مــقــاربات الــواقع الاجتـمــاعــي والسياســي فـــي سوريـــا

يحيى عزيز

مثلت هزيمة حزيران 1967 بداية انكفاء التطلعات القومية والتقدمية لحركة التحرر العربية، كما جاءت وفاة الزعيم الوطني الراحل جمال عبد الناصر عام 1970 لنزيد من توسيع الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية التي بلغت ذروتها بتوقيع اتفاقات الإذعان والاستسلام في كامب ديفيد، لتحول الأنظمة المصرية المتعاقبة إلى تابع للتحالف الأمريكي – الصهيوني وكلنا أمل أن ينفتح عهد السيسي على كل ما من شأنه تدعيم وتعزيز الإمكانيات الوطنية التي تمكن مصر عملياً من ممارسة دورها الإيجابي الفاعل عربياً وإقليمياً ودولياً، نقول هذا كي تستعيد مصر دورها الريادي في الدفاع عن حقوق العرب في الوحدة والديمقراطية والتنمية والتوزيع العادي للثروة، وأن تكون مستقلة في خياراتها ومواقفها بما يخدم حقوق مكونات شعوب المنطقة العربية في التحرر والتقدم.

وبعد صعود السادات، والأسد دفة الحكم عام 1970، وخاصة بعد حرب التحريك عام 1973 عملت الولايات المتحدة الأمريكية على تحويل الصراع العربي – الصهيوني، القائم في المنطقة إلى صراع ثانوي هامشي في مواجهة الخطر الإيراني القادم بعد ثورة الخميني الأمر الذي جعل نظام الحكم في سوريا يمد جسور التقارب مع النظام الإيراني بفعل الخلاف القائم بين نظامي الحكم في العراق وسوريا من جهة، وبين النظام الحاكم في مصر بعد معاهدة كامب ديفيد ومنعكساتها على المنطقة العربية من جهة أخرى.

هنا برز خلل في وعي الكثير من نخب وقيادات سياسية وثقافية واجتماعية في النظر إلى التناقض الذي حكم العلاقة بين السياستين الخارجية والداخلية للنظام السياسي الحاكم في سوريا، أي ما قام به في عملية فصل بين الوطنية من جانب وبين الديمقراطية من جانب آخر.

على صعيد السياسة الخارجية اتسمت مواقف النظام السياسي الحاكم في سوريا وممارساته بصورة عامة بالبراغماتية التي فتحت له سوق ” البازار” السياسي… والظهور بمظهر مناهضة المشروع الأمريكي – الصهيوني في المنطقة والعالم، وبتعزيز تحالفه مع إيران وسعيه لاحتواء المقاومات في فلسطين ولبنان والعراق، مدعياً أنه الداعم الأساسي للمقاومة الفلسطينية وللمقاومات المناهضة للمشروع الأمريكي – الصهيوني في الشرق الأوسط.

واستطاعت السلطة السورية بسياساتها التضليلية أن تخاطب مزاج وعقول الناس سياسياً وثقافياً وأن تكسب تأييد العديد من النخب السياسية والثقافية المتوهمة بأن السلطة السورية عارضت العدوان الأمريكي على العراق ورفضت الإملاءات الأمريكية التي حملها كولن باول إلى دمشق بعد الغزو الأمريكي للعراق ودعمت قبل ذلك المقاومة اللبنانية في نضالها المسلح الذي تكلل بتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي بلا قيد أو شرط في 25 أيار عام 2000، واستمر دعمه للمقاومة العراقية في تصديها للاحتلال الأمريكي وفي دعمه للمقاومة اللبنانية وتمكينها من الصمود في مواجهة العدوان الاسرائيلي – الأمريكي وفي مساعدتها على تحقيق انتصارها، كما احتضن النظام السياسي الحاكم في سوريا منظمتي ” حماس ” و ” الجهاد الإسلامي ” مستفيداً من تمنع الدول العربية كلها عن القيام بذلك، ومستفيداً من موقف الأنظمة العربية من العدوان الصهيوني على غزة وعلى جنوب لبنان من جهة ومن التوجهات الأمريكية الصهيونية المعادية لتطلعات شعوب المنطقة من جهة أخرى، كل هذا انعكس إيجاباً على أداء السلطة السورية في سياساتها الخارجية.

أما على صعيد السياسة الداخلية لم ينجح في تضليله كما نجح في السياسة الخارجية، الأمر الذي جعل النخب المضللة سياسياً، وثقافياً تقول)):هنا تكمن المفارقة للأسف، فإن سياسات النظام الحاكم ونهجه، كانت تتناقض مع سياسته الخارجية وتسير بالضد منها تماماً))، الأمر الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه اتخذ من سياساته الخارجية وأساليبه الملتوية والماكرة ستار للتمويه على ممارساته في الداخل دون رقيب أو حسيب على الأصعدة كافة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فقد احتكر النظام الحاكم على مدى عقود كل شيء في بلادنا بعد أن استولت السلطة على الدولة، فأصبحنا نعيش في ظل دولة السلطة لا سلطة الدولة.

وكما هو معروف فإن دولة السلطة تضع الأفراد فوق المؤسسات التي تغيبها تماماً، وتحرر نفسها من أي قيود أو ضوابط تحد من هيمنتها فأصبحت ترى الشبهات في أي دعوة صادقة إلى الحوار بسبب رفضها القاطع، مشاركة الآخر المختلف في رسم سياسات البلد، الأمر الذي تعتبره حكراً عليها، وهو ما ادى إلى فتح النوافذ والأبواب لشيوع الفساد بدرجة مخيفة وهو ما انعكس بصورة سلبية جداً على المستوى الاجتماعي وعلى حياة الناس ومعاشهم، حدث هذا في ظل غياب كامل الحريات وإقصاء للمجتمع ولقواه الديمقراطية الحية عن ممارسة دورها الإيجابي في الشؤون العامة فازداد الهدر في “القطاع العام” وفي النشاط الاستثماري وفشلت الخطط الموضوعة في إحراز نمو ملموس في الدخل الوطني، يحقق زيادة ملموسة في دخل المواطنين.

وكان من نتائج عدم نمو الدخل، وسياسات السلطة غير العادلة في إعادة توزيعه، والسياسة الضريبية، التي تقتطع الضرائب المباشرة من ذوي الدخل المحدود والضرائب غير المباشرة من عموم المواطنين، في الوقت الذي كانت تحابي فيه أصحاب النفوذ والرساميل والدخول المرتفعة وتصون مصالحهم، كان من نتائج ذلك كله معاناة شديدة في حياة المواطنين. فازداد الفقر وعمة البطالة واتسعت الهوة بين فئة قلية من الأغنياء الذين نمت ثرواتهم الأسطورية بفعل آلية نهب الدولة والمجتمع والمضاربة والتجارة والمقاولات، من خلال العلاقات الوثيقة مع مراكز القرار ومن خلال تخلي الدولة المتدرج عن التزاماتها الاجتماعية ودورها الرعائي في حقول عديدة، انسجاماً مع سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين وتطبيق الوصفات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية الجديدة.

كما أن الاحكام العرفية وحالة الطوارئ التي استمرت بلا انقطاع قرابة خمسة عقود، أطلقت للسلطة التنفيذية ولمراكز القوى، السيطرة على المجتمع وحرية خرق القوانين، في ظل انعدام استقلال القضاء وتبعيته للسلطة التنفيذية. وجاءت الماكم الاستثنائية، التي لا تخضع لضوابط القانون ومقتضيات القضاء والتي تخضع بالكامل لسطلة الأجهزة الأمنية المهيمنة على الدولة والمجتمع، لتزيد حياة الناس ومعاشهم سوءاً وتعقيداً.

وعانت الحريات تضييقاً شاملاً وكثرت حملات الاعتقال والقمع وأمضى الآلاف، سنوات طويلة في السجون والمعتقلات وعم الخوف البلاد، وانعدمت المشاركة السياسية الحقيقة، ولم تعد النقابات المهنية تتمتع بأبسط الحريات وأخضعتها السلطة أي الاجهزة الامنية لقيود قاسية، وفرضت هذه الاجهزة سيطرتها على الحياة العامة وعلى جهاز الدولة ذاته.

بعد الاستناد إلى الممارسات السياسية والأمنية التي اتبعها النظام الحاكم على مدة عقود يصبح مطلب تغيير النظام التسلطي – الامني القائم، والانتقال إلى نظام ديمقراطي مدني تعددي سياساً من أجل مصلحة وحدة سوريا أرضاً وشعباً مطلباً محقاً وملحاً، يحقق مصالحة بين سلطة الدولة والمجتمع، بعد طول صراع سياسي وعسكري اكتوى بنارها شعبنا العظيم، على مدى سنوات طويلة….

يُتبع………

 

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: