من احتمال الثورة إلى ممكنات الثورة المضادة

“منذر خدام” منذر-خدام

ما كان للدوائر الغربية الرسمية عموماً، والأمريكية منها على وجه الخصوص، وكذلك حكومات العديد من الدول العربية والإقليمية، أن تقبل بدور المتفرج على ما يحصل في بعض الدول العربية، من انتفاضات شعبية، تطرح لأول مرة في التاريخ أسئلة تتعلق بالأنظمة السياسية المستبدة الحاكمة فيها، في منطقة لطالما وصفت مصالحها فيها بأنها حيوية، دون أن تبدي أية ردة فعل. وإذا كانت انتفاضة الشعب التونسي وانتفاضة الشعب المصري قد فاجأتا هذه الدوائر إلى حد كبير، مما جعلها تعمل لاحقا على استيعابها، فإنها في انتفاضة الشعب الليبي، وكذلك في انتفاضة الشعب اليمني، وفي انتفاضة شعب البحرين، قد أدت الدور الحاسم، في الأولى عن طريق التدخل العسكري المباشر، وفي الثانية عن طريق فرض ترتيبات معينة، فتحت الطريق أمام حصول تغييرات جذرية في المستوى السياسي، وبصورة خاصة في آليات اشتغاله، في حين أنها في الحال البحرينية لجأت إلى قمع الانتفاضة مع الإبقاء على النظام الملكي القائم. أما في سورية فإن الوضع كان مختلفا، فإنها منذ البداية كانت تراقب ما يمكن أن يحصل في هذا البلد العربي الذي كانت تعتبره غير صديق، بدفع وتحفيز من انتفاضات الشعوب العربية بصورة رئيسية، وبدفع وتحفيز منها ثانية، عن طريق وسائل الإعلام على الأقل .
لا شك بأن طبيعة النظام السياسي الاستبدادي الحاكم في سورية، وما تسببه للمجتمع السوري من إفقار، وفساد، وتدخل أمني سافر في تفاصيل حياته، إضافة إلى القمع المستمر لمعارضيه حتى كاد أن يصيب المجتمع بجفاف سياسي، كل ذلك وغيره هيأ الأرضية الموضوعية للتمرد على النظام، وما كان ينقصه سوى كسر حاجز الخوف المتراكم في النفوس من جراء بطش السلطة. لكن الشعب السوري شرع أخيراً بالتمرد على حكامه، وإن بصورة مترددة وخجولة، بداية في دمشق على شكل تجمعات صغيرة أمام وزارة الداخلية، وفي سوق الحميدية، شارك فيها مثقفون وفنانون ومواطنون عاديون، رد عليها النظام بالقمع والاعتقال، لتنتقل الراية بعد ذلك إلى درعا ومن ثم إلى اللاذقية لتشمل لاحقا بقية محافظات سورية. وهكذا لم يمضي أكثر من ستة أشهر على بداية تمرد أعداد محدودة من السوريين على السلطة الحاكمة، حتى تحول التمرد إلى انتفاضة شعبية سلمية عارمة شارك فيها السوريون من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية. غير أن السلطة الحاكمة ما كان لها أن تسمح لهذه الانتفاضة الشعبية السلمية بان تكمل مسار صيرورتها الموضوعية إلى ثورة، لأنها في هذه الحالة كانت سوف تقتلعها من جذورها، وتقتلع معها الاستبداد بصورة نهاية وإلى غير رجعة. لذلك بادرت فوراً لمواجهة التحركات الشعبية بالقوة الأمنية والعسكرية لتقطع هذا المسار، وهذه الصيرورة الموضوعية. لذلك فإن الدفاع عن سلمية الثورة لم يكن ترفا فكرياً، أو ابتعاداً عن الواقع، بل هو عين النظرية السياسية الثاقب التي رأت فيه المسار الوحيد الممكن لانتصار الثورة. اليوم لم يعد هذا الخيار قائماً، فقد تم إجهاضه من قبل النظام وذلك من خلال القضاء على الحراك السلمي بالقوة، وكذلك من قبل المعارضة التي استسهلت اللجوء إلى العنف للرد على النظام بذات الوسائل العنيفة.
إن نهج العنف، في الظروف السورية، هو نهج قطع مسار تحول الانتفاضة الشعبية إلى ثورة وفتح الطريق أمام خيارات وممكنات الثورة المضادة، إنه تحويل للصراع من صراع لهزيمة الاستبداد من اجل بناء الديمقراطية إلى صراع على السلطة. فسواء انتصر النظام عسكريا، وهذا مرجح لكنه سوف يكون مكلفاً وباهظ الثمن، أم انتصرت المعارضة المسلحة وهذا ضعيف الاحتمال في المدى المنظور ، فلن تكون الديمقراطية الخيار السياسي الذي يعلو رايات النصر. ففي حال انتصر النظام فإنه سوف يعيد تجديد نفسه مع بعض الديكورات الديمقراطية الشكلية القائمة لديه اليوم.
أما في حال انتصرت المعارضة المسلحة على المدى البعيد، فإن نصرها لن يكون واحداً، بل متعددا بحسب ولاءات فصائلها السياسية والأيديولوجية وتمويلها، وربما يكون من الصعب اتفاقها مما سوف يفتح الباب أمام صراعات مديدة بينها، فتتحول سورية عندئذ إلى صومال ثانية. وبين احتمالي النصر لهذا الطرف أو ذاك وهما احتمالان غير راهنين في مجمل الأحوال سوف تستمر الحرب الداخلية تحصد أرواح السوريين مستفيدة من التغذية الراجعة لكليهما من الخارج.
في إطار هذا المشهد العام لما يجري في سورية والذي تغلب عليه ألوان الثورة المضادة وممكناتها، يطرح التساؤل حول إمكانية عودة لون الثورة من جديد؟ الوقائع على الأرض تجيب بأن العنف قي سورية بدأ يخرج عن إطار السيطرة، وثمة مخاطر حقيقية من انتقاله إلى دول الجوار، إضافة إلى أن اغلب السوريين يقفون ضده ويعارضون استمراره، وأن الدول الغربية عموما بدأت تتخوف جدياً من الإرهاب القادم من سورية، كل ذلك يخلق ظروفا محلية وإقليمية ودولية لصالح تقدم الخيار السياسي التفاوضي كخيار محتمل. في هذه الحالة وحدها يمكن من أن يحقق الشعب بعض أهدافه، وفي مقدمتها الانتقال إلى نظام ديمقراطي، وبذلك يتم خلق مسار حقيقي لهزيمة السلطة الحالية لكن في هذه الحالة لن تتم هزيمتها بالقوة المسلحة، بل عبر صناديق الاقتراع.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: