتل، إنما يفتح آفاق التطور الديمقراطي، التي كانت مغلقة أصلاً في ظل الأنظمة الشمولية وهو ما تردده وتمارسه للأسف الأطراف المنخرطة في أتون الصراع المسلح المحتدم في سوريا، منذ ثلاث سنوات ونيّف ومن يقف وراءها “بزنس سياسي”، مثل هذا القول يجرنا إلى متاهة تغفل درجة أخطار الاحتلال، ومن الضروري أن يحارب الوطنيون كافة خطر الاستعانة بالاحتلال لتحقيق ” الديمقراطية” لأن الاحتلال عدوان خارجي، لا يستهدف النظام فقط، بل يستهدف أيضاً الوطن والمجتمع والدولة، كما يعمل على تفتيت البلد وتقسيمه وزيادة حدة النعرات الطائفية والإثنية والقبلية والعشائرية فيه.. أما ” الديمقراطية ” التي يراد بناؤها في ظل الاحتلال فيمكن أن نتبين معالمها بوضوح في العراق وليبيا.

الديمقراطية تحتاج حرية الوطن وحرية الفرد في آن واحد، وهو أمرٌ ينتفي تماماً في ظل الاحتلال. صحيح أن بناء الديمقراطية، هو مطلب ملحٌ لكل الشعوب والمجتمعات، لكنه لا يمكن أن يتحقق عن طريق التحالف مع الاحتلال، إنما يحتاج قبل كل شيء، قاعدة اجتماعية واسعة، كما يحتاج إلى تجاوز البنى التقليدية الموروثة، ما قبل الوطنية التي يعمل الاستعمار على تفعيلها وتوظيفها بما يخدم مراميه وأهدافه.

من هنا تبرز أهمية بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم على مؤسسات دستورية تعمل على بسط القانون على الحاكم والمحكوم، وتكون متلازمة ومتكاملة مع المجتمع المدني، الذي لا يمكن أن يؤدي رسالته من دونها. لأن الديمقراطية تشكل المضمون الحقيقي والفعلي للوطنية، التي يمكن أن تتعرض للانتكاسة والأخطار في غياب الأحزاب الوطنية الديمقراطية والنقابات والاتحادات والروابط والمنظمات المستقلة، وتبقى الإنجازات الوطنية في ظل غياب الديمقراطية معرضة للتهميش والإلغاء والأمثلة التي يمكن أن نستقيها كثيرة في هذا المجال.

إذا الوطنية والحالة هذه تمثل مشروعاً تاريخياً ينطوي على طرح برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، لا غنى عنها من أجل تحقيق الاندماج الوطني والانصهار في أي مجتمع. وتمثل الديمقراطية المضمون العملي لأي مشروع وطني حقيقي والضمانة الأفضل لتحقيقه وحمايته، وقد ثبت من تجارب الشعوب في العصر الحديث أنه ليس هناك بديل عن الأحزاب والحركات الاجتماعية والسياسية الوطنية الديمقراطية المنظمة، للقيام بالوظائف الأساسية في الممارسة الديمقراطية.

وتعتبر الأحزاب والحركات والتجمعات السياسية الوطنية الديمقراطية المكونة من المواطنين الأحرار، بعيداً عن انتمائهم القبلي والعرقي والطائفي والعائلي والعشائري مؤشراً دقيقاً لدرجة الاندماج الوطني، والوعي بالمصلحة العامة المشتركة لمجموع المواطنين. وتمثل البنى ما قبل الوطنية.. التي تقدم ولاءاتها الضيقة الخاصة على الولاء للوطن، تمثل عنصر الإعاقة الرئيسي الذي يحول دون تحقيق الاندماج الوطني. لذا فإنه من الملح إرساء العمل السياسي في سوريا على أسس وطنية عامة، بعيداً عن ثقافة ” المكونات ” التي تأخذنا إلى حالة من التذرير والتفتيت والحرب الأهلية.

تأسيساً على ما تقدم يعتبر المجتمع المدني: نعني الأحزاب والنقابات والاتحادات والروابط والجمعيات المستقلة، الإطار القادر على كبح جماح وإذابة وتصعيد واستيعاب العصبيات ما قبل الوطنية، ودفعها باتجاه اندماج اجتماعي وطني أرقى، وبالاستناد إلى رابطة المواطنة، والمجتمع المدني أصلاً، ينشأ من انحلال تلك الانتماءات والعصبيات ما قبل الوطنية، الدولة الوطنية الديمقراطية تساعد بدورها في انجاز تلك العملية بيد أن هذا النوع من الانحلال هو أمرٌ تاريخي، والمهم هنا هو وعي هذه الصيرورة والتحكم بها بقدر المستطاع والاستفادة منها في بلورة مجتمع مدني يحل تدريجياً مكان المجتمع الأهلي. لكن تقوية المجتمع المدني وتعزيز دوره يشترط بالضرورة وجود دولة وطنية حديثة تعترف به وبوجود علاقة تكاملية بينه وبينها. ونرى أن المدخل الحقيقي إلى ذلك أنما يتطلب بالضرورة إشاعة مناخ ديمقراطي حقيقي.

في سياق ذلك يبقى موضوع الديمقراطية موضوع حيوي، مستويات البحث فيه شديد التفاوت، لأن الديمقراطية – بمعناها الواسع – هي إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية داخل كل بلد، بالتحرر من العلاقات والبنى التقليدية المختلفة، ما قبل الوطنية.. بما ينطوي عليه من تمييز، نحو علاقات المساوات السياسية والقانونية التي تنتج المواطنين بدلاً من الرعايا.

فالطوائف في ” الديمقراطيات ” المتأسسة على الطوائف هي ” الأحزاب ” الحقيقة للأنظمة التي تنبثق عنها، لأن الحزب بالمعنى الحديث والمعاصر، هو مفهوم طارئ، بل من غير شرعي عملياً، بالنسبة لهذا النوع من ” الديمقراطيات “، فمثل هذه الأنظمة ترى في قيام الاحزاب الحقيقة ذات البرامج الوطنية، خطراً يهدد وجودها، لأن المنطق الطائفي يُزوِّر دائماً، المؤسسات ” الديمقراطية ” ويحرّف الصيغ والنصوص القانونية والدستورية لمصلحة هذه الطائفة أو تلكَ بما يجر أسوأ النتائج الكارثية على الوطن ويحرم الناس من فرصة بناء وطن ومجتمع ودولة.

يُتبع….

 

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي وموقف هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: