مـفـهوم الـمـواطـنة في جـدل الـوطنـية والديمـقراطـيـة

يحيى عزيز

إثر احتلال العراق عمل المشروع الأمريكي – الصهيوني من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد لا فرق، على تأجيج الصراع المذهبي السني – الشيعي مع بعض الأنظمة العربية.
إن تسعير هذا الشكل من الصراع بأشكال شتى الذي قد يؤدي إلى نسف أية إمكانية بإقامة الديمقراطية أي لبناء الدولة الحديثة على أساس مبدأ المواطنة والاستعاضة عنها بإشعال نار العصبيات الطائفية، والمذهبية، والعرقية، والقبيلة، والعشائرية وترسيخ البنى ما قبل الوطنية وتعميق أمراض المجتمعات العربية وبُناها… الأمر الذي يفرض علينا تعزيز ثقافة تجاوز البنى ما قبل الوطنية من أجل تحسين شروط امتلاك بناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية سياسياً، دولة المواطنين الاحرار والمتساوين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن الدين والعرق والجنس والطائفة والمذهب والعشيرة.

–   مازال مفهوما الوطن والمواطنة يقعان في دائرة الغموض، لأن مفهوم القبيلة والطائفة والمذهب والعشيرة مازال يتقدم للأسف على مفهوم المواطنة في وعي الكثير من النخب السياسية في أغلب البلدان العربية إن لم يكن فيها جميعاً، ولا يزال مفهوما ” الأقلية والأكثرية” يتداولان بالمعنى الديني والطائفي أو الإثني بوصفهما مفهومين مغلقين من مفهومات القرون الوسطى أي ما قبل السياسية الوطنية والمدنية، حيث الأقلية تبقى دائماً أقلية والاكثرية تبقى دائماً اكثرية، اما الديمقراطية الحديثة أو المعاصرة التي تتشكل فيها الأحزاب والنقابات والجمعيات والاتحادات والروابط والمنظمات على أساس اجتماعي وطني سياسيّ مدني، فإن مفهوم “الأقلية والأكثرية” فيها، هو مفهوم متحول ومتغير وديناميكي، أي أنه مرن ومفتوح ومتجدد وقابل للتحول، فقد يكون حزباً ما أقلية في البرلمان، لكن الباب يبقى مفتوحاً، عند ما يقنع الناس ببرامجه وخياراته لكي يصبح فيما بعد أكثرية والعكس صحيح أيضاَ، بالنسبة لحزب آخر يمتلك أغلبية في البرلمان، نراه يتحول لاحقاً إلى أقلية عندما يفشل في تحقيق ما وعد ناخبيه بتنفيذه ولا بد أن يرتكز مفهوما “الأقلية والأكثرية” إلى مبدأ المواطنة، أي أن يكون من حق كل مواطن دستورياً وسياسياً وعملياً تمثل حقوقه وواجباته كاملةً، بصرف النظر عن الدين والجنس والعرق، وأصبح مفهوم المواطنة وتأصيله وعياً مرجعياً في عقل المواطن لتعزيز الانتماء إلى الوطن ثقافياً وسياسياً وإنسانياً، ضرورة حضارية تفرض نفسها في مختلف مجتمعات الوجود الإنساني المعاصر، لأن مفهوم المواطنة يشكل واحداً من المفاهيم الأساسية للتقدم الإنساني، القائمة على التفاعل الحر بين الإنسان والوطن وبين الإنسان وقيم الحريّة والإخاء والتضامن ويجري التعويل اليوم على أهمية بناء هذا المفهوم وتأصيله لتحرير الوعي من أثقل الانتماءات الضيقة، ما قبل الوطنية من طائفية ومذهبية وعشائرية وإثنية، وفي هذا السياق ينبغي التشديد على أن المواطنة هي تمثيل الفرد لنفسه سياسياً واجتماعياً وكينونة في الدولة دون أية إطارات مرجعية مسبقة، وعقد اجتماعي سياسي بين الأفراد لتشكيل المجتمع، وصار مفهوم المواطنة يتحدد بدلالة المساواة أمام القانون والمشاركة في الحياة العامة، وبدلالة الوعي بالانتماء إلى الوطن، وليس إلى الطائفة والإثنية والعشيرة. لأن الفرد لا يستطيع أبداً أن يشارك في الحياة العامة من دون تمثل مفهوم المواطنة ولا يمكن أن تكون فاعلة ما لم يمتلك الوعي الوطني المطلوب بالانتماء وبالروابط التي تشده إلى المجتمع باتجاه المصلحة العامة.

–   وفي أيامنا هذه، صار مفهوم المواطنة يعني قدرة الفرد على تحمل المسؤوليات الكبرى المتعلقة بالمواقف من القضايا المفصلية الأساسية، كالعلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية، والوطني والديمقراطي، الوطني والقومي والسياسي والاجتماعي. فالعلاقة بين هذه المفاهيم جدلية لا تنفصل، وأي محاولة للفصل بينها يلحق أفدح الأضرار بجوهر النضال الوطني والديمقراطي.

–   تأسيساً على ما تقدم ولكي تعكس مقارباتنا الواقع الاجتماعي والسياسي في بلدنا بصورة صائبة فإنه يتوجب علينا أن نكون أمينين على قراءة واقعنا وتاريخنا دون زيادة أو نقصان، أي أن نكون امينين على مقاربتهما بجوانبها الإيجابية والسلبية بنقاطهما البيضاء والسوداء على حد سواء وهو المبدأ الذي سنحتكم إليه أثناء قراءتنا لصيرورة الأفراد والجماعات السياسية في قراءتنا التحليلية التناقض الذي قام به البعض من عملية فصل بين الديمقراطية ببعديها السياسية والاجتماعية، في الوقت الذي كان ومازال الحزب الديمقراطي الاجتماعي يؤكد على ضرورة أن تقترن الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية لضمان اكبر قدر من المساواة والعدالة الاجتماعية، مع تأكيدنا أيضاً على تناول هذه الاحتياجات من زاوية تفعيل إيجابي حقيقي “للقطاع العام” بما يخدم مصالح الشعب وليس جيوب البيروقراطية.

–   كما يؤكد الحزب الديمقراطي الاجتماعي على أن التحول من نظام حكم شمولي استبدادي إلى نظام مدني تعددي ديمقراطي، لا بد أن يمر بمرحلة انتقالية، يتم التوافق على مدتها الزمنية وعلى المهام التي يتم الاتفاق على تنفيذها خلال المرحلة المحددة المذكورة تقودها حكومة انتقالية تجسد جميع القوى والأحزاب والفعاليات الوطنية في المعارضة والسلطة، تقوم بتنفيذ أهم المهام الموكلة إليها من تعليق الدستور الحالي ووضع مبادئ دستورية مع السعي لصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية خلال الفترة الانتقالية.

 

يُتبع………

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية

 

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: