مأزق المعارضة المسلّحة

سمير العيطة“سمير العيطة – السفير اللبنانية”

كانت «جبهة النصرة» بالتحديد تشكّل القوّة الضاربة للمعارضة المسلّحة، لأنّها الأفضل تسليحاً وتمويلاً وتنظيماً، لكنها اليوم على مفترق طرق.
لقد غازل سياسيّون معارضون في الماضي القريب هذه الجبهة المصنّفة على قائمة الإرهاب، على أساس أنّها تختلف عن تنظيم «دولة الإسلام في العراق والشام» (داعش)، وأنّ أكثر عناصرها سوريون على عكس الأخيرة. ذلك بالرغم من توجّهاتها المتطرّفة هي الأخرى، البعيدة عن ثورة دولة الحريات والمواطنة، وبالرغم أيضاً من انخراطها في معارك أهليّة بتوجيهات خارجيّة.
قبيل مسرحيّة جنيف 2، ولأسباب تتعلّق بالرأي العام في الغرب، تمّ دفع أطياف المعارضة التي ستجلس حول طاولة المفاوضات إلى الشروع بـ«مكافحة الإرهاب»، عسكريّاً بالنسبة للتنظيمات المقاتلة، وخطابياً بالنسبة للائتلاف. حينها، صوّرت «داعش» على أنّها وحدها تمثّل الإرهاب، دون حرج من أنّ حكومة العراق المفترضة، حليفة للسلطة في سوريا، كانت على حربٍ شعواء معها. وحده الحراك على الأرض في مناطق تواجدها، كما في درعا، كان يعرف أنّ «النصرة» مصدر تهديد كبير عليه.
انخرطت «النصرة» تدريجيّاً في حرب وجود مع «أختها في القاعدة» «داعش»، خصوصاً في مناطق الجزيرة بشمال شرق سوريا، حيث تستند هذه الأخيرة على العراق. هكذا فقدت «النصرة» الكثير من قياداتها وقواعدها. ثمّ ها هي تفاجأ اليوم، بعد منعطف هدنة حمص، ببوادر قطيعة بينها وبين بقيّة قوى المعارضة العسكريّة الإسلاميّة الكبرى، التي باتت تنادي، على عكس بيانات تأسيسها، أنّها تعمل وفق ميثاقها الجديد لإقامة «دولة العدالة والقانون والحريّة». هذه القطيعة، إذا ما تأكّدت، قد تعني بداية أفول «جبهة النصرة»، التي لا يمكنها أن تصارع على ثلاث جبهات أو أكثر سويّة. وما يعني في عمقه إعادة ترتيب كبرى للاعبين في صفوف المعارضة العسكرية.
ولعلّنا اليوم على أبواب منعطف جديد على الساحة السوريّة، تتسارع أحداثه مع اقتراب موعد الانتهاء من تسليم الكيماوي ومسرحيّة الانتخابات الرئاسيّة. منعطف عنوانه دوليّاً هو نبذ التطرّف والإرهاب. لا مشكلة لدى السلطة في التعامل معه، لأنّها أصلاً أرادت منذ البداية دفع الأمور إلى وضعيّة «أنا أو الفوضى»، كي تنتصر. وبالفعل، يحقّق الجيش النظامي والميليشيات الموالية تقدّماً لافتاً في الآونة الأخيرة.
بالمقابل، سيفرض هذا المنعطف على المعارضة العسكريّة ديناميّة جديدة. إذ باتت الأولويّة لدى الغالبية الساحقة من المواطنين هي وقف الحرب، حتّى قبل رحيل الاستبداد، وكذلك… مكافحة التطرّف. هكذا هو الأمر حتّى لدى القاعدة الشعبيّة المناوئة للسلطة، التي عانت من القمع والقتل والقصف بالبراميل. ومهما كانت حقيقة التلاعب الإعلامي الموالي حول عودة المواطنين إلى منازلهم في وسط حمص، فإنّ غالبية السوريين باتوا لا يحتملون حقّاً الوضع الحالي.
السؤال هو: ماذا ستكون الخطوة القادمة للمعارضة العسكريّة «المعتدلة» بعد المناداة بدولة العدل والحرية؟
لا بدّ لهذه الخطوة أن تستبق وتوجّه تطوّرات الديناميّة الجديدة، وإلاّ جرى عكس ما تنادي فيه. ولا بدّ أن تكون الخطوة هادفة سياسياً، وإلاّ استمرّت الحرب عبثاً. ولا بدّ لها أن تبقى في سياق حصر حمل السلاح لحماية المواطنين من بطش سلطة الاستبداد. السوريون بذلوا الكثير من أجل العدل والحريّة المنشودين، ومهما حصل على المدى القصير… فسيأتيان.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: