طائرات “الدرونز″ في طريقها الى الاردن عبر البوابة السورية والهدف تنظيم “الدولة الاسلامية” الوريث الشرعي لـ “القاعدة”.. اوباما قدم هدية ثمينة للشيخ البغدادي.. ومهمته في مواجهة “الارهاب” شبه مستحيلة

 رأي اليوم ” عبد الباري عطوان

عبدالباري عطوانلا بد ان الشيخ ابو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام يفرك يديه فرحا وهو يطالع ما ورد في خطاب الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي القاه في كلية “ويست بوينت” الامريكية العسكرية يوم الاربعاء الماضي، وقال فيه ان ادارته ستزيد مساعداتها المالية والعسكرية للمعارضة السورية “المعتدلة” حتى تتمكن من محاربة النظام السوري والجماعات الاسلامية المتشددة بكفاءة عالية في ايحاء مباشر لتنظيمه اي الدولة.

فالشيخ البغدادي والزعماء “الجهاديين” الآخرين الذين يتبنون ايديولوجية اسلامية متشددة هي اقرب لفكر تنظيم “القاعدة” في نسختها الاصلية التي وضعها مؤسسه الشيخ اسامة بن لادن كانوا بحاجة، وبعد ان اختلطت الاوراق على الارض السورية، الى مثل هذا “الفرز″ الواضح بينهم وبين الجماعات الاخرى المسلحة، ونعني بالفرز هنا هو الوضع في خانة “الارهاب” والعداء للولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في المنطقة، والعرب منهم على وجه الخصوص.

الرئيس اوباما الذي من الؤكد انه يتابع بقلق كبير التقارير الاستخبارية عن مدى تزايد قوة ونفوذ “الجماعات الجهادية” في كل من سورية وليبيا والعراق واليمن ومنطقة الساحل الافريقي بات يدرك جيدا ان سياسة بلاده في خلق دول “فاشلة” في الشرق الاوسط عبر التدخلات العسكرية المباشرة او غير المباشرة، تحت ذرائع متعددة، تصب في مصلحة هذه المنظمات الاسلامية المتشددة، من خلال خلق البيئة الحاضنة لها، وتوفير سبل الاكتفاء الذاتي بالمال والسلاح معا، وهو ما كان يشكل نقطة ضعف “التنظيم الام” في افغانستان في ايامه الاخيرة بعد اعلان الحرب عليه، وتجفيف موارده وقنوات الدعم المالية والتسليحية.

***

المرحلة الاولى “للجماعات الجهادية” تتمثل في نظرية التمكن في قواعدها الجديدة في الدول الفاشلة، ومنع قيام حكومات مركزية قوية (اليمن وليبيا)، ومن ثم الانطلاق لشن هجمات محتملة على اهداف في الدول الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص عبر تجنيد مواطنين غربيين في صفوفها يعودون في فترة لاحقة لتنفيذ هذه الهجمات.

الاحصاءات شبه الرسمية تقول ان اكثر من 3000 مواطن من اصول وجنسيات غربية ذهبوا للقتال في سورية من بينهم مئة امريكي و700 بريطاني على الاقل، علاوة على مواطنين من جنسيات سويدية وبلجيكية وفرنسية والبانية وبوسنية وصربية ودول اخرى من دول اوروبا الشرقية.

لكن مصادر اسلامية موثوقة اكدت لنا ان عدد المقاتلين الغربيين في سورية ضعف هذا الرقم، فالعديد من الشبان الذين يذهبون الى هناك للعمل في اطار منظمات الاغاثة الانسانية سرعان ما يتأثرون بفكر الجماعات المتشددة وينضمون الى صفوفها والانخراط في اعمال قتالية.

السلطات البريطانية على سبيل المثال لا الحصر، اعتقلت 40 عائدا من المقاتلين الذين يحملون جنسيتها، وسحبت جنسية عشرين شخصا آخرين، بالمقارنة مع 25 مقاتلا في العام الماضي، وبات من المألوف رؤية عملاء المخابرات البريطانية يتواجدون باعداد كبيرة في بوابات الدخول والخروج في مطارات هيثرو وغاتويك ومانشستر لاستجواب المغادرين والقادمين من الاردن وسورية والعراق وتركيا للتعرف على اهداف سفرهم وما اذا كانوا يحملون اموالا نقدية، وكنت احد الذين جرى التحقيق معهم عندما كنت في طريقي الى الاردن قبل شهرين.

ومن المتوقع ان يؤدي الانتصار الكاسح لليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الاوروبي الاخيرة، وهو اليمين المعروف بكراهيته وعنصريته تجاه عشرة ملايين اوروبي مسلم الى تصاعد حدة موجات التطرف في اوساط الشباب الاسلامي كرد فعل في المقابل، حيث تتزايد بل تتضاعف اعمال الاعتداء على المساجد والمؤسسات الاسلامية في الفترة الاخيرة..

قلق الرئيس اوباما يعود الى اتساع نطاق الجبهات والملاذات الآمنة للجماعات الاسلامية المتشددة، فعندما اسس الشيخ بن لادن تنظيم “القاعدة” عام 1996 في افغانستان، كان تواجد هذا التنظيم محصورا في مناطق محدودة مثل جبال تورا بورا وجلال اباد، وقندهار، وبعيد كليا عن المنطقة العربية حيث المخزون النفطي والمالي والشعبي الهائل، والقواعد الامريكية، الآن اصبح هذا التنظيم بنسخته الجديدة المحدثة والاكثر خطورة موجودا في ليبيا والعراق وسورية واليمن وشمال مالي والساحل الافريقي الامر الذي جعل مهمة مواجهته اكثر صعوبة من اي وقت مضى.

فرنسا ارسلت جنودها للتدخل في مالي، وتمكنت فعلا من القضاء على فرع التنظيم هناك بصيغته المحلية، ولكن بعد اقل من عام ها هو التنظيم يعود بقوة ويسيطر على مدينة اكدال ويتخذها منطلقا للزحف نحو الجنوب والشرق معا، بحيث باتت اكثر من دولة مثل تشاد والجزائر وموريتانيا علاوة على النيجر (بوكو حرام) داخل راداره ومهددة بأنشطته وعناصره.

تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام بات الوريث الشرعي لتنظيم “القاعدة” حسب آراء العديد من الخبراء، لانه تنظيم عابر للحدود، اولا، ومفتوح لجميع المقاتلين من العالم الاسلامي ثانيا، اي انه لم يعد مقتصرا على الهويتين السورية والعراقية، واصبح له فروع في اليمن وانصار في المغرب الاسلامي ومكتفيا ذاتيا ثالتا.

***

تفويض مثقفين ونشطاء سوريين يقيمون في الولايات المتحدة في معظمهم الائتلاف الوطني السوري المعارض ورئيسه احمد الجربا للتقدم للادارة الامريكية بطلب لتحريك طائراتها بدون طيار (درونز) لضرب معاقل تنظيم الدولة الاسلامية في اطار الجهود المشتركة لضرب “الارهاب”، واعتبروا في تفويضهم الذي وقع عليه 30 شخصا ان تنظيم الدولة “الارهابي” يستهدف شعوب المنطقة وكافة الشعوب الحرة في العالم يمثل في رأينا عنوان المرحلة الامريكية القادمة في المنطقة، ولذلك لم نستغرب او نستهجن ما صرح به الجنرال الامريكي ديمبسي رئيس هيئة الاركان الامريكية المشتركة بأن الاردن طلب من الولايات المتحدة تزويده بطائرات استطلاع امريكية (درونز) لمساعدته في مراقبة حدوده الطويلة جدا مع سورية، حسب ما جاء في قناة “الجزيرة”.

الدول الاسلامية باتت تسيطر على منطقة ضخمة في غرب العراق وشرق سورية، وتتحكم في بعض الآبار النفطية وتقيم معملا بدائيا لتكرير كميات معقولة منه، وتوظف عوائد بيعها في السوق الداخلي لتمويل انشطتها في البلدين مما يحقق لها الاكتفاء الذاتي، وهذا ما يفسر اتساع نطاق نفوذها وقوتها معا رغم الحروب الشرسة التي تشن ضدها من قبل تحالف واسع لجماعات مساحة في سورية من ناحية والجيش العراقي وصحواته من ناحية اخرى.

الولايات المتحدة وحلفاؤها العرب، والخليجيون منهم على وجه التحديد خلقوا “وحشا اسطوريا” دون قصد سرعان ما سينقلب عليهم في ما هو قادم من الايام، ان لم يكن قد انقلب فعلا، واذا كانوا يعتقدون ان طائرات “الدرونز″ والجماعات المعارضة المسلحة والمعتدلة ستنجح في القضاء عليه، فانهم مخطئون ودليلنا فشل هذه الطائرات على مدى 11 عاما في افغانستان رغم قتلها اكثر من خمسة آلاف انسان، وربما العدد نفسه في اليمن.

مهمة ادارة الرئيس اوباما في مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة تبدو صعبة، ان لم تكن مستحيلة، وقد تعطي نتائج عكسية تماما، وحذره الشديد في عدم التورط على الارض مبرر، ولكنه قد لا يدوم طويلا، وبالنظر الى اتساع دائرة الخطر هذه، وتزايد ضغوط الكونغرس، والجمهوريين في صفوفه خاصة، وتذكروا ما قلنا اثناء التدخل العسكري الامريكي في العراق، وما كررناه كرد فعل على تدخل “الناتو” في ليبيا، وحتمية تحولها الى ملاذ آمن لتنظيم “القاعدة” وفروعه ودولة فاشلة وتعرضنا بسبب ذلك للقذف بالحجارة.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: