سوريا والاقتصاد السياسي: معالجة المظالم أم الأطماع؟

سمير العيطة   السفير اللبنانية

لا تكمن أسباب الثورة في سوريا فقط على صعيد السياسة، أي أنّها فقط انتفاضة شعبيّة على نخبة استأثرت بالحكم وغالت بهذا الاستئثار، وإنّما هناك أيضاً مسبّبات اقتصادية اجتماعيّة عميقة لها، أهمّها ذلك سمير العيطة«التسونامي الشبابي» المتمثّل بطفرة زيادة نسبة الشباب من السكّان وهجرة الأغلبيّة من الريف إلى الحضر والتوزّع غير العادل بشكلٍ صارخ للتنمية بين المناطق وانسداد أفق العيش الكريم أمام الكثيرين.

إلاّ إنّ ديناميّات التفاعل تتموضع على صعيد الاقتصاد السياسي. فاستمرار سلطة مستبدّة في الحكم يحتاج إلى نشاطات اقتصادية ريعيّة تستحوذ عليها، هي وحلفاؤها، كي تنتج نفسها وتستمرّ في إعادة إنتاجها. ويمكن أن يكون هذا عبر الهيمنة على القطاع العام، كما كان في «رأسماليّة الدولة» التي ترسّخت منذ السبعينيات وحتّى أوائل الألفيّة الثالثة، أو عبر «الخصخصة» الاقتصادية التي انطلقت منذ حينه لتؤسّس لـ«رأسماليّة الأقرباء والأصدقاء»، على غرار النموذج الذي شيّد في الممالك العربيّة، خاصّة منذ الفورة النفطيّة. النظامان يرسخّان لاستبداد، لكن لكلّ منهما بعض المحاسن: فرأسمالية الدولة تبقي على خدمات اجتماعيّة حكوميّة واسعة، وإن تمّ توفيرها بشكلٍ سيئ، في التعليم والصحّة والبنى التحتيّة وغير ذلك، لأنّ وظيفة الدولة بالضبط هو تأمينها. و«رأسماليّة الأقرباء والأصدقاء» تطلق نوعاً من حريّة الاستثمار تسمح للاعبين من القطاع الخاص الاستفادة والربح، على ألاّ يكبروا كثيراً بحيث يتطاولوا على القطاعات الريعيّة المخصّصة للاستبداد ورفاقه.
متابعو الأحداث في فترة الانتقال بين الرأسماليّتين المستبدّتين يعرفون جيّداً كيف جرت صراعات بين النخبتين القائمتين عليهما، تتّهم الحديثة منهما تلك القديمة بالهدر والفشل والعرقلة والتحجّر والبيروقراطيّة والتحجّر، في حين أنّ الفارق بينهما هو جيل فقط، ولكن أيضاً مناخ عولمة إقليميّ وعالميّ يرسّخ للثانية فكرها وآليّاتها. وقد أثبتت التجربة أنّ النخبة القديمة الباليّة كانت بشكلٍ ما محقّة حين أشارت إلى تلك الحديثة المحدثة أنّ الركض وراء الربح «الخاصّ» وترك المجتمع المتفجّر سكانياً وحده للمنظّمات الخيريّة (وإن تواجدت بأسماء محدثة) سيقوّض أسس الحكم والاقتصاد.. والدولة.
من يتنفض ويثور ويدفع ثمن الاعتقال والتعذيب والقتل، هم في غالبهم الأضعف اجتماعياً، خاصّة إذا لم يعد لديهم شيء يخسرونه أو يخافون عليه، أو منه. إلاّ انّ من يحاول أن يقود عمليّة التغيير هم دوماً نخب. وواضحٌ أنّ النخب التي انخرطت في صميم مشروع التغيير في سوريا، أو مشروع «الثورة»، كانت نخباً همّشتها نخب الاستبداد سياسياً واقتصادياً أو استحوذت في صراعات مفترق الألفيّة الثالثة على أصولها، لأنّها حاولت التطاول عليها. إلاّ انّ اللافت أيضاً هو انخراط النخب السوريّة المهاجرة في مشروع التغيير بشكلٍ كبير. لا عجب في ذلك، فالسوريّون المهاجرون يتخطّون في أعدادهم السكّان السوريين المقيمين في البلاد، ويتضمّنون نخباً ذات أوضاع اقتصاديّة جيّدة. وقد بقيت هذه النخب مرتبطة بالداخل السوري، وقد شكّلت تحويلاتها إلى عائلاتها مورداً مهمّاً لهذه الأسر، كما لاقتصاد البلد.
الدلالات على انخراط النخَب المهاجرة كثيرة، تظهر مثلاً في متابعة من موّل مؤتمرات «المعارضة» في مراحلها الأولى، ومن من أبناء النخب تنشّط لتأطير هذه «المعارضة»، بحيث شكّل انخراطها في الصراع السياسي في سوريا فارقاً كبيراً عمّا حصل في تونس أو مصر، إذ لم تبرز في هاتين الدولتين أيّة وجوه معارضة ذات وزن، كانت أصلاً تقطن خارج البلاد. كما يحمل جزء من هذه النخب المهمّشة وتلك المهاجرة مخلّفات تناقضات اجتماعية سابقة في سوريا، سواء في ما يخصّ قضايا مثل التأميم والإصلاح الزراعي، أو النزاع بين المدن والأرياف الجبليّة، أو العلاقة بين الدين والدولة. وقد لعبت حدّة هذه التناقضات وحنين بعض النخب إلى زمنٍ غابر، كانت الريادة فيه لها، في اتخاذ «الثورة» علماً يرمز إلى الماضي في مواجهة العلم الحالي للبلاد.
على عكس مصر أيضاً، لا يمكن اعتبار المؤسسة العسكريّة في سوريا جزءاً أساسياً من نخب السلطة القائمة. هذا بالرغم من أنّ هذه الأخيرة تتحدّر من أصول نخب عسكريّة ريفيّة انتصرت على نخب مدينيّة بعيد الاستقلال. إذ ليس للمؤسسة العسكريّة حقّاً قطاعات اقتصادية هامّة يمكن أن تصطدم إدارة ريوعها مع النخب الرأسمالية المحدثة. بل من الواضح أنّ السلطة كانت تشتري من وقتٍ لآخر ولاءات في هذه المؤسسة عبر توظيف جزء من ريعها، كما كانت تفعل ذلك بالنسبة للنخب المناطقيّة. في حين كانت الأجهزة الأمنيّة جزءاً حقيقيّاً من السلطة، وسيلة تحكّم حتّى في المؤسسة العسكريّة، وشريك يستحوذ على ريوع من مجمل العمليّات الاقتصاديّة، خاصّة غير النظاميّة. فهل يعقل مثلاً أن يتمّ تهريب المشتقات النفطيّة المدعومة حكومياً إلاّ بعلم الأجهزة الأمنيّة جالباً ريوعاً مهمّة لها؟ وكذلك هو الأمر بالنسبة لتهريب الاتصالات الدوليّة.
تدريجيّاً انزلقت الأمور في سوريا من «ثورة» إلى حرب. كانت نخب السلطة تعرف أنّ أيّة تنازلات ستقوّض آليّات استحواذها على الريوع. وأتت حدّة التناقضات مع النخب «المعارضة» السوريّة الداخليّة والخارجيّة على السواء، كما انغماس نخب دول إقليميّة في الصراع، لتغذّي تصاعد العنف بشكلٍ كبير. إلاّ أنّ الحرب الداخليّة، حتّى لا نقول «الأهليّة»، لها اقتصادها السياسي الذي نشأ رويداً رويداً، حتّى أصبح هو الصبغة المهيمنة على البلاد، في المناطق التي ما زالت خاضعة لسيطرة السلطة عسكرياً، كما في تلك الخارجة عن هذه السيطرة.
فالعنف بقوّة السلاح له منطقه الخاصّ ووظائفه، وليس فقط مجنوناً. والفرص والمخاطر الاقتصادية لها دور هام في تفسير لماذا تستمرّ الحرب كهدف سياسيّ وعسكريّ. العنف له حتماً وظائف سياسيّة، تهدف إلى تغيير «قواعد اللعبة» ضمن الأطر السياسيّة العامّة للدولة، ولكن من قبل الطرفين: تثبيت أو استبدال النخب الحاكمة، توفير العدالة الاجتماعيّة أو زيادة انعدام المساواة، إلخ. إلاّ انّ له وظائف «غير سياسيّة» أيضاً تقوم في أساسها على تخطّي القوانين والقواعد، أي تفشّي ما هو غير نظامي. وليس حقّاً على إعادة صياغتها بشكلٍ وطنيّ وعام. وظائف العنف هذه هي اقتصادية وأمنيّة ونفسيّة في آنٍ معاً، وهي صلب الاقتصاد السياسي للحروب الأهليّة.
عندما يحمل إنسان مدنيّ السلاح فهو يفعل ذلك لأسباب أمنيّة ونفسيّة بالدرجة الأولى، لأنّه لا يشعر بالأمان، لا كفرد ولا كمجموعة من الآخرين الذين يحملون السلاح. إلاّ أنّ السلاح يمنح قوّة لا يمكن استمرارها إلاّ عبر الاستحواذ على المال. هكذا تصبح وظيفتها تدريجيّاً ليس الحفاظ على نخبة حاكمة أو استبدالها، وإنّما تأمين إنتاج وإعادة إنتاج المجموعة نفسها.
بالتالي يقوم اقتصاد الحرب على الاستحواذ على الموارد الطبيعيّة وفرض «الخوّات والأتاوات» على المبادلات التجاريّة وعلى الإغاثة، ليس فقط مع الخارج، وإنّما أيضاً على الحواجز داخل البلاد. كما يقوم على الاعتداء على الممتلكات العامّة والخاصّة على السواء، بحجج مختلفة تبدأ من الدفاع عن الدولة ومكتسباتها لتصل إلى الشرعيّة الثوريّة وضروريّات انتصارها.
لقد تعزّز اقتصاد الحرب تدريجيّاً في سوريا. فمن ناحية، لم تكن النخبة الحاكمة قادرة على تمويل كلّ مستلزمات المقاتلين الموالين لها، بمن فيهم ضمن الجيش. واقتصاد الحرب كان (وما زال، من خلال مثلاً بيع «حقوق» النهب في بعض أحياء حمص بعد الهدنة التي جرت فيها) وسيلة لضمان استمراريّة المقاتلين الموالين. وعلى الجهة الأخرى، ساهم عدم تنظيم المعارضة سياسياً وعسكرياً وتلاعب النخب والقوى الخارجيّة بها في انفلات كتائب مسلّحة لا تجد لاستمراريّتها سبيلاً سوى فكّ المعامل وبيعها خردة (بدل تشغيلها)، والاستيلاء على مخزونات المحاصيل الزراعيّة أو على آبار النفط، وغير ذلك.
بالطبع يتخطّى الصراع في سوريا حدود البلاد ونخبها. النخب السوريّة الحاكمة والمنافسة لها معولمة، أي أنّ مصالحها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنخب خارجيّة، إقليميّة ودوليّة. لكن نادراً ما يكون لها الدور الريادي في هذه العلاقات. إذ لا تقوم، على عكس نخب الدول الكبرى وحتّى دول الخليج ومصر والمغرب، على شركات متعدّدة الجنسيات. لكنّ النخب الرائدة عالميّاً لها مصالح في سوريا: في ما يخصّ إمكانيّات النفط والغاز، وطرق إمداده (ريع الموقع الجغرافي لسوريا بالنسبة لإيران وقطر وتركيا مثلاً)، وحتّى في ما يخصّ القمح حيث كانت بورصة شيكاغو تتطلّع كلّ عام لتقدير الإنتاج السوري. كذلك هناك مصالح مباشرة لدول إقليميّة بعينها.
بالنسبة للنخب الإقليميّة والعالميّة، لا يهمّها طبيعة النخب السوريّة التي تتحالف معها ونظام الحكم. استثماراتها تتحدّد أفضليّاتها حسب التطوّرات لمن ترى أنّه يُمكن على المدى المتوسّط أن يؤمّن مصالحها. وتاريخ سوريا منذ استقلالها مليء بالأمثلة على ذلك.
إنّ تناقض مصالح النخب الخارجيّة الشديد قد حوّل «الثورة» إلى حرب، وجعل سوريا قطباً لجذب وتنمية الحركات المتطرّفة، ولحرق الفوائض النفطيّة لدول الجوار في السلاح. لا مانع في ذلك ما بقيت هذه الحركات تتصارع على الأرض السوريّة. ولكنّ الموقف قد يتغيّر عندما يصبح الأمر كبيراً لدرجة أن يرتدّ هذا «الإرهاب» على هذه الدول ذاتها، وأن تغدو المشكلة الإنسانيّة في سوريا ذات كلفة كبيرة من حيث جهود الإغاثة ودعم النخب المتصارعة عسكريّاً وسياسياً.
ليس واضحاً إن كان قد بدأ هذا التحوّل، ما يُمكن أن يؤسّس لوقف الحرب والعودة إلى السياسة، بين النخب الخارجيّة المتناقضة، وبين النخب السوريّة نفسها. وما زالت الكلفة الحديّة لاستمرار الحرب أقلّ بكثير من كلفة إيقافها. كما ليس واضحاً ما هي الأسس التي يُمكن أن تتوافق عليه النخب الخارجيّة، أهي تقاسم البلد أو تقاسم المصالح فيه؟
في كلّ الأحوال، الخروج من الحروب الداخليّة أصعب من الاندفاع نحوها. إذ يجب التعامل مع الاقتصاد السياسي للحرب وواقعه كي تتوفّر الشروط لتفكيك آليّاته تدريجيّاً والعودة إلى أوضاع دولة. ويكمن جزء كبير من الصعوبة في اختلاف المقاربات بشأن سبل الخروج من الحرب بشكلٍ جذريّ حول السؤال الجوهريّ: ما الأهمّ معالجته، أهي الأطماع أم المظالم؟
يذهب القائلون بأولويّة معالجة الأطماع إلى إضفاء عدم الشرعيّة على المظالم وعدم الاهتمام بها. «المؤامرة» هي الأساس، ومن حمل السلاح من هذا الطرف أو ذاك لم يقم بذلك إلاّ طمعاً بغنيمة أو هيمنة. إلاّ أنّ هذه المقاربة تلغي أهميّة المسبّبات، أي المظالم، التي يعبّر عنها من حمل السلاح، إن كانت أفقيّة (أي انطلاقاً من مشاعر انتماء إلى فئة قوميّة أو مذهبيّة أو مناطقيّة) أو شاقوليّة (ناتجة عن سوء إعادة التوزيع الاجتماعيّ بشكلٍ عام). ويمكن لهذه المظالم أن تكون نفسيّة أساساً، أي إحساس فئة معيّنة أنّ الخروج من الحرب سيلغي وجودها.
في هذا السياق، لا يمكن لاتفاق وقف إطلاق نار أو حلّ سياسي دائم أن ينجح على المدى الطويل إن لم ينطلق من آليّات لمعالجة المظالم، مهما كانت. ومثال ذلك «اتفاقيّة أوسلو» التي لم تتطرّق إلى حقوق الفلسطينيين، وعالجت الأمور وكأنّها مطامع في الحكم، ولو على مناطق معيّنة أو ضمنيّاً مطالبة فقط بتحسين أوضاع اقتصاديّة. من ناحيتها، لا يمكن معالجة آليّات الأطماع بشكلٍ كامل سوى عندما تعود سيادة الدولة على كلّ الأرض ومفهوم أولويّة المصلحة العامّة لدى جميع المواطنين. بالتالي لا بدّ لأيّ حلّ أن ينطلق من معالجة المظالم، وتفاعل هذه المظالم مع الأطماع، تلك القديمة والأخرى التي نشأت في ظلّ الحرب، بما فيها مظالم وأطماع المقاتلين من جميع الأطراف، لأنّ الحلّ يأتي معهم ومن نخبهم، وليس حقّاً من النخب الثقافية.
من هنا يبرز التساؤل مشروعاً في سوريا إن كانت وثيقة «جنيف 1» تؤسّس لحلّ مبني على تفهّم المظالم ومعالجتها؟ مظالم المجموعات والمناطق وتلك الأفقيّة العامّة؟ أو أنّها تحدّ من الأطماع التي تتصارع على البلاد؟ وإذا كان الانتصار العسكريّ لنخب السلطة أو المعارضة القائمتين سيؤسّس لحلّ دائم، ولعودة الدولة وآليّاتها، بل حتّى لهدنة لها عناصر الاستمراريّة؟
ينطلق أيّ حلّ أوّلاً وأساساً من المظالم التي تعرّض لها الأفراد والمجموعات، مع الاعتراف بحقّها في التعبير عنها والمطالبة بمعالجتها. ومعالجة هذه المظالم هو الذي يؤسّس لمعالجة الأطماع، الداخليّة والخارجيّة، كما كان الأمر حقّاً قبل أن تتحوّل الثورة… إلى حربٍ أهليّة. لكنّ منظور المعالجة يحتاج إلى نخب يكون طمعها الأساسي والوحيد هو خدمة جميع المواطنين من دون تمييز والحفاظ على الدولة.

 

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: