مـواقف المعارضات قبل الأزمة وأثرها على انطلاق الانتفاضة في سوريا

يحيى عزيز

كنا نحن الديمقراطيين الاجتماعيين، جزءاً عضوياً في المعارضة السورية حتى صدور إعلان دمشق، الذي لم نجد لأنفسنا موقعاً فيه بسبب خلافنا مع أسسه ومنطوياته، وقد تقدمنا بقراءتنا النقدية في إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي في حينه تحت اسم لجان إحياء المجتمع المدني، لكننا استأنفنا الحوار مع حزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي العربي ومع حزب العمل الشيوعي، بعد أن جمّدا عضويتهما في الإعلان إثر خلاف نشب بين أطرافه، ومع قوى سياسية عربية وكردية أخرى، لم تكن طرفاً في إعلان دمشق.

كان الحوار يهدف إلى تأسيس تيار وطني ديمقراطي يتموضع خارج السلطة وخارج إعلان دمشق، أُطلق عليه تسمية “الخط الثالث” لكن الأحداث اللاحقة قطعت مسار الحوار والتواصل… وبعد فترة قصيرة عدنا بانضمامنا سياسياً إلى هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي.

وفي عرض مواقف المعارضات لا بد من التأكيد في معرض حديثنا عن المعارضة السورية، على أنها دأبت باستمرار على دعوة السلطة إلى حوار سياسي، لكن الأخيرة كانت تصم الآذان عنه لسبب بسيط هو أنها لم تكن تعترف بوجود الآخر المختلف، كما أنها لم تكن تقبل بمشاركة الآخرين لها في اتخاذ القرار، إضافة إلى أنها كانت تنظر إلى هذه الدعوات بتوجس وريبة، لأنها لم تعتاد على محاورة مواطنيها السوريين.

وكانت المعارضة تتعرض بين الحين والآخر لأنواع مختلفة من الضغوط والملاحقات والاستدعاءات الأمنية وحتى الاعتقال. وهنا لا بد من التأكيد على أن نفي المتغيرات ومقاومتها بدعوى الحفاظ على الثوابت والاستقرار، أنما يمثل جذر الاستبداد. فأصل الاستبداد، هو أن تستولي على المرء مقولاته، كي تحمله على الاشتغال كحارس لمصالحه وآلية سيطرته في مواجهة ما يحدث من تغيرات وتحولات ذلكم هو السبب، الذي دفع السلطة إلى رفض الحوار وعلى مدى عقود طويلة مع اطياف المعارضة الوطنية، التي ما فتئت تدعو النظام إلى الشروع في حوار سياسي، كان يمكن توظيفه لمصلحة سوريا على أحسن وجه.

لكن رفض السلطة لدعوات المعارضة إلى الحوار التي كنا جزءاً منها لم يزدنا نحن في الحزب الديمقراطي الاجتماعي إلى إصراراً على أننا سنظل نبذل كل جهد ممكن للانتقال ببلدنا، بعد أن طوى الواقع السوري المتغير صفحة الحوار، ليحل محلها صفحة التفاوض السياسي مع السلطة الحاكمة، من اجل الانتقال من النظام الشمولي – الأمني إلى نظام الدولة الوطنية الديمقراطية، ومن ثقافة الاستثناء إلى ثقافة الدستور.

لم ولن تدفعنا سياسات النظام الإلغائية والإقصائية للآخر إلى ردود فعل خاطئة إيذاء المخاطر، التي يتعرض لها شعبنا وبلدنا وسنبقى نعمل، جنباً إلى جنب مع كل القوى الوطنية والديمقراطية من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية السياسية، دولة المواطنين الاحرار المتساوين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الدين والجنس، من أجل الدولة الانتاجية التنموية، لا الريعية، التي تصون كرامة المواطن وتحمي حقوقه وتوفر له الحد الادنى الضروري لمستلزمات العيش الكريم، وتدافع عن حرياته……. لكن المفاجئة بالنسبة لنا بدأت وتمثلت في التبدل في مواقف المعارضات السورية في إعلان دمشق، هذا الموقف الذي نلمس استمرارية له في الأزمة الراهنة.

إذا كانت السلطة الحاكمة في مواقفها قد ركزت على فصل الوطني عن الديمقراطي، من أجل فرض هيمنتها وبسط نفوذها على مجالات الحياة كلها، فإن المعارضات السورية بكافة أطيافها وألوانها قد آثرت أن تفصل الديمقراطي عن الوطني وتخفض من قيمة الاجتماعي وبدا هذا جلياً في نص إعلان دمشق…. لتقدم في الوقت نفسه فهمها للديمقراطي بصورة ملتبسة، من خلال طرحها ثقافة المكونات التي جاء بها بريمر إلى العراق، أي ثقافة، ” الطوائف والأعراق” فهناك فقرة في الإعلان تؤكد على (( ضمان حق العمل السياسي لجميع مكونات الشعب السوري على اختلاف الانتماءات الدينية والقومية والمذهبية))، أي العودة بنا إلى ترسيخ البنى المغلقة، ما قبل الوطنية، من دينية وطائفية وعرقية، وعشائرية، وتحقيق التراصف الطائفي والإثني والعشائري، الذي يحمل في ثناياه بذور التفتت والتشظي والحروب الأهلية، ويأخذنا إلى الانتماءات ما قبل المدنية، التي تفقد فيها المصطلحات الحديثة دلالاتها ونرى أن المجتمعات خاصة المتعددة دينياً ومذهبياً وقومياً كما هي عليه الحال في سوريا، لن تجد لحمتها وسلامها الاجتماعي، وربما وجودها، إلا بتجاوز أشكال الروابط والتضامن المغلقة القديمة، ما قبل الوطنية، والوصول إلى صيغ وأشكال التضامن المدنية المفتوحة والحديثة.

وفي ردهم على الانتقادات، قام ممثلو الإعلان بإحالة النقد إلى اتهام، بل إن البعض شرع في فرز الناس إلى مؤيد ومعارض كما تفعل السلطة في سوريا، ما يعني هذا أن المعركة مع الاستبداد مازالت في بدايتها، وإن الاستبداد يتسرب إلينا من النافذة، قبل أن نفلح في مواجهته من الباب، إذ لا يمكن للمعارضة دفع تهمة الاستبداد عنها، بمجرد تموضعها في الخندق المقابل للسلطة.

وفي الحقل السياسي لجأ البعض إلى السكوت عن سياسات الولايات المتحدة العدوانية تجاه منطقتنا، إنما بهدف خطب ودها وكسب تأييدها هذا ما من شانه قد أثر عل مسار الحراك الشعبي وقواه الوطنية الديمقراطية وجعل قسماً من المعارضات لا تجد أدنى حرج في الاستعانة بالقوى الأجنبية من أجل انجاز مهمة التغيير، وهو ما تجلى في دعوة بعض أطراف المعارضة السورية في الخارج إلى التدخل الأجنبي عسكرياً.. والقبول بإعادة صياغة الأوضاع في المنطقة العربية بما ينسجم مع الأولويات والمصالح الأمريكية – الصهيونية.

إذا كان مركز الأزمة يقع عند السلطة، فإن الخروج من الأزمة، يكون بالانتقال جدياً وهذا ينبغي أن يكون سلمياً، أي بعيداً عن العنف وهو ما لم يتحقق بفعل الخيار الأمني العسكري الذي اختاره النظام الحاكم لحل الأزمة السورية، لذلك فإننا نرى أن العنف لن يحل الأزمة بل سيزيد الأمور تعقيداً ولن يسلم من نتائجه المدمرة أحد من البشر والشجر والحجر، وهنا لن ندخل بتفاصيل الحرب الجارية على الساحة السورية بل سوف نؤكد من جديد في خضم الأزمة وعنفها، بانه آن الآوان لوقف العنف إذ لا مناص من السعي نحو وحدة المعارضة المؤمنة بالحل السياسي الديمقراطي من أجل الوصول عبر هذه الوحدة إلى عقد مؤتمر وطني شامل تحت رعاية دولية، ولن نكل أو نمل من التأكيد عليه، تشارك فيه كل الأطراف المؤمنة بالحل السياسي، يتم خلاله التوافق الوطني حول الخطوات والإجراءات المطلوب اتخاذها خلال المرحلة الانتقالية التي جاءت في وثيقة جنيف /1/، في سياق عملية الانتقال الديمقراطي، ولحسن انجازها لا بد من تحقيق التدابير السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تساعد في معالجة أوضاع المتضررين بالأزمة والتعويض عليهم مادياً بما فيهم الذين صُرفوا من العمل الوظيفي قسرياً لأسباب امنية وسياسية قبل عام 2011، وإعادة الإعمار والبناء تحت إشراف هيئة عليا تتمتع بالثقة والنزاهة. وهذا يدخل في مهام المرحلة الانتقالية، المتوافق عليها وطنياً حول ألية تنفيذ المهام الانتقالية التي تنتهي بتأسيس الدولة المدنية الديمقراطية التعددية سياسياً، القائمة على العقد الاجتماعي بين المواطنين الأحرار من جهة وعلى تداول السلطة عبر انتخابات حرة نزيهة، وضمان حق الترشيح، والحق في التظاهر، وحرية القول والتعبير والتنظيم وحق الاختلاف، من جهة أخرى.

ويقترن المفهوم الحديث للمواطنة بقناعة راسخة وإيمان كبير من جانب المواطن بأهمية وجود المعارضة السياسية الدائمة في المجتمع، وذلك من أجل تحقيق التوازن الديمقراطي فيه، هذا التوازن الذي يحمي ويمنع السلطة السياسية المتعاقبة من التطرف والشطط ويفسح المجال لممارسة السياسة التي تجسد الطريق الواقعي والعمليّ لإنجاز المشروع النهضوي الديمقراطي. بيد أن السياسة لا تستقيم إلا إذا اقترنت بالمعرفة، وبالثقافة، وبالعلم، ما يعني أن ممارستها لا تنفصل عن وجود الحرية، فبدون وجود حريات وتعددية حقيقية لا يمكن أن تكون هناك سياسة أو نشاط سياسي، إلا في المعنى الزائف والبائد للسياسة بموصفها فاعلية سلطوية لا أكثر ولا أقل.

بناء على ما تقدم ينطوي مفهوم الوطنية بما يتضمنه من معاني الحرية والمساواة القانونية والمشاركة في السلطة بالتساوي بين جميع المواطنين، ينطوي على تغيير شروط حياة الناس النفسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، مما يعني نشوء أشكال تضامن وطنية جديدة تتجاوز العصبيات التضامنية الموروثة من طائفية وقبلية وعرقية وجهوية، واستلهام قيم انسانية عامة.

بناءً على ذلك ترتبط الوطنية أي الرابطة السياسية النوعية بالسياسة ذات الأهداف الوطنية التي تكفلها الدولة الوطنية الديمقراطية، دولة الحق والقانون بوصفها التجسيد المباشر للسيادة الشعبية. وتمثل الوطنية نوعاً من الالتزام بما يمكن أن نعتبره المصلحة العليا والعامة للبلد أو لقضية البلد المركزية التي تتمفصل مع حاجات الواقع ومتطلباته في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، والتي تجسدت في الأهداف الوطنية وفي بناء الدولة الوطنية الديمقراطية، الدولة الانتاجية التنموية، لا الريعية، الدولة المنفتحة على مشروع ديمقراطي عربي نهضوي توحيدي لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل في آن، وتبني نهج المقاومة سبيلاً لتحرير الأراضي العربية المحتلة.

يُتــبــع…..

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: