تدمير سورية.. المشروع المؤجل من تسعينات القرن الماضي

 “جريدة الاوسط من كندا”

كتاب جديد للكاتب: عدنان بدر حلو

مقدمة

ثمة فارق كبير بين التنبؤ بوقوع حدث معين وبين توقعه.. فالتنبؤ أو (التنجيم) مسألة «ماورائية» تعتمد على الوحي أوالإلهام دونما أي دور للعقل.. في حين أن التوقع هو قراءة عقلية لمعطيات واضحة تقودحركتها المرئية إلى احتمال كبير لحصول حدث Adnan1واضح المعالم يمكن توقعه في مدى زمني معقول…

*     *     *

لقد تفتح وعي جيلنا (جيل خمسينات القرن الماضي) على أن الصراع العربي- الإسرائيلي،هو محور الحياة السياسية في بلادنا.. فكان هذا الأمر موضوع كل القضايا والشعارات التي تستأثر باهتماماتنا واهتمامات شعبنا: من التحرير الاجتماعي الداخلي (حركة الفلاحين التي شملت أريافنا في تلك المرحلة)، ونشر برامج التعليم والصحة في عموم تلك الأرياف، وبناء الجيش الوطني وتسليحه وتطويره، إلى بناء المشاريع الإنمائية والصناعية (اتفاق التعاون الاقتصادي والعسكري مع الاتحاد السوفييتي عام 1957)، وصولاً إلى تحقيق الوحدة مع مصر عام 1958، وانتهاج سياسة الحياد (باعتبارها استقلالا عن الغرب الداعم لعدوناالصهيوني).

حتى التطور السلبي الكبير الذي عاشته بلادنا، عندما خضعت للانقلابات والأنظمة العسكرية الديكتاتورية، إنما تمّ تحت مظلة هذا الصراع وبذريعته.

بالنسبة لي شخصياً، كما لأبناء جيلنا، كان هذا الموضوع (موضوع الصراع العربي- الصهيوني) هو القضية المركزية التي شغلت اهتمامي ونشاطي السياسي، ثم الإعلامي، على مدار أكثر من نصف قرن.. رغم تعدد الصيغ الحزبية والسياسية والساحات التي عايشتها وشاركت فيها: من الحزب الشيوعي السوري في وقت مبكر من مرحلة الشباب، ثم حركة الاشتراكين العرب في سورية، ومن بعدها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، ثم العودة مجددا إلى ساحة المعارضة السورية مع «التحالف الوطني لتحرير سورية» و«الجبهة الوطنية لإنقاذ سورية» في فترة الثمانينات والتسعينات في العراق وفرنسا، بالتوازي مع نشاط (قوامه الاستفادة من وجودي في أوروبا) لصالح قيادة منظمة التحرير، بإشراف الرئيس عرفات مباشرة، يتعلق باتصالات ودراسات مع الداخل الفلسطيني على امتداد السنوات 1985-1993.

وكان دائماً في صلب هذا الاهتمام موضوع أساس، يتمحور حول كيفية تعديل موازين القوى المختلة لصالح العدو… وقد تجلى هذا الاهتمام المركزي في رؤيتين عبرت عنهما كتابياً، وبشكل ملحّ ومكرر، فيمرحلتين:

المرحلة الأولى: من خلال كتاباتي في مجلة «الهدف»الناطقة بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيروت ما بين العامين 1969 و1976.(وأبرز ما في تلك الكتابات محاضرة ألقيتها عام 1969 في النادي الثقافي الاجتماعي بطرابلس، وأعيد نشرها في “الهدف” على حلقات) وكانت تتركز على بديهية أن شعب فلسطين ليس وحده ضحية الغزو الصهيوني لبلادنا، ولا هو المسؤول ولا المؤهل وحده لمهمة التصدي لذلك الغزو وتحرير فلسطين! إن هذا الأمر مسؤولية الأمة العربية كلها وبالذات في البلدان المحيطة بفلسطين.. وكانت الرؤية المعبر عنها في تلك المرحلة هو أن الثورة الفلسطينية ما هي إلا الشرارة التي يجب أن تحرك الجماهيرالعربية في تلك البلدان المحيطة بفلسطين (وبشكل خاص سورية) من أجل تحرير نفسها من قيود الأنظمة الديكتاتورية والقطرية لإقامة مجتمع ثوري وقاعدة ثورية تنطلق منها الثورة الفلسطينية العربية إلى مرحلة التحرير.. وإن مثل هذا التغيير الجذري هوالطريق إلى تحقيق الوحدة بين هذه البلدان، ثم بينها وبين فلسطين المحررة، لإقامة مجتمع ديمقراطي عربي متحرر يمكن في إطاره أن يتوفر حل للمشكلة اليهودية في هذه البلاد.

وفي الحقيقة كان هذا التوجه الذي عبرت عنه مشاركة قيادة «حركة القوميين العرب» عام 1968 مع «حركة الاشتراكين العرب» و«الاتحاد الاشتراكي العربي» في إقامة الجبهة الوطنية المعارضة في سورية، (وما نجم عنه من اعتقالات في سورية، شملت الدكتور جورج حبش وعدد كبير من قيادات وكوادرالجبهة الوطنية المذكورة)، هو ما شجعني على الانضمام للجبهة الشعبية والعمل في مجلتها «الهدف». فقد رأيت في هذه المشاركة تعبيراً فلسطينياً عن وعي لحقيقة ما أشرت إليه فيما تقدم.. وهو وعي مغاير تماما لما كان سائدا في الأوساط الفلسطينية الأخرى، اليسارية منها (الجبهة الديمقراطية) أو اليمينية (حركة فتح). من أن تحريرفلسطين يبدأ بتحرير القضية الفلسطينية من سيطرة الوضع العربي عليها، وتحمل الشعب الفلسطيني وحده مسؤوليتها على غرار التجربة الجزائرية. وهو توجه شجعته الأنظمة العربية بكل ما تملك من قوى وإمكانيات للتخلص من مسؤولياتها الفلسطينية ورميها كلها على شعب فلسطين وثورته.

وكنا نرى- كما هو وارد في مقالات كثيرة في «الهدف»- أن تطوير مثل هذا المجتمع الثوري المتحرر سيلقى دعماً كبيراً من المعسكر الاشتراكي عامة والاتحاد السوفييتي خاصة، بحيث تتحول معه الثورة الفلسطينية المطورة في هذا الاتجاه إلى فييتنام أخرى في الشرق الأوسط تستأثربتأييد ودعم كل القوى التقدمية في العالم.. وهذا هوالطريق إلى تغيير موازين القوى وتوفير مستلزمات التحرير وقواه.

المرحلة الثانية: بعد انتصار الاتجاه الفلسطيني الآخربدعم الأنظمة العربية، وهيمنة النظرة القطرية الفلسطينية على الثورة بجميع فصائلها تقريبا..لاسيما بعد دخول القوات السورية إلى لبنان وفرضها «مصالحتها» على الفصائل الفلسطينية كلها، كما على الحركة الوطنية اللبنانية، اضطررنا للخروج إلى العراق. وهناك عدنا إلى النشاط السياسي من ضمن إطار المعارضة السورية «اللاجئة» في بغداد.

وأول ما كان لنا من نشاط في هذاالمجال هو وضع دراسة حول الموقف الثوري السوري على ضوء التجربة الفلسطينية ومنظورالصراع العربي-الصهيوني، حملت اسم «المنهاج الديمقراطي الثوري»، حظيت بموافقةالأستاذ أكرم الحوراني، وحملت توقيع حركة الاشتراكيين العرب.. وقد تم طبع مائة نسخة منها لدى مكتب «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في بغداد، وجرى توزيعهاعام1977 على نطاق محدود.

المهم أن هذه الدراسة كانت تربط بين النضال للتغيير في سوريا بأفق تحقيق لقاء سوري- عراقي. وكان واضحاً لدينا – كما هومثبت في الدراسة المذكورة- أن مثل هذا التغيير في سورية واللقاء مع العراق سيدفعان بإسرائيل إلى شن حرب استباقية لإجهاضه.. وكانت قد صدرت تصريحات إسرائيلية كثيرة تهدد بحرب فورية لدى دخول أية قوات عراقية إلى  سورية بعد حرب تشرين 1973.

ولهذا كنا نرى أن النضال لتحقيق مثل هذا التغيير يجب أن يرتبط بالسعي لتحقيق أوثق العلاقات مع المعسكر الاشتراكي عامة والاتحاد السوفييتي خاصة، لأن مثل هذه العلاقات هي وحدها الكفيلة بتوفير نوع منالحماية الدولية القادرة على لجم العدوانية الإسرائيلية ومنعها من الإقدام على شنتلك الحرب الاستباقية.

وقد سبق لي أن عدت على تلك الدراسة قبل فترة ولخصت موقفنا المثبت فيها، ضمن مقال نشرته بتاريخ 18 كانون الثاني 2010 فينشرة «كلنا شركاء» الإلكترونية، كما قامت بإعادة نشره مجلة «الفكر العربي المعاصر» الصادرة في بيروت في الفترة نفسها، ويحمل عنوان «اللقاءالعراقي- السوري ما يزال ممنوعاً»، وقد جاء فيه ما يلي:

1- إن اللقاء بين سورية والعراق هو حجرالزاوية في بناء إستراتيجية عربية جدية للمواجهة مع إسرائيل.

2- إن مقومات هذا اللقاء على صعيد التكامل بين البلدين متوفرة، حيث يشكل كل منهما عمقاً استراتيجياً للآخر، كما أن المشاعر الشعبية في البلدين هي، بأكثريتها الساحقة، في هذا الاتجاه.

3- لا شك في أن إسرائيل تنظر إلى مثل هذا الأمر بأعلى درجة من الخطورة، بل تعتبره بمثابة إعلان حرب عليها، ولذلك يجب أن يوضع في الذهن دائما احتمال التدخل العسكري الإسرائيلي لضرب أي مشروع وحدوي بين البلدين.

4- بالإضافة لإسرائيل هناك قوى أخرى إقليمية ودولية لا تقلعنها عداء للقاء بغداد ودمشق، أولها الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر ذلك تهديدا لمصالحها في الخليج والجزيرة العربية. وكذلك إيران التي يعتقد حاكمها(الشاه) أن قيام كيان عربي قوي في هذه المنطقة يهدد أطماعه التوسعية في الخليج وطموحاته بدور مهيمن على صعيد المنطقة كلها. كما يضاف إلى هذه القوى بعض الأنظمة العربية التي تشعر أن قيام كيان عربي بهذا الحجم والقوة والتأثير القومي سوف يفرض عليها مسؤوليات هي في غنى عنها!! سواء على صعيد المواجهة مع إسرائيل، أم على صعيد العمل العربي العام بأبعاده المختلفة (هذا إذا لم يكن يهددها بشكل مباشر!)؛ وفي مقدمة هذه الأنظمة حكام الدول العربية النفطية.

5- لكل ما تقدم كنا نرى أن هذا اللقاء بين البلدين هـو حاجة ماسة للأمة العربية وقضيتها المركزية في فلسطين، وضرورة لا غنى عنها من أجل تحقيق تغيير جدي في موازين القوى على صعيد المنطقة. لكن ذلك يعني بالمقدار نفسه أن التحرك الجدي في هذا الاتجاه لا بد له من توفير حماية كافية في مواجهة كل هذا العداء العربي والإقليمي والدولي المتربص به. وكنا نخلص في هذا المجال إلى أن التأييد الشعبي العربي الذي يمكن أن يولده أي مشروع جدي للقاء القطرين هو أمر في غاية الأهمية، لكنه قد لا يكون كافيا في ظل المعطيات الإقليمية والدولية القائمة. فلا بد من ضمانة دولية كبيرة لم نكن نجد أنها يمكن أن تتوفر إلا في حال قيام علاقات متينة مع الاتحاد السوفييتي القادر وحده على توفير حماية جدية لمشروع من هذا النوع. وهذا ما لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود علاقات متينة للبلدين مع موسكو كوسيلة وحيدة لإقناعها بتحمل مسؤولية موقف على هذا القدر من الخطورة في ظل معطيات الحرب الباردة وظروف فترة التعايش السلمي الذي كان قائما بين المعسكرين الدوليين! وفي هذا السياق كنا ننظر بإيجابية كبيرة لتوقيع معاهدتي «الصداقة والتعاون» بين كلمن سورية والعراق من جهة وبين الاتحاد السوفييتي من جهة أخرى، مع أننا كنا ندرك ضيق النظرة التي ينظر بها كل من النظامين إلى هذا الأمر!! كما كنا ندرك محدودية الاستعداد لدى القيادة السوفييتية للعب دور بهذا الحجم (الهجومي!) في هذه المنطقة التي كانت ما تزال تعتبرها وتتعامل معها على أساس أنها مجال حيوي للمصالح الغربية.

 

على ضوء هذه الرؤية لم نكن نجد تفسيراً لعدم جدية مواقف النظامين من بعضهما البعض، لا على صعيد اللقاء ولا على صعيد الخلاف، سوى أنه كان يعكس هاجس كل منهما تجاه تحمل مسؤولية الحكم في القطرين!! وللتاريخ يجب أن نذكر للأستاذ أكرم أنه كان، رغم حدة مواقفه وراديكاليته، يبتعد عن مواقف «التخوين» التي كانت تتبادلها وسائل الإعلام هنا وهناك.

 

وقد جرت محاولة-على ضوء هذه الدراسة-لتجديد نشاط «حركة الاشتراكيين العرب» من الخارج برعاية الأستاذ أكرم ومشاركتنا مع الرفيقين الدكتور عبد الرحمن منيف والمحامي سركيس سركيس. وعقدنا لهذا الهدف عدداً من جلسات الحوار والمناقشة (مسجلة على أكثر من عشرة أشرطة) لدراسة التجربة الماضية كأساس تنطلق منه المحاولة الجديدة….

لكن هذه التجربة لم تكتمل لأكثر منسبب، منها إدراك الأستاذ أكرم أن القيادة العراقية لم تكن آنذاك في وارد قبول مثلهذا النهج: لا في موضوع التغيير في سورية، ولا في موضوع تطوير العلاقات مع الاتحادالسوفييتي، فبدا له أن المحاولة ستحمّل رفاقنا في الداخل تبعات جسيمة دون أن يكون لها عائد وطني أو قومي يتناسب معها.

ثم أطلت فرصة ثانية في هذا الاتجاه عندما أقدم السادات على مبادرته بالانفراد عن شراكته مع النظام السوري في حرب تشرين وزيارة القدس المحتلة وإخراج مصر من معادلة الصراع مع إسرائيل، الأمر الذي أحدث فراغا مدويا في الموقف العربي كان من الطبيعي أن يكون السوريون أول من يستشعر مخاطره.

وبالنسبة لي، كسوري واشتراكي عربي وإعلامي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، كان طبيعياً جداً أن أشعر بالقلق الشديد في ظل هذا الوضع المستجد ومخاطره، فقمت بصياغة مشروع مذكرة (تحمل تاريخ 25 كانونالثاني 1978) موجهة من «الاشتراكيين العرب» إلى القيادة العراقية تشرح رؤيتنا للأمر ومخاطره، وما يمكن أن يكون عليه الموقف في دمشق: سواء على صعيد القطاعات الشعبية أو العسكرية – أم على صعيد القيادة التي لا بدّ وأن تكون مستشعرة لخطورة وقوفها وحيدة في مواجهة التهديد العسكري الإسرائيلي. وتخلص تلك المذكرة في النهاية إلى اقتراح أن تقوم القيادة العراقية بمبادرة تجاه سورية تدعو قيادتها إلى طي صفحة الخلاف وفتح صفحة جديدة من التعاون الوحدوي لبناء جبهة شرقية موحدة في مواجهة الخطر الداهم…فإما أن ترفض، وتُحرج بالتالي أمام شعبها وجيشها والعرب أجمعين مما يضعفها لصالح المعارضة، وإما أن تقبل فيكون ذلك أفضل بكثير وهو المرجو.. وقمت بعرض ذلك المشروع على الأستاذ أكرم فتبناه بحماس وقام على الفور بالاتصال مع السيد نزارحمدون الذي كان مديراً للمكتب السوري في القيادة القومية (المكتب المعني بشؤونسورية والسوريين في العراق) وطلب منه الحضور إلى بيته حيث أطلعناه على المذكرة ليرفعها إلى القيادة العراقية باسم «الاشتراكيين العرب». فتحمس لها، هو الآخر، ووعد بأن يرسل نسخة منها لكل عضو في القيادة ويحتفظ لنا بنسخة، مشددا على رجائه أن يبقى الأمر سرياً.

بعد عدة أشهر حدثت المفاجأة بالإعلان في كل من بغداد ودمشق عن اتفاق على الشروع بمفاوضات من أجل مشروع وحدوي بين البلدين. وقد تم الإعلان عن توقيع «ميثاق العمل القومي» بينهما في تشرين أول/أكتوبر 1978.

وقد كنا من أكثر السوريين في العراق حماساً لذلك المشروع، في حين كان لإخواننا الآخرين اللاجئين هناك – بمعظمهم- موقف سلبي منه..

غير أن المواقف التكتيكية للمسؤولين في البلدين، التي لم تكن على مستوى أهمية المشروع وخطورته وخطورة التحديات الإقليمية والدولية المحيطة به، مضافا إليها الدور الذي لعبه بعض الحكام العرب وفي مقدمتهم الملك حسين لتعطيل ذلك التوجه الوحدوي بين القطرين، سرعان ما فجرت الموقف وأعادت إشعال «حرب البعثَين» بين بغداد ودمشق.. فأهدرت فرصة تاريخية نادرة لتحقيق ذلك المشروع وتلك المحاولة التي كانت كفيلة بوضع العرب، فعلاً لا قولاً، على طريق تغيير موازين القوى في الصراع العربي- الصهيوني.

بعد ذلك اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية التي دامت ثماني سنوات بكل ما أدت إليه من هدر في طاقات البلدين بعيداعن ساحة الصراع المركزية بالنسبة لشعوب المنطقة.

وإذا كان العراق قد خرج من تلك الحرب وهو يملك تراكما هائلا من الإمكانات والخبرات العسكرية، كان يمكن أن يعاد توظيفها في عملية جديدة لتغيير موازين الصراع مع العدو الصهيوني، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها وأتباعها في المنطقة كانوا بالمرصاد لهذا الاحتمال، فسارعوا إلى جره نحو«فخ الكويت».

وللدلالة على موقف الأنظمة العربيةالمعنية من هذا الأمر، نستعيد لقاء لنا مع الرئيس ياسر عرفات في بغداد عام 1988 على هامش احتفالات العراق بتحرير شبه جزيرة الفاو.. فقد روى لنا الرئيس الفلسطيني حديثاً كان قد دار بينه وبين وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، الذي سأله عما سيفعله صديقه صدام بهذا الجيش الكبير والقوي بعد أن تنتهي الحرب.. فأجابه أبوعمار: إن العراق خارج من حرب طويلة وفي حاجة ماسة للاستثمار في إعادة إعمار البنى التحتية المدنية.. وعليه فإن قسماً كبيراً من طاقته البشرية سوف ينصرف إلى هذه المهمة.. فعلق الفيصل قائلاً: لكن ذلك لا يغير من الأمر شيئاً، لأن كل هذه القوى البشرية المقاتلة والمدربة ستبقى جاهزة للتحول إلى قوة عسكرية في أي لحظة..فما كان من الرئيس عرفات إلا أن علق بنوع من المداعبة الساخرة قائلاً: وماذا تريده أن يفعل بهم؟ هل يسفّرهم؟

وهكذا كانت معركة الكويت في رأينا نوعاً من الفخ الدولي لاصطياد العراق والقوة العراقية التي بدا أنها باتت مؤهلة لتحقيق تغيير هام جداً في موازين القوى الإقليمية.. خاصة بعد أعيد طرح صيغ جديدة لنوع من التشكيلات العربية التي تتضمن تجديد الدعوات القومية بشكل عملي، كمجلس التعاون العربي الذي ضم العراق والأردن ومصر واليمن.. إلى جانب مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي!!

وأذكر أنني أشرت إلى هذا الموضوع في الحديث المذكور مع الرئيس الفلسطيني، إذ دعوته لتجديد الطرح القومي لاسيما بين العراق ومصر ومنظمة التحرير.. فأضاف هو الأردن قائلاً إنه جسر هام في هذه الصيغة.. لكنه استدرك قائلاً: كان هذا الأمر الهام ممكناً لولا شيء واحد هو وجود حسني مبارك في مصر.. فهذا الشخص غبي وشديد التخلف.. تصور لو أنه معنا الآن لكان من الصعب عليه فهم ما يدور من حديث!! (وقد استغربت هذا الكلام استغراباً شديداً.. خاصة أنه صادرعن الرئيس عرفات المعروف عنه أنه كان دائماً مصري الهوى.. وقد عدت لأقرأ تقييماً مطابقاً تماماً في سلسلة مقالات كتبها محمد حسنين هيكل بعد الإطاحة بمبارك ثم جمعت في كتاب يحمل اسم «مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان»).

وسرعان ما وقع العراق في «فخ الكويت» الدولي الخطير، فكانت «حرب الخليج الثانية» فرصة أمريكية- صهيونية لتدمير تلك القوة العربية الجديدة.. وفي هذا المجال تنقل صحيفة «النهار» اللبنانية عن الرئيس جورج بوش الأب، أنه قال في لقاء له مع ممثلي المنظمات اليهودية الأمريكية معلقاًعلى الخلاف الذي نشأ بينه وبين شامير بصدد التسهيلات الائتمانية لإسرائيل من أجل توطين المهاجرين من الاتحاد السوفييتي، وكانت واشنطن تعترض على إنفاقها في المستوطنات: “ماذا تريد إسرائيل مني أكثر من أنني دمرت لها العراق”؟!

بعد الضربة التدميرية التي تلقتها القوات العراقية في حرب الكويت، وما فُرِض على العراق من حصار لم يسبق له مثيل في التاريخ المعاصر.. وقد تمّ ذلك في مناخ انهيار المعسكر الاشتراكي بشكل عام والاتحاد السوفييتي بشكل خاص، وهيمنة الولايات المتحدة «المنتصرة» في الحرب الباردة على الوضع الدولي برمته، وتحول الأمم المتحدة بكل مؤسساتها إلى ما يشبه الإدارة الملحقة بوزارة الخارجية الأمريكية.. بعد ذلك بدا وضحاً أننا دخلنا كعرب في مرحلة جديدة وبالغة الخطورة لم يعد متاحاً فيها الحديث إلا عن كيفية السعي وبكل الوسائل المتاحة لتخفيف الأضرارفي مواجهة إسرائيل متفوقة ومتغطرسة ومطلقة اليد في العمل على ترتيب أوضاع المنطقة كلها لصالح أمنها ومطامعها ومخططاتها التوسعية..

وكان واضحاً لنا أن الهدف الأول الذي يهدده هذا الوضع الجديد هو سورية.. كدولة وكيان وشعب موحد وجيش متماسك، قبل أن تكون مهددة كنظام..

انطلاقاً من ذلك، ومن الشعور بمسؤولية المعارضة الوطنية، وهي مسؤولية كنا نؤمن دائما أنها يجب أن تتفوق على مسؤولية الحكام، كانت لنا الوقفات المعبر عنها في هذه السلسلة من المقالات التي عمدنا- وف يظروف شخصية بالغة القسوة والتعقيد- إلى نشرها في صحيفة «القدس العربي» ما بين 1993و1998.. وكانت كلها تنصب على التحذير من ذلك الخطر المحدق بسورية والدعوة (للنظام أولاً) لاستدراك الوضع، والقيام بكل ما يلزم من أجل تصحيح الأوضاع وتدارك الخلل عن طريق: المصالحة الوطنية، وإطلاق الطاقات الديمقراطية للشعب، وإحداث تعبئة وطنية وقومية شاملة لمواجهة استحقاقات المرحلة. وقد حددنا المطلوب حرفياً بما يلي (كما ورد نصاً في مقال «المعارضات العربية ومفاوضات السلام» عام 1993):

أولاً- على الصعيد الوطني:

1-    إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية.

2-    الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين والاعتراف بمصيرالمفقودين منهم… وقيام الدولة بتحمل المسؤولية عن ذلك المصير.

3-    إصدارعفو سياسي شامل.. والسماح بعودة المنفيين والملاحقين لأسباب سياسية.

4-    الإعلان عن فترة انتقالية محددة لتصفية أجواء الاحتقان والتوتر وتجديد اللحمة الوطنية للمجتمع، وإجراء انتخابات حرة تنبثق عنها جمعية تأسيسية جديدة لمراجعة الدستور الحالي أو وضع دستور جديد للبلاد أساسه: الديمقراطية، والتعددية، وحقوق الإنسان.

ثانياً- على الصعيد القومي:

1-    التأكيد على وحدة القضية القومية، ووحدة الموقف، ومركزيةالبعد الفلسطيني في أية تسوية مقبلة.

2-    الدعوة لمصالحة قومية شاملة تحتوي التمزق الخطير القائم في الجسم العربي.

3-    أخذ المبادرة في فك الحصار عن العراق، بعد أن زالت مبرراته المعلنة وبات واضحا أن الهدف من استمراره هو: تدمير القطر العراقي الشقيق، وتجريد الأمة العربية من قوتها في وقت هي بأمس الحاجة لمثل تلك القوة.

وما من شك في أن سورية هي الأقدر على تغيير الموقف العربي برمته في هذا الاتجاه.

4-    الاستفادة من المناخ القومي الذي تؤججه هذه المبادرة لرفع سطوة الجهات الدولية المعروفة عن القرار بهذا الصدد.

إن مبادرة سورية رسمية وعلنية بهذا المنظور الوطني والقومي والحضاري، سوف تلقى بدون شك استجابة مسؤولة من قبل المعارضة والجماهير (السلبية حالياً)، وستكون كفيلة بتغيير الكثير من المعطيات الحالية باتجاه تعديل موازين القوى لتمكين الأطراف العربية المفاوضة من التمسك بالثوابت الوطنية والقومية وضمان الشروط اللازمة لتحقيق سلام عادل حقاً، يدخل المنطقة كلها في مرحلة حضارية جديدة، تكون فيها تنازلات الحكام والقيادات لصالح شعوبها، وليست على حساب تلك الشعوب وقضاياها المصيرية ومستقبل أجيالها المقبلة.

كما أنها تساهم، في الوقت نفسه، وبشكل جدي، في تصفية مراحل العنف والعنف المضاد في الحياة السياسية الداخلية لبلادنا، وتطوي نهائياً صفحة المجازر والمجازر المضادة والمخاوف المتبادلة، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الديمقراطية الحقّة: الديمقراطية النابعة من جوهر مصالح الشعب والأمة، لا من ضغوط القوى الخارجية على حساب تلك المصالح.

إن التعبئة الوطنية والقومية الشاملة، على كل المستويات وفي جميع الحقول السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي السبيل الوحيد لصيانة المصالح الوطنية والقومية وتطويرها في عملية صياغة المرحلة الجديدة القادمة في حياة المنطقة والارتقاء إلى مستوى التحديات التي ستفرزها تلك المرحلة.”

لقد كنا، كما هو واضح في جميع مقالات السلسلة، نتوقع تعرض سورية لعملية تدمير مشابهة ومكملة لما تعرض له العراق، على امتداد عقد التسعينات.. وإذا كان هذا الأمر قد تأخر لسنوات عن التوقيت الذي كنا نتوقعه فيه فذلك لجملة أسباب، أهمها:

1-    استكمال عملية تدمير العراق.. وهو ما تم بالغزو المباشرعام 2003.

2-    انشغال القوات الأمريكية في مواجهة المقاومة العراقية الباسلة التي واجهتها على امتداد سنوات الاحتلال.

3-    التغيير الذي حصل بعد المصالحة الأمريكية- الفرنسية عام 2004 وإقناع الرئيس شيراك لضيفه الأمريكي في لقاء النورماندي آنذاك، بأن التغييرفي سورية لا يحتاج لحرب جديدة.. إذ يكفي إخراج القوات السورية من لبنان لتحقيق ذلك في دمشق.. وهكذا تمت المراهنة على قرار مجلس الأمن الدولي 1559 لهذا الغرض، ثم تلا ذلك اغتيال الحريري وما رافقه من ضغوط لإخراج القوات السورية من لبنان والمراهنة على مفاعيل ذلك داخل سورية.

4-    الرهان على حرب تموز 2006 التي كان مخططا لها أن تؤدي إلى تدمير قوات «حزب الله» واجتياح الجنوب اللبناني وتحقيق عملية تهجير جنوبية واسعة باتجاه الشمال والأراضي السورية وصولاً فيما بعد لتفجير فتنة سنية- شيعية تشمل لبنان وسورية وصولاً إلى الهدف المقصود.

.. وبعد مرور هذه المراحل كلها، كان استغلال أجواء الربيع العربي «وتأخر» النظام السوري عن تحقيق أية إصلاحات جدية أو تغييرات ديمقراطية تستبق العاصفة وتنفس الاحتقان الشعبي الذي بلغ أقصى مداه خلال السنوات الماضية، مع استفحال الأزمات الاقتصادية والمعيشية الناجمة عن سياسة انفتاح اقتصادي وضعت كلها في خدمة أركان الفساد والقوى الطفيلية والبيروقراطية الاستبدادية.. فكان الانفجار وكانت الثورة الشعبية العارمة التي شملت البلاد من أقصاها إلى أقصاها.

وفي غياب المعالجة الوطنية الديمقراطية العاقلة، ومع اللجوء إلى الحل الأمني، وفي غياب قيادة سياسية ثورية واعية لقيادة الثوار وضبط الخط الوطني الديمقراطي للثورة، تقدمت القوى الغربية-وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا- ومن ورائها الدول الخليجية الرجعية (وبالذات قطر والسعودية) وتركيا، لتلعب أدواراً خطيرة جداً في التلاعب بمسار الثورةومصيرها، إبعاداً لها عن هدفها الوطني الديمقراطي ودفعاً لها ولسورية في دهاليزالتدمير الذاتي والتقسيم المذهبي والعرقي..

وهكذا وقعت سورية (الوطن بأسره) في فخ «المؤامرة».. فخ التربص والمشروع الدولي القديم الذي كان دائماً يعتبر سورية الديمقراطية خطراً عليه وعلى مصالحه في المنطقة.

ومن أجل إلقاء الضوء على هذا المسار، رأينا أن نعود إلى سلسلة مقالاتنا التحذيرية التي كانت منذ قرابة العقدين تدق جرس الإنذار بأن ثمة مشاريع دولية كبيرة تتربص بسورية كنظام ووطن وأرض وشعب، واستماتتنا في الدعوة لقطع الطريق على هذه المشاريع بخطوات إصلاحية ديمقراطية جذرية تحصّن الشعب والوطن والأرض والنظام.. غير أن كل تلك التحذيرات ذهبت سدى – مع الأسف- في ظل نظام وقوى فاعلة فيه، قوى بيروقراطية استبدادية وطفيلية فاسدة، لاتريد رؤية الأخطار الداهمة التي كانت تحدق به وبالبلاد وأدت إلى ما أدت إليه من دمار لا حدود له، ولا أحد غير الله يعلم كيف ومتى ستكون نهايته.

علماً بأنه بدا في فترة ما (بين 1997و2004) أن الدكتور بشار الأسد يقود محاولة جدية للتغيير في الاتجاه الذي كنا ندعو إليه.. سواء على صعيد الانفراج الداخلي: مع الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين، وفتح النوافذ لما عرف بـ«ربيع دمشق»، وتصفية عدد من رؤوس الفساد؛ أم على الصعيد القومي: بكسر الحصار على العراق، والمصالحة مع قيادة منظمة التحرير.. لكن هذاالاتجاه الإصلاحي الذي شهد صورته السياسية الأبرز في خطاب القسم عام 2000، سرعان ما احتوته قوى السلطة ودفنته تحت ركام مصالحها البيروقراطية التي قادت البلاد إلى هاوية 2011.

 

تبقى ملاحظة أخيرة لا بد من التوقف عندها في هذه المقدمة، وهي أن التسوية السلمية للصراع العربي- الصهيوني بدت كأنها استحقاق داهم في النصف الأول من عقد التسعينات بعد «اتفاق أوسلو» و«مؤتمر مدريد»، وما نجم عنه من مفاوضات ثنائية ومتعددة في ظل الهيمنة الأمريكية المطلقة على الوضع الدولي والتفوق الإسرائيلي العسكري على المستوى الإقليمي.. وهذا ما كان موضوعاً لمعظم مقالاتنا في تلك الفترة.. غير أن الأمر اختلف بعد عام 1996 وانقلاب إسرائيل نفسهاعلى التسوية.. ذلك الانقلاب الذي كان من أهم محطاته اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين الذي تزامن مع اغتيال قائد منظمة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي في مالطة والمهندس عياش أحد أبرز  القادة العسكريين في حركة حماس، مما أدخل التسوية في دوامة من العنف والعنف المضاد.. وقلب مسار الأحداث رأساعلى عقب.. وهو الأمر الذي توقفنا عنده في أكثر من مقالة في تلك الفترة. وبالذات في مقال خاص باغتيال رابين نشرناه في مجلة «النشرة» الشهرية الصادرة في غزة عدد تموز1996.

 

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: