دمشق: أصوات الناخبين… والمعارك

وسام عبد الله  “السفير اللبنانية “

دمشق شاركت في يوم الانتخابات بصوتين. صوت المعارك والاشتباكات الآتية من الريف الدمشقي من جهة، وصوت المشاركين في العملية الانتخابية لاختيار مرشح لرئاسة الجمهورية من جهة ثانية.3256ebef-4f01-4b4b-a5ca-dd7bafe02f32

تشهد دمشق بعد نصف قرن انتخابات لرئاسة الجمهورية كان لكل طرف رأيه المؤيد والمعارض لها سياسياً، وكان للمعارك في الميدان رأيها العسكري أيضا.

الساعة تشير إلى السادسة صباحا في العاصمة دمشق، الهدوء يسود شوارع المدينة التي تستعد بعد ساعة واحدة لبدء العملية الانتخابية، بعد ليلة من استعدادات قوات الدفاع الوطني والجيش السوري في أحيائها، خصوصاً أمام مراكز الاقتراع لحمايتها من اي عملٍ أمني.

قبل دخول الحراك الانتخابي في يومه الطويل، كان على خطوط التماس جنود سوريون يكملون مهماتهم التي اعتادوا عليها منذ أكثر من سنتين، ولكن بالنسبة لهم فهذا يوم مختلف كونه يحمل في ساعاته المقبلة حركة انتخابية في مراكز الانتخاب.

ليست هناك حاجة لسؤالهم من يرشحون، فصور الرئيس السوري بشار الأسد تنتشر في أماكن تواجدهم. يقول أحد الجنود المتطوعين من حمص: “لقد شاركت بصوتي قبل الانتخابات، فأنا اخترت وبكل ديموقراطية أن أدافع عن وطني”.

ينتشر الجيش السوري على كامل خطوط التماس مع المجموعات المسلحة التي أصدرت في أحد بياناتها الأخيرة بإسم “غرفة عمليات أهل الشام” تهديدات بأنها ستقوم بقصف مراكز الاقتراع، داعية المدنيين إلى التزام بيوتهم.

لم يكن هذا البيان مثيرا للاهتمام بالنسبة لأحد الجنود الجالسين وهو يشربُ كأساً من الماء، ويقول: “لو كان بمقدورهم الدخول إلى دمشق لفعلوا ذلك. لذلك هم يستخدمون قذائف الهاون فقط، ونحن مستعدون للتصدي لهم إن حاولوا الاقتراب أكثر”.

وباعتبار أنّ الحرب هي أداة لتحقيق أهداف سياسية، كان الجندي السوري في حديثه على الجبهة يقول: “ليس لدينا مركز انتخابي ولا صناديق اقتراع، لدينا صناديق من رصاص، هي أصواتنا التي تمثلنا”.

لم تتغير خطوط المواجهات في الريف الدمشقي. فالمعارك تستمر فوق الأرض بين الأبنية والمزارع، فيما أخرى تقام تحت الأرض في الأنفاق التي تنتشر في الغوطة وفي جوبر وفي عين ترما وسط تقدم حذر من قبل الجيش السوري إلى المنطقة التي تعد الاساس في اطلاق قذائف الهاون نحو العاصمة.

وعلى الرغم من أن العيون تتجه إلى هذه المنطقة إلا أنّ الخطوط الخلفية لها كلمة أخرى، فالحديث يتواصل عن المصالحة والتسوية اللتين يتم العمل عليهما في مدينة دوما، التي تعد المعقل الأساس للمجموعات المسلحة في الغوطة الشرقية. وفي حال نجاح مساعي هذه التسوية، فسيصبح ظهر المسلحين مكشوفاً في باقي المناطق، ما يجعلهم في طوق محكم.

وكذلك هي الحال بالنسبة إلى المصالحة في منطقة المليحة، التي تستمر فيها المعارك مع تقدم الجيش فيها بشكل اكبر خلال الايام السابقة. هذه التسوية، في حال تمت، ستؤمن الحماية لمدينة جرمانا من استهدافها بقذائف الهاون، علماً بأن السيطرة على المليحة ستؤدي إلى قطع طرق الإمداد عن باقي قرى الريف ومنها جوبر.

مع بداية ساعات التصويت بدأ استهداف العاصمة بالقذائف، أكثر من 50 قذيفة هاون شاركت الناخبين طريقهم نحو عملية التصويت. القصاع وباب توما والمزة وساحة السبع بحرات والصالحية كانت مستهدفة مما دفع الكثيرين إلى الحذر واللجوء إلى مراكز انتخابية قريبة من مكان سكنهم. الطيران الحربي السوري كان يحلق متجها نحو الريف لقصف تجمعات المجموعات المسلحة، فكان يحلق فوق الناخبين الذين فضلوا السير على الأقدام بدلا من استخدام الحافلات أو السيارات.

في المناطق القريبة من خطوط المواجهة تقل عملية المشاركة الكثيفة، فهي مرتبطة بالأوضاع الأمنية. وكانت المشاركة بشكل أفراد أكثر ما كانت بشكل جماعي بحسب ما صرح به احد المسؤولين عن المراكز، لتزداد نسبة المشاركة مع الاقتراب من قلب المدينة، ولتزداد مع اقتراب ساعات الليل، خصوصاً بعد تمديد توقيت الاقتراع من قبل اللجنة القضائية العليا حتى منتصف الليل.

في يوم الانتخابات كان للسياسة حديثها. عضو مجلس الشعب السوري النائب ماريا سعادة أشارت إلى أنّ الحرب على سوريا منذ البداية كانت من اجل هذا اليوم حيث أنّ الدول أرادت منع الشعب السوري من تقرير مصيره. وقالت النائب سعادة لـ”السفير” إنّ العمل خلال هذه السنوات الثلاث من قبل المجتمع السوري كان لحماية دولته وليدافع عن حقه مما فرض قوة المجتمع السوري، مشيرة إلى استغرابها لعدم مشاركة المعارضة في الانتخابات. وهي تعتبر أنه “إن كانت المعارضة تقول إنها تمثل المجتمع السوري، فلماذا لم تقدم مرشحا رئاسيا وتختبر بذلك نسبة من يؤيدها؟”.

وتوضح أنه بحصول الانتخابات كسبت سوريا الجولة الاولى في الحرب. قبل الانتخابات كانت الاداة لتحقيق أهداف الحرب هي الشعب، إن كان بتصنيع معارضة أو إخراج سوريين كلاجئين أو تسليح وإدارة مجموعات على الارض السورية، لكن مع وصول هذا اليوم ستسحب الورقة السياسية وأدواتها من يد الغرب، وفقا لها. وتؤكد سعادة أنّ “ما يرجح كفة الدولة السورية هو العمل العسكري المتقدم في الميدان، والإدارة السياسية التي عليها أن تكمل عملها من خلال فتح الأبواب لعودة السوريين، والمجتمع الفاعل في الداخل، وبالتالي تتغير معادلة الصراع من مستوى داخلي إلى مستوى دولي وإقليمي”.

لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي بعيدة عن الانتخابات. المشاركون في الاقتراع عرضوا صور مشاركتهم في داخل المراكز وهم يظهرون أيديهم وعليها “الحبر البنفسجي” لتأكيد انتخابهم. أما شبكات المناطق التي تتناقل الأوضاع الأمنية فقد تولت مهمة تناقل أخبار أماكن سقوط القذائف وتحذير الساكنين منها.

وكانت لصفحات المعارضة مساحتها التي أبدت معارضتها الانتخابات وأبدت في كل منها توجهها المختلف، فمنها من دعا إلى عدم المشاركة لأنها تعد “جريمة بحق الشعب السوري”، ومنها من أبدى اعتراضه عليها ولكنه رفض منطق استهداف المدنيين من قبل المجموعات المسلحة.

نهاية اليوم الانتخابي كما سبقه. يبقى السوريون ينتظرون أي حدث كبقعة ضوء صغيرة تعطيهم الامل للخروج من أزمتهم، وحربها التي دامت ثلاث سنوات، فهم ينتظرون ما بعد الانتخابات حتى وإن كان لوقت طويل، ولكنهم يدركون أنه لن تنتهي أزمتهم بين ليلة وأخرى، ولكنهم ينتظرون خطوة لتحقيق العودة للأمن والاستقرار.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: