الاسد يريد ابراز “حجم شعبيته” وليس تأكيد شرعية نظامه وتجنب الفراغ السياسي.. انها مظاهرة ولاء اكثر منها انتخابات رئاسية.. والتهديدات الغربية والعربية فشلت في اجهاضها

 “رأي اليوم”عبد الباري عطوان

عبدالباري عطوانيرتكب الكثير من المحللين خطأ كبيرا عندما ينظرون الى الانتخابات الرئاسية السورية التي ستبدأ الثلاثاء من منظور الشرعية، او المعايير المتبعة في انتخابات مماثلة في العالم الغربي خصوصا، فالظروف الراهنة في سورية، او المناطق الخاضعة لسيطرة النظام على وجه الخصوص، مختلفة كليا، والبلاد تشهد حربا دموية شرسة بين فريقين احدهما يريد الاحتفاظ بالسلطة كحق شرعي في السلطة وآخر يريد انتزاعها.

هذه الانتخابات يجب النظر اليها كمظاهرة سياسية لتأكيد الولاء للنظام من قبل الملايين من انصاره ومريديه، تماما مثلما تعودنا على اقدام المعارضين على حشد الآلاف في مظاهرات سلمية تطالب باسقاط النظام كل يوم جمعة في عدة مدن، قبل الانتقال الى العمل المسلح لاسقاط النظام بدعم خارجي.

النظام تغير، والمعارضة تغيرت ايضا، والشعب السوري استوعب في معظمه دروس ثلات سنوات من القتل والتدمير باتت ماثلة للعيان، وبات يبحث عن الامن والاستقرار وانقاذ ما يمكن انقاذه من بلده ودماء ابنائه وايقاف عداد الموت بعد ان خذله الكثيرون وضللوه وما زالوا.

الانطباع الذي اشاعته المعارضة السورية واجهزة الاعلام العربية الجبارة الداعمة لها ركز طوال السنوات الماضية على عدم وجود اي دعم للنظام في الاوساط الشعبية السورية، وما يتطلع اليه النظام ورجالاته من خلال هذه الانتخابات والتحشيد الشعبي لها، تبديد هذا الانطباع واثبات عكسه، ويبدو انه، اي النظام، حقق نجاحا ملموسا في هذا المضمار تجلى بوضوح من خلال تدفق حشود من اللاجئين السوريين في دول الجوار (لبنان والاردن) الى صناديق الاقتراع في السفارات السورية حاملين اعلامهم للادلاء باصواتهم لصالح الرئيس بشار الاسد، لان من يعارضه، او يشعر بالامبالاة والاحباط من تدهور اوضاع بلاده، وسوء احواله في المنفى فضل البقاء في منزله او خيمته لاعنا الجميع والمجتمع الدولي خاصة.

***

في بداية الانتفاضة، او الثورة، او الازمة، سمها مثلما شئت، كان مؤيدو النظام يتجنبون الظهور، ناهيك عن التظاهر، وكان العلم السوري الرسمي بالوانه الحمراء والسوداء والبيضاء يتوارى لصالح تقدم اعلام المعارضة بالوانها الخضراء والسوداء والبيضاء ترفرف في ايدي المتظاهرين، الآن انقلبت المعادلة، واصبحنا نشاهد انصار النظام يخرجون الى الشوارع بالآلاف بكل ثقة، حاملين الاعلام السورية وصور الرئيس بشار الاسد في العديد من العواصم العالمية والعربية التي تسمح لهم بالتظاهر او تغض النظر عنهم.

هذا الانقلاب في المشهد السوري، سواء كان كليا او جزئيا، جاء، وعلينا ان نعترف دون مواربة، بسبب صمود النظام وجيشه، وفشل كل التوقعات بسقوطه في غضون اسابيع او اشهر، وتوقف عمليات الانشقاق كليا، وانتقال الازمة ايضا الى صفوف معارضيه والدول الداعمة لهم على شكل مراجعات جذرية، واقتتال داخلي وانقسامات في صفوف المعارضة، فمن كان يتصور هذا الحجيج الخليجي لطهران عاصمة “الروافض” و”الصفويين” و”المجوس″ قبل ثلاثة اشهر فقط؟

الاولويات ايضا تغيرت، اولويات الدول الداعمة للمعارضة التي تمسك بخيوط اللعبة المالية والتسليحية، فالرئيس الامريكي باراك اوباما اعلن قبل اسبوع انه سيزيد دعم المعارضة المسلحة لمحاربة النظام والجماعات الاسلامية المتشددة معا، والدول الغربية التي هرعت لتشكيل منظومة “اصدقاء سورية” باتت تخشى من هذه الجماعات وعودة افرادها اليها بفكر جهادي متشدد وخبرة تسليحية ضخمة وحديثة اكثر من خوفها من النظام، وتنسق استخباريا فيما بينها الآن لاعتقال هؤلاء فور عودتهم وتقديمهم الى المحاكمة كارهابيين بعد ان كانت تعتبرهم ابطالا تسهل انتقالهم الى ميادين القتال في سورية من البوابات العريضة لمطاراتها الرسمية.

المملكة العربية السعودية التي كانت، وما زالت، من اكبر الداعمين للمعارضة المسلحة، والحاضنة للجماعات الاسلامية “المعتدلة” التي اسستها، وسلحتها، ووحدتها تحت مظلة واحدة “الجبهة الاسلامية” عندما كان الامير بندر بن سلطان رئيس جهاز استخباراتها يصول ويجول على الساحة السورية، هذه المملكة باتت تخشى من ان ينقلب عليها سحرها، ولذلك جرمت كل من يقاتل من ابنائها خارج اراضيها، وبدأت تعلن الحرب الضروس على كل فكر اسلامي متطرفا كان ام معتدلا، وتضع عدة احزاب، ومنظمات اسلامية على لائحة الارهاب الخاصة بها وعلى رأسها حركة “الاخوان المسلمين” وتسحب كتب ومؤلفات دعاة “وسطيين” مثل الشيخين سلمان العودة وطارق السويدان من مكتباتها، وهذان الرجلان كانا يتربعان يوميا على صدر شاشات محطاتها التلفزيونية العملاقة مثل “ام بي سي” و”روتانا” في محاضرات حققت شعبية واسعة في اوساط الشباب، وحولتهما، وغيرهما، الى نجوم يفوق عدد متابعيهم على وسائل الاتصال الاجتماعي مثل “التويتر” و”الفيسبوك” الى عدة ملايين والرقم في صعود.

الرئيس بشار الاسد سيفوز في الانتخابات حتما وبنسبة كاسحة قد تكون مماثلة للنسبة التي فاز بها قبل ايام معدودة المشير عبد الفتاح السيسي في مصر، مع فارق اساسي ان مرشحين ينافسانه في هذه الانتخابات التي جرى تفصيلها على مقاسه مقابل مرشح واحد للمشير السيسي، والثلاثة، سواء منافسي الاسد او منافس السيسي اليتيم ليس لهما اي حظوظ في الاقتراب من النجاح، وربما لن نفاجأ اذا ما حصل السيد حسان النوري منافس الرئيس الاسد الابرز على عدد اصوات اكثر من تلك التي فاز فيها السيد حمدين صباحي من قبيل المبالغة في “النزاهة” والتميز.

الكثير من الحكومات الغربية والعربية، وبعضها لا يعرف مواطنوه شيئآ اسمه صناديق الاقتراع، اعترضت بشدة على الانتخابات الرئاسية السورية واعتبرتها غير شرعية، وهذا من حقها، ولكنها لم تعترض مطلقا على الانتخابات الرئاسية المصرية رغم التشابه الكبير بين الاثنتين ونتائجهما المعروفة مسبقا، ولا على سياسى القمع والاقصاء التي رافقتها.

نعم لا ننسى ان اكثر من مائتي ألف انسان قتلوا في سورية نسب كبيرة منهم ببراميل الجيش السوري المتفجرة، ولكن من حقنا ان نسأل ونقول اليس المعارضة السورية المسلحة تتحمل جزءا من المسؤولية عن اعمال قتل ايضا؟ فمن الذين تقتلهم من الجانب الآخر اليسوا سوريين وموحدين وخليط من كل المذاهب والاديان؟.

لا نجادل مطلقا بأن مسؤولية النظام اكبر بكثير، ولم نقل ولن نقول مطلقا ان النظام لم يرتكب مظالم كثيرة في حق شعبه، وانه لم يكن ديكتاتوريا، ولكن ما نجادل فيه وبكل قوة هو ان الدول الغربية، والعربية، والاخيرة لا تعرف الديمقراطية، ولن تعرفها في المستقبل القريب، تتحمل جزءا كبيرا من القتل والتدمير نتيجة تدخلها في الازمة، وتسليحها للمعارضة، وهي التي تطالبنا وغيرنا بعدم التدخل في شؤونها الداخلية حتى بالنقد السياسي المشروع والمطالبة بالحد الادنى من الاصلاحات.

***

بعد ثلاث سنوات من التحريض على القتل وضخ المليارات من الدولارات لتمويل المعارضة وصفقات اسلحة حديثة لدعمها، باتوا يطالبون الآن بالحلول السياسية للازمة السورية، ويسقطون الحلول والخيارات العسكرية في العلن على الاقل، وهذا قمة التناقض وقمة سوء التقدير ايضا في رأينا.

في ظل الظروف الاستثنائية والدموية التي تعيشها سورية حاليا، لن تغير نتائج الانتخابات الرئاسية من الواقع السياسي، ولن تزيد او تنقص من شرعية النظام، فيوم الاربعاء الذي سيتلوا يوم الاقتراع لن يختلف مطلقا عن يوم الاربعاء الماضي او قبل الماضي، فالحرب ستستمر، والرئيس سيظل الرئيس، والامن هو الامن، والمعارضة المسلحة هي نفسها، والنصرة ستظل النصرة، والدولة الاسلامية ستظل في الرقة ودير الزور، وربما يتغير السيد احمد الجربا ويخسر موقعه تماما خسره من سبقوه مثل السادة معاذ الخطيب وبرهان غليون وعبد الباسط سيدا وجورج صبرا والقائمة تطول.

المتحدثون باسم النظام يقولون ان هذه الانتخابات ضرورية وحتمية لكي لا يحدت فراغ سياسي في السلطة، وحتى لو كان ذلك صحيحا، من الذي سيملأ هذا الفراغ وكيف وعبر اي طريق؟

الانتخابات مجرد عملية فرز واضحة ولا تزيد عن كونها مهرجان سياسي ضخم، اراده النظام السوري ليظهر شعبيته في المناطق التي يسيطر عليها وتشكل حوالي سبعين في المئة من سورية حسب التقديرات الغربية، وفي تقديري انه نجح في تحقيق بعض اهدافه وتطلعاته او معظمها، وكسب جولة سياسية مهمة في صراعه ضد من يريدون نزع السلطة منه وحلفائهم، الامر الذي سيصيب هؤلاء بالغضب وربما الاكتئاب ايضا في الوقت الراهن على الاقل!

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: