الانتخابات الرئاسية السورية امتهان لعقل السوريين وكرامتهم

منذر خدام

“منذر خدام – الحياة اللندنية”

في الثالث من حزيران سوف يتوجه الناخبون السوريون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس لبلادهم لأول مرة منذ أكثر من خمسة عقود، بحسب الترتيبات التي أعدتها السلطة الحاكمة منفردة. في السابق ومنذ عام 1970 على الأقل، لم يكن السوريون ينتخبون الرئيس بل يستفتون عليه، وكانت النتيجة معلومة سلفاً بمقياس من أربعة خانات يشغلها الرقم تسعة، وتنصفها فاصلة. واليوم أيضا لن تختلف النتيجة كثيراً عن نتائج الاستفتاءات السابقة، لأن سياق الوصول إليها هو ذاته، رغم الفوارق الجوهرية بين حال السوريين وظروف بلدهم اليوم، وبين حالهم وظروف بلدهم في السابق.
اليوم يعيش السوريون في ظل حرب طاحنة تجري على كامل جغرافيا وطنهم، تسببت في هجرة أكثر من عشرة ملايين شخص لأماكن سكناهم، منهم نحو أربعة ملايين نزحوا إلى دول الجوار ومن المشكوك به أن يشاركوا في الانتخابات. إضافة إلى ذلك فإن هناك مناطق واسعة من سورية تقع خارج سيطرة النظام، ومن البديهي أنه لن تجري فيها انتخابات. حتى تلك المناطق التي تخضع لسيطرة النظام ليست في وضع آمن، إذا استثنينا بعض مناطق الساحل السوري، لن تكون مشاركة الناخبين فيها مؤكدة.
ومن أجل أن لا تحصل مقاطعة واسعة للانتخابات كما كانت العادة في جميع الانتخابات السابقة لمجلس الشعب، أو للاستفتاءات على الرئيس بدأت السلطة تتخذ العديد من الإجراءات التي تحول دون ذلك. من هذه الإجراءات توجيه تعليمات للعاملين في جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها تشدد فيها على ضرورة حضور الموظفين إلى أماكن عملهم يوم التصويت تحت طائلة المسؤولية، كما جرى تقديم الامتحانات الجامعية إلى الأول من حزيران لضمان وجود الطلبة في الجامعات خلال وقت التصويت، ويجري العمل التوجيهي والدعائي لمنتسبي أحزاب السلطة ومؤيديها، بضرورة المشاركة الكثيفة في الانتخابات. إضافة إلى ذلك بدأت السلطة تروج لإشاعات حول زيادة رواتب الموظفين بنسبة كبيرة في حال مشاركتهم في الانتخابات والتصويت لصالح المرشح -الرئيس.
من جهة أخرى، فإن هذه “الانتخابات” التي سوف تجري كما تشير جميع الدلائل في الموعد المحدد لها، لن تكون ذات مصداقية لأسباب عديدة. فهي بداية تجري في غياب أية حياة سياسية طبيعية منذ أكثر من خمسة عقود، لم تسمح السلطة خلالها بوجود معارضة حقيقية ذات مصداقية قادرة على المنافسة الجدية في الانتخابات، بل لم تسمح حتى لأطراف في “المعارضة” الرسمية الهامشية من الترشح، عداك عن هيمنة الأجهزة الأمنية على جميع مفاصل الدولة، ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والتحكم بخيارات العاملين فيها.
وهي تجري، ثانياً، وفق قوانين أعدها النظام منفرداً وفصلها على مقاسه. فبحسب قانون الترشح لمنصب الرئيس ينبغي حصول المرشح على تذكية من خمس وثلاثين عضوا في مجلس الشعب، ولا يمكن تأمين هذا العدد إلا لمن هو من بطانة النظام ومن طينته، وحتى في هذه الحالة على السلطة أن تسمح بذلك، فأعضاء مجلس الشعب هم بالأساس من مؤيدي النظام فقط، فلا وجود لمعارضة حقيقية فيه.
ومن جهة ثالثة لن تكون هذه الانتخابات نزيهة، لأنها لن تكون مراقبة من جهات محلية أو دولية محايدة، وسوف تشرف عليها أجهزة السلطة ذاتها، من أصغر لجنة انتخابية وصولا حتى المحكمة الدستورية العليا المشكلة من قبل الرئيس ذاته بمرسوم.
وإذا تجاوزنا هذه الاعتبارات التنظيمية والقانونية والإجرائية المتعلقة بإجراء هذه الانتخابات الرئاسية، وهي جميعها تؤكد عدم شرعيتها، فإنها من الناحية السياسية توجه رسالة خاطئة إلى الشعب السوري، وإلى الأطراف الدولية المعنية، تفيد بأن لا حل سياسي للأزمة السورية، بل حل عسكري فقط. هذا يعني عملياً استمرار قتل السوريين وتهجيرهم، واستمرار تدمير عمرانهم ومصادر رزقهم.
مع أنه لم يكن من المتوقع نجاح المفاوضات التي جرت في حنيف بين وفد من النظام،ووفد من الائتلاف السوري المعارض، نظراً للظروف والمناخات التي عقدت خلالها جولتي التفاوض، ولأن كلا الطرفين المتفاوضين لم يكونا جادين في نجاحها، إلا أن كل منهما كان حريصاً على عدم الانسحاب منها حتى لا يتحمل المسؤولية عن فشلها، لكن اليوم بإعلان النظام عن إجراء الانتخابات الرئاسية يكون عملياً قد دفن بيان جنيف1 ومسار الحل السياسي الذي تأسس عليه. لقد كان باستطاعة السلطة اللجوء إلى بعض مواد الدستور الحالي لشرعنة بقاء رئيسها في منصبه لسنوات إضافية، حتى تتوافر ظروف ملائمة لإجراء الانتخابات، لكن السلطة أرادت من إجرائها في موعدها الدستوري أن تقول للعالم، وللشعب السوري قبل غيره، أن لا مفاوضات سياسية بعد اليوم على أساس بيان جنيف1 ، ولا مرحلة انتقالية تليها انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس قوانين ونظام انتخابي جديد، ولا جسم سياسي مشترك من السلطة والمعارضة يقودها، بل فرض لإرادتها، ورؤيتها للحل في سورية.
لطالما تعرض السوريون لامتهان كرامتهم وعقولهم من قبل النظام الحالي خلال العقود الماضية من حكمه، فهو لم ينظر يوماً إليهم كفعالية حقيقية، بل كقطيع يسوقه في أية وجهة يريد. واليوم يبلغ هذا الامتهان مداه الأقصى من خلال إجراء ” الانتخابات” الرئاسية. فبعد أن فشل في إدارة الأزمة التي عصفت بسورية وشعبها، وقاد البلاد إلى كارثة شاملة، أدت إلى مقتل مئات الآلاف من السوريين، وتشريد الملايين منهم، وتدمير مدن وبلدات بكاملها، لا يحق له وفق أي معيار قانوني، أو سياسي، أو أخلاقي، أن يستمر في الحكم، بل عليه أن يواجه القضاء العادل. إن من تسبب في حرق البلد لا يحق له أن يقدم نفسه كإطفائي، عندئذ لن تكون الماء ما يملآ خراطيمه بل الزيت.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: