وادي العيون: عندما جاء الربيع.. كان مثقلاً بالهمّ

سناء علي “السفير اللبنانية “

تجلس أم عماد أمام شرفة منزلها تتأمل كرم الزيتون المزهر، أو لعلّها لم تكن تنظر إلى شيء، هي فقط تفكّر في أولادها السبعة، ترى أين هم؟ كيف 44521edc-799c-48e9-8a2f-0790b67b4b94أحوالهم؟ مَن يقنع غريزتها بأنهم بخير وسط ضجيج الكارثة وعواجل التلفاز وتطمينات اتصالاتهم؟
شتاتهم يؤرقها، ويشقّ على سنواتها السّبعين أن تحتمل طول المسافة بين حمص وحماه واللاذقية وحلب ودمشق، لتضمّ ولو للحظة أحد أبنائها.
فجر كلّ مرة يصاب فيها أحد أبنائها، كانت تنهض أم عماد من سريرها مذعورة وتبدأ بتلاوة الصلوات والأدعية، وإلى الآن لا تزال تمارس طقوس القلق والدعاء، على أمل انتهاء الحرب وعودتهم إليها سالمين.
تمرّ ساعات القرية رتيبة جداً. يخرج كبارها إلى حقولهم صباحاً ويعودون في الظهيرة، الطلاب إلى مدارسهم والموظفون إلى دوائر عملهم، لتجلس الجدّات بانتظار جميع الغيّاب.. صمت طويل لم يألفه السكّان هنا، سيقطعه بين الحين والآخر صوت سيّارة إسعاف مسرعة تنقل أحد الجرحى، أو ربما نذير مئذنة الجامع، سنسمع اسم شهيد جديد. ينقبض قلب الجميع، نعرف مَن هو ثم تبدأ مراسم الحداد التي سيشارك الجميع بها، فابن القرية ملك للقرية وليس لوالديه فقط. يعود الجميع من تأدية الواجب مكلومين، حزانى، مثقلين بالهمّ والألم ولعنة الفراق ومتعبين من عدد الشواهد والمغادرين.
بين الحدّ الفاصل لريف طرطوس وريف حماه، تقع تلك القرية، الهادئة كما لم تكن من قبل. وادي العيون، واحدة من أجمل القرى الجبلية السورية، وتمتد على السفح الغربي من سلسلة الجبال الغربية في سوريا، وترتفع عن سطح البحر ما بين 450-900 متر.
وأنت تشقّ طريقك باتجاه وادي العيون، علاوة على أسماء تلك القرى التي تعرّف عليها غالبية السوريين خلال السنوات الثلاث الماضية، ستشدّك صور أبنائها المعلقة على امتداد الطريق. بعيونٍ شاخصة سيحدّثك أصحابها عن هويات ودماء سالت على امتداد المحافظات السورية. لن تعبر شارعاً واحداً من دون أن تمرّ بصورة أو نعي، أو على الأقل لافتة كُتب عليها «هنا يرقد الشهداء».
ربيع تلك القرية لا يشبه الربيع الذي يتحدّثون عنه في السياسة. قبل ثلاث سنوات كانت تلك القرية، المشهورة بينابيعها وجمال طبيعتها، محجّة للسيّاح من داخل سوريا وخارجها، لكنّ هدوءها وسكونها اليوم ينبئان بحزن عميق في نسماتها الباردة، رتابة مملة، وشوارع خاوية إلا من بعض أهلها.
ستفتقد وأنت هنا بهجة مواسم الحصاد، وضجّة الوافدين إليها للتنزّه في مثل هذا الوقت من السنة، وحتّى غدائر المياه فيها جفّ معظمها، لكنّ لا يزال الغيم الأبيض وضباب المغيب، وشجر السنديان وزهر الرمان، ومطر يباغت عرائش العنب باكراً أصدقاء أوفياء لذلك الوادي الأخضر، وصبايا الضيعة السخيّة ما زلن على وعدهنّ للأحبة والإخوة والأبناء الذين رحلوا باكراً.
أم حسين تجهّز منزلها، وتحضّر غرفة خاصة لولدها الوحيد. يهمس زوجها مكسور الخاطر: «ما بدها تصدق أنو استشهد». إنه هول الفاجعة غيّب عقلها وترفض التسليم للواقع، تنتظره وكأنه أخبرها بموعد عودته، وهو الشهيد في حلب منذ أكثر من عام، لكن لا رفات تضمّه، ولا قبر تدفن فيه وجعها، فمن يقنعها بأن حسين لن يعود، كما كل مَن رحلوا؟
معظم سكان القرية الذين غادروها للعمل أو الدراسة في المدينة وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة اليها لسبب أو لآخر. عمار على سبيل المثال ترك عائلته تعود وحيدةً من حيّ الأشرفيّة في حلب، وبقي يقاتل مع رفاق السّلاح في صفوف الجيش السوري هناك، خرجوا قبل عام تقريباً عندما حاصر المسلحون الحي وبدأوا بالتهديد باقتحامه، لتجد العائلة نفسها في سيارة أجرة، بالثياب التي عليهم، باتجاه وادي العيون.
ربا زوجة عسكريّ أيضاً، حكمت عليها ظروف غياب زوجها عن المنزل بالخوف من البقاء وحيدة في إحدى بلدات ريف دمشق، فعادت مع أولادها هي الأخرى. وغيرهم الكثير ممن حالت الظروف في مناطقهم من استمرار بقائهم فيها، لتستقبل القرية أهلها المهجّرين من المناطق التي شهدت توتراً أمنياً أو حراكاً مسلحاً، كما استقبلت معهم ضيوفاً أو أهلاً كما يحلو لهم توصيفهم التجأوا إليها من محافظات أخرى.
يبقى لذلك الريف، وتلك القرية في مساءاتها أحاديث السياسة المملّة التي سئم الجميع الاستماع إليها، لكن لا يكفّون عن متابعتها وتحليلها كلّ على ليلاه، وثرثرات النساء اللاتي لم توقف الحرب رغبتهنّ في النميمة البريئة، ولم تغير من طبائعهنّ وفطرتهنّ النسائية.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: